بعد منتصف الليل وتحديدًا في الثالثة فجرًا، لم يكن هناك شجار ولا خيانة ولا مكالمة غامضة على هاتف الزوج، فقط هناك رجل يسير في الظلام بعينين مفتوحتين وجسدٍ غائب عن الوعي.
في البداية، ظنتها الزوجة مزحة ثقيلة من الزوج، ثم تحولت المزحة إلى خوف، كل ليلة تستيقظ لتجده يحاول فتح باب الشقة، أو يقف في الصالة يتحدث مع أشخاص غير موجودين، ويصل الخوف مداه عندما تراه يقف أمام نافذة يفتحها، وحين أصرت على إنقاذ بيتها، وجدت نفسها تُضرَب أمام الجيران.
قصة بدأت بنوبات أو بأدق بمرض»المشي أثناء النوم» وانتهت بدعوى خُلع في محكمة الأسرة، بعدما تحول كابوس الليل إلى عنفٍ في وضح النهار، كيف وصل الأمر إلى الطلاق؟ مزيد من التفاصيل فى السطور التالية.
في شقة بسيطة في أحد أحياء القاهرة الشعبية، بدأت الحكاية بهدوء يشبه أي بداية عادية لزواج تقليدي، تعارف عن طريق الأهل، شبكة بسيطة، وفرح متواضع حضره الأقارب والجيران، لم تكن العروس تتخيل أن أكثر ما سيهز بيتها لاحقًا، ليس الفقر ولا تدخلات الحماة، بل عادة ليلية غامضة اسمها «المشي أثناء النوم».
في الشهور الأولى، كانت تظن الأمر عارضًا، تستيقظ في منتصف الليل فلا تجده بجوارها تبحث عنه فتجده واقفًا في صالة الشقة، أو أمام نافذة يفتحها، عيناه مفتوحتان لكن نظراته زائغة، يتمتم بكلمات غير مفهومة، أو يحاول فتح باب الشقة وكأنه يستعد للخروج، في البداية كانت تضحك بخوف وتعيده إلى السرير برفق كان يستجيب أحيانًا، وأحيانًا يقاومها بعصبية وكأنه لا يراها.
مع تكرار الموقف، بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها، مرة حاول فتح باب الشقة بالفعل لولا أنها سبقته وأمسكت بالمفتاح ومرة أخرى كاد يشعل البوتاجاز وهو في حالة لا وعي، هنا لم يعد الأمر مجرد «حركة لطيفة» أو قصة تُحكى في جلسات السمر، بل خطر حقيقي يهدد حياتهما.
ليالي القلق
تحكى نجلاء قائلة: في صباح أحد الأيام، واجهته بالأمر حكيت له بالتفصيل ما يفعله كل ليلة ضحك ساخرًا من كلامي وقال: «أحلام أيه إنتِ بتكبّري الموضوع»،في الواقع وأمام ما رأيته لم أكن أبالغ. استعنت بوالدته التي اعترفت لي على استحياء: «أيوه هو كان بيمشي وهو صغير، بس كبر وبطّل».
طلبت منه زيارة طبيب مخ وأعصاب أو طبيب نفسي، أخبرته أن المشي أثناء النوم حالة معروفة ولها علاج أو على الأقل إرشادات تقلل خطورتها، لكنه اعتبر اقتراحي إهانة «عايزاني أروح لدكتور نفسي هو أنا مجنون»؟!، تحولت المناقشة إلى مشادة، والمشادة إلى صراخ.
من هنا بدأت الشرارة الأولى للأزمة، ليالي القلق صارت أطول، لم أعد أنام بعمق، أترقب أي حركة منه فأجري أخفي مفاتيح الشقة، وأغلق النوافذ بإحكام، وابعد عن يده الأدوات الحادة في المطبخ، تحولت إلى حارسة ليلية، تسهر خوفًا من كارثة ومع قلة النوم، توترت أعصابي، وصارت المشاحنات بيننا شبه يومية.
في إحدى الليالي، حدث ما لم أتوقعه؛ استيقظت على صوته وهو يتشاجر مع شخص غير موجود، يتحرك بعصبية في الصالة حاولت تهدئته، لكنه دفعني بقوة فاصطدمت بالحائط لم يكن واعيًا، تألمت فعلًا وفي الصباح أنكَر كل شيء واتهمني باختلاق القصص للضغط عليه.
شعرت أنني استنزف نفسيًا. لا نوم، لا أمان، ولا اعتراف بالمشكلة، وعندما أعدت طلب العلاج، انهال عليها بالسباب، واتهمني بأننيأريد «تشويهه» أمام الناس.
