القرى المنتجة.. الحل السحرى للتصنيع والتصدير

 اجتماع وزراء الصناعة والتخطيط والتنمية المحلية لمناقشة خطة مشروع القرى المنتجة
اجتماع وزراء الصناعة والتخطيط والتنمية المحلية لمناقشة خطة مشروع القرى المنتجة


تلعب القرى المنتجة دوراً محورياً فى تعزيز الاقتصاد الوطنى، خاصة بالدول النامية والصاعدة، حيث تتحول القرية من مستهلك للسلع إلى مركز صناعى أو زراعى متخصص، اعتمادا على استغلال الموارد المحلية البشرية أو الطبيعية، وتحويلها إلى قيمة مضافة تساهم فى الناتج المحلى الإجمالى، ولذلك تعد القرى المنتجة الحل السحرى لتحويل مصر من دولة تستهلك ما لا تنتج، إلى دولة تصنع ما تحتاج وتصدر الفائض، نظرا لتوفر  القوة البشرية، والموارد المحلية.

اقرأ أيضًا| مرحلة جديدة تستهدف تطويرها إلى مراكز دولية متكاملة واقتصادية

وهناك أمثلة لقرى إنتاجية ناجحة فى مصر، ومنها على سبيل المثال جراح بالدقهلية، التى استطاعت القضاء على البطالة تماماً من خلال صناعة الزجاج تصديره، بل وأصبحت تستعين بعمالة من القرى المجاورة، وقرية كتامة بالغربية، والتى هى قلعة صناعة الأثاث فى الدلتا، وقرية القلعة بقنا الشهيرة بصناعة الفخار والخزف، وقرية شبرامنت بالجيزة  المتخصصة فى صناعة السجاد اليدوى.

ولذلك فإن تبنى نموذج القرى المنتجة فى مصر ليس مجرد مشروع اجتماعى، بل محرك نمو معطل، يمكنه أن يغير شكل الاقتصاد المصرى إذا تم استغلاله بشكل استراتيجى، خاصة مع  توجه الدولة حاليا نحو تعزيز الإنتاج المحلى وتقليل الفاتورة الاستيرادية، لذلك تبرز القرى كبديل عملى للمصانع الكبرى التى تتطلب استثمارات ضخمة.

مصر تستورد سلعاً استهلاكية بسيطة بمليارات الدولارات، ويمكن للقرى المنتجة سد هذه الفجوة، من خلال تصنيع البدائل، حيث يمكن لقرى متخصصة فى الصناعات الهندسية البسيطة أو المنسوجات أن توفر بدائل محلية بجودة عالية..

كما يمكن لهذه القرى أن تلعب دورا مهما فى التصدير، فالقرى التى تشتهر بحرف يدوية فريدة مثل السجاد «ساقية أبو شعرة» أو الفخار «تونس» تمتلك ميزة تنافسية عالمية، مما يساهم فى زيادة تدفقات العملة الصعبة.

ويمكن أن تقوم بعض القرى الانتاجية بالتحول إلى سلاسل انتاج متكاملة،  فبدلاً من وجود ورش مبعثرة، يمكن تحويل القرية إلى التخصص فى الألبان على سبيل المثال، وهنا لن يقتصر إنتاجها على الحليب فقط، بل تتحول لتصنيع الأجبان، والتغليف، وتدوير المخلفات لإنتاج الطاقة الحيوية «البيوجاز»، ويؤدى تجمع الورش فى مكان واحد لتقليل تكاليف النقل واللوجستيات، مما يجذب الموردين والمشترين بسهولة.

اقرأ أيضًا| ميناء دمياط.. شريان يربط مصر بالأسواق الدولية وتدفق السلع نحو أوروبا

فوائد اقتصادية أخرى

كما أن هناك فوائد افتصادية أخرى، فالقرى المنتجة تعمل حالياً خارج الاقتصاد الرسمى، ولذلك فإن دمجها فى المنظومة الرسمية يسهم فى زيادة الحصيلة الضريبية، من خلال حوافز تجعل أصحاب الورش يسجلون أنشطتهم، بالإضافة لتوفير البيانات عن هذه الأنشطة الاقتصادية، مما يساعد الدولة فى رسم خرائط استثمارية دقيقة بناءً على إنتاجية كل منطقة، بالإضافة إلى تخفيف الضغط على المدن، فعندما تجد العمالة الماهرة فرصاً مجزية داخل قراها سيتوقف النزوح إلى القاهرة والإسكندرية، مما يقلل الضغط على البنية التحتية والخدمات فى المدن، وهو ما يسهم أيضا فى تنمية الريف، حيث يتحول جانب من الاستثمارات  إلى قلب الريف المصرى، مما يحقق عدالة فى توزيع الثروة.