تستطرد الزوجة نجلاء قائلة: وصلت إلى لحظة فارقة فقررت توثيق ما يحدث، وضعت هاتفي في زاوية الغرفة قبل النوم، وصوّرت إحدى النوبات ظهر في الفيديو وهو يتجول في البيت بعينين مفتوحتين دون وعي، يحاول فتح باب الشقة ويتحدث بكلمات غير مترابطة، احتفظت بالفيديو كدليل، لا بنية الفضيحة، بل لحماية نفسي إذا أنكر مرة أخرى.
لكن ما كنت أخشاه حدث؛ في إحدى المشاجرات، ذكرت أمامه أننيأملك دليلًا مصورًا، ثار جنونه واتهمني بأننيأفضحه وصوّرته دون إذنه وأسعى للتشهير به على مواقع التواصل، صرخت بصوت عالٍ حتى سمع الجيران تبادل الاتهامات وخرج إلى السلم، وتدخل بعض السكان لفض الاشتباك.
وتطور الأمر إلى اعتداء بالضرب، هذه المرة لم يكن نائمًا كان مستيقظًا وغاضبًا، اتهمني بأني السبب في كل ما يحدث، ومع تكرار العنف اللفظي والجسدي، بدأت أفكر في الانفصال. لم تعد القضية «مشي أثناء النوم» فقط، بل رفض العلاج والإنكار، والإهانة، والضرب أمام الآخرين, شعرت أن حياتي تحولت إلى دائرة خوف مستمرة.
توجهت إلى أسرتي أحكي ما جرى، انقسمت الآراء بين من نصحني بالصبر بحجة «ده مرض غصب عنه»، ومن رأى أن العنف خط أحمر، حاول كبار العائلة الإصلاح، جلسوا معه وأقنعوه بضرورة استشارة طبيب. رفض مرة أخرى، واعتبر الاجتماع مؤامرة ضده.
أمام المحكمة
لم يكن أمم نجلاء سوى أقامة دعوى خُلع، مستندة إلى الضرر الواقع عليها، والخوف على سلامتها، ورفض الزوج العلاج، إضافة إلى واقعة الضرب والإهانة، قدمت الفيديو للمحامية نهى الجندي التي قامت بدورها للدفاع عن الزوجة المسكينة واستخدمت الفيديو كدليل على حقيقة حالته، لا للتشهير، بل لإثبات أنها لم تتوهم المشكلة.
في أروقة محكمة الأسرة، روت قصتها أمام القاضي قالت: إنها لم تكرهه لمرضه، لكنها كرهت إنكاره وعنفه، قالت إنها كانت مستعدة للبقاء لو اعترف وسعى للعلاج، لكن استمرار الوضع يعني خطرًا دائمًا.
انتهت الجلسات بالحكم للزوجة بالطلاق خلعًا، بعد أن ردت مقدم الصداق وتنازلت عن حقوقها المالية الشرعية، خرجت نجلاء من المحكمة بإحساس مختلط حزن على حلم لم يكتمل، وارتياح لأنها استعادت شعورها بالأمان.
تحدثنا مع المحامية نهى الجندي التي تبنت هذه القضية وطرحنا عليها بعض السؤال حول»هل يُعد المشي أثناء النوم سببًا كافيًا للخلع؟ أم أن جوهر القضية هو العنف ورفض العلاج؟
قالت: «أن الضرر المادي أو المعنوي إذا ثبت، يبرر طلب الخلع كما إن قضايا الخُلع في القانون المصري لا تُبنى فقط على فكرة «الخطأ» بالمعنى التقليدي، ولكن على استحالة العِشرة وخشية الزوجة ألا تقيم حدود الله. وبحسب قانون الأحوال الشخصية، يكفي أن تُقر الزوجة أمام المحكمة ببغضها للحياة الزوجية وخوفها من استمرارها، مع ردّ مقدم الصداق والتنازل عن حقوقها المالية الشرعية، حتى يُحكم لها بالخلع.
لكن في مثل هذه القضية، لا يتوقف الأمر عند مجرد «بغض» أو خلافات عادية، بل يرتبط بمسألة الضرر بمعنى اذا ثبت أن الزوج يعاني من اضطراب يجعله يشكّل خطرًا على نفسه أو على زوجته، ورفض العلاج رغم مطالبات متكررة، فإن ذلك يُعد عنصرًا جوهريًا في تقدير المحكمة لمدى استحالة استمرار الحياة الزوجية، الخطر هنا ليس افتراضيًا، بل واقعًا يتكرر ليلًا، خاصة إذا اقترن بمحاولات لفتح باب المنزل أو التعامل مع أدوات قد تسبب أذى.
الأخطر قانونيًا هو تطور الأمر إلى عنف جسدي أو سبّ وقذف أمام الغير فالعنف سواء وقع أثناء نوبة اضطراب أو في حالة وعي كامل يمثل سببًا مستقلًا لطلب التطليق للضرر، وهو أشد وطأة من مجرد الخلافات الزوجية كما أن الإهانة العلنية والاعتداء أمام الجيران يدخلان ضمن الأضرار المعنوية التي تأخذ بها المحكمة.
أما مسألة تصوير الزوج أثناء النوم، فهي تخضع لاعتبارات دقيقة. فالأصل أن الحياة الخاصة مصونة، لكن إذا كان التصوير بغرض إثبات ضرر واقع فعلًا، ولم يُستخدم للتشهير أو النشر العلني، فقد يُنظر إليه باعتباره وسيلة إثبات اضطرارية، خاصة إذا اقتصر عرضه على المحكمة الفارق هنا بين «التوثيق للحماية» و»الفضيحة للتشهير».
وبالتالي، فإن القضية لا تتمحور حول مرض في حد ذاته، لأن المرض ليس سببًا للعقاب أو الوصم، بل حول رفض العلاج، وإنكار المشكلة، وتحولها إلى مصدر تهديد وعنف، القانون لا يُحاسب إنسانًا على مرضه، لكنه يتدخل عندما يصبح استمرار العلاقة خطرًا ماديًا أو معنويًا على أحد الطرفين، واليوم الزوجة تعيش في بيت أهلها، تنام بعمق لأول مرة منذ شهور لا تستيقظ مفزوعة على صوت باب يُفتح في الظلام ولا تخشى أن تمتد يد غاضبة نحوها، تعلم أن المرض ليس عيبًا، لكن إنكار المرض ورفض العلاج قد يهدم بيتًا كاملًا.
قابل للعلاج ولكن
قصتها تطرح سؤالًا أوسع: كم من زيجات تتصدع لأن أحد الطرفين يرفض الاعتراف بمرضه؟ وكم من أمراض قابلة للعلاج تتحول إلى قنابل موقوتة داخل البيوت بسبب العناد والخوف من «كلام الناس»؟، لذلك تحدثنا مع دكتورة ندى عماد أستشاري الطب النفسي التي عبرت عن رأيها فى هذه القضية قائلة: «المشي أثناء النوم قد يبدو تفصيلة صغيرة في حكاية زواج، لكنه في هذه القصة كان البداية أما النهاية فصنعتها لحظة عنف، وكلمة إهانة، وإصرار على الإنكار بين البداية والنهاية، ألف ليلة من القلق،والمشي أثناء النوم أو ما يُعرف طبيًا بـ”السير النومي”، هو اضطراب من اضطرابات النوم يحدث غالبًا في مراحل النوم العميق. الشخص في هذه الحالة لا يكون واعيًا بما يفعله، رغم أن عينيه قد تبدوان مفتوحتين، وقد يتحرك ويتحدث بل ويتفاعل مع البيئة المحيطة دون إدراك حقيقي.
تظهر هذه الحالة بكثرة في الطفولة، لكنها قد تستمر لدى بعض البالغين، خاصة في فترات التوتر الشديد أو الضغوط النفسية أو اضطرابات القلق أحيانًا يكون هناك عامل وراثي، وأحيانًا ترتبط الحالة بنقص النوم أو الإرهاق المزمن.
في معظم الحالات، لا يكون المشي أثناء النوم عدوانيًا بطبيعته، لكن الخطورة تكمن في السلوكيات غير المقصودة التي قد تُعرض الشخص أو من حوله للخطر، مثل محاولة الخروج من المنزل، استخدام أدوات حادة، أو حتى قيادة السيارة في حالات نادرة هنا تتحول الظاهرة من مجرد اضطراب عابر إلى مشكلة تستدعي تدخلًا طبيًا.
العلاج لا يعني بالضرورة أدوية ثقيلة، بل يبدأ أولًا بتقييم شامل للحالة: هل هناك اكتئاب؟ قلق؟ ضغوط مهنية؟ مشاكل زوجية؟ أحيانًا يكفي تنظيم مواعيد النوم وتقليل التوتر، وأحيانًا يُلجأ لأدوية مهدئة لفترة محدودة والأهم هو اعتراف المريض بالمشكلة وقبوله للعلاج.
في النهاية، اضطرابات النوم قابلة للعلاج والسيطرة في أغلب الحالات، وأن اللجوء للطبيب ليس اعترافًا بالضعف، بل خطوة لحماية النفس والأسرةالمشكلة لا تبدأ من المرض، بل من تجاهله، الأمان ليس رفاهية في الزواج، بل حق وعندما يتحول البيت إلى مصدر خوف، يصبح الخروج منه نجاة، لا هروب.
اقرأ أيضا: هل توجد حقوق للمرأة عند الخلع؟.. محامي يوضح
الاستئناف تعيد حضانة طفلين لوالدتهما بعد كشف ألاعيب الأب
تقتل طفلها انتقامًا من زوجها
ضبط طالب نصب على المواطنين عبر السوشيال ميديا