النماذج العالمية الناجحة

 وهناك نماذج دولية رائدة للقرى المنتج، مثل قرى تا باو بالصين، فالصين تعد الدولة الرائدة عالمياً فى هذا المجال من خلال دمج التجارة الإلكترونية بالإنتاج الريفى، وتُعرف قرى تاو باو بممارسة فيها نسبة كبيرة من السكان التجارة الإلكترونية عبر منصات مجموعة على بابا، وتضم تاو باو قرى متخصصة بالكامل فى صناعة أثاث المكاتب، وأخرى فى ملابس السباحة أو ألعاب الأطفال، وساهمت هذه القرى فى انتشال الملايين من فقر الريف، كما ربطت القرى النائية بالأسواق العالمية.

وتميزت اليابان بمبادرة قرية واحدة منتج واحد، والتى بدأت فى محافظة أويتا عام 1979 ثم انتقلت للعالم، وتعتم هذه المبادرة على اختيار كل قرية منتجاً واحداً يميزها مثلا فاكهة معينة، أوحرفة خزفية، أو سياحة ريفية، وتقوم بتطويره وتغليفه وتسويقه كعلامة تجارية فاخرة، ونجحت اليابان فى تحويل القرى إلى مراكز جذب سياحى واقتصادى، مما حافظ على الهوية الريفية مع تحقيق أرباح عالية.

كما استلهمت تايلاند النموذج اليابانى، وأطلقت مشروع تامبون واحد منتج واحد، والذى يقوم على دعم الحكومة القرى تقنياً فى مجال التصميم لتطوير المنتجات التقليدية مثل الحرير التايلاندى، والمجسمات الخشبية، والصناعات الغذائية لتطابق المعايير الدولية، ليصبح لتايلاند آلاف المنتجات التى تباع فى المطارات والمتاجر العالمية.

 وتحويل أى قرية إلى كيان منتج يتطلب توفير التدريب المهنى، لرفع كفاءة الحرفيين والشباب، وتوفير التمويل الميسر عبر قروض متناهية الصغر لبدء المشروعات، والتسويق الذكى، الذى يتم من خلال الربط بين المنتج والمنصات الرقمية والمعارض الدولية.

مصر دخلت على الخط فى هذا المجال، فمنذ أيام عقد المهندس خالد هاشم وزير الصناعة اجتماعاً مع د. منال عوض وزيرة التنمية المحلية والبيئة وعلاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضى، ود. أحمد رستم وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية لبحث خطة تنفيذ مشروع القرى المنتجة الذى تتبناه الوزارة حالياً، 

وأكد وزير الصناعة أن المشروع سيكون له أثر بالغ على تطوير وتنمية القرى المصرية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، حيث سيتم التنفيذ الفورى لهذا المشروع فى إطار المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» فى قريتين، ثم تعميم التجربة على باقى القرى، مشيراً إلى أن مبادرة حياة كريمة ساهمت فى إقامة البنية التحتية اللازمة لتحسين معيشة المواطنين بالقرية المصرية، بينما سيسهم مشروع القرى المنتجة فى استدامة المبادرة من خلال خلق فرص عمل منتجة ولائقة مستفيدةً من البنية التحتية والقدرات البشرية المتوفرة بالقرى.

وقال أن الصناعات الغذائية والنسيجية من الصناعات المستهدفة من الوزارة لتكون نواة للمشروعات الصناعية المقرر إقامتها بالقرى، خاصة أنها لا تتسبب فى أضرار بيئية قد تضر بالمناطق السكنية المحيطة، كما أنها تستقطب السيدات اللاتى يشكلن نسبة كبيرة من العمالة بالقرى، لافتاً إلى أن اتحاد الصناعات والغرف الصناعية على استعداد للمشاركة فى المشروع لتحقيق التكامل من خلال ربط المشروعات الصغيرة أو متناهية الصغر التى ستقام بالقرى بالمشروعات الصناعية المتوسطة أو الكبيرة، لا سيما فى مجالات صناعة منتجات الألبان والغزل والنسيج. 

وأوضح أنه سيتم تشكيل فريق العمل من ممثلى وزارات الصناعة والتنمية المحلية والبيئة والتخطيط والتنمية الاقتصادية والزراعة واستصلاح الأراضى والتضامن الاجتماعى، لوضع الخطة التنفيذية للمشروع، فى ضوء الميزة النسبية لكل قرية والبنية التحتية المتاحة بها، وكذلك دراسة شكل الكيان الإدارى الذى سيتولى الإشراف على هذه المشروعات بالقرى، والذى سيكون من القطاع الخاص، للتأكد من الجدوى الاقتصادية للمشروعات واتسامها بالاستدامة والربحية.

وأكدت د. منال عوض ضرورة البناء على الميزة التنافسية للقرى المستهدفة، والتوافق حول تحديد شروط محددة، يجب أن تتوفر فى الأراضى المطلوبة لهذه المشروعات، سواء كانت زراعية أو صناعية أو منسوجات وغيرها، لافتة إلى إمكانية دعم تنفيذ هذا المشروع وتوفير تمويلات بقروض ميسرة للسيدات والشباب عبر صندوق التنمية المحلية ومبادرة «مشروعك» التابعين للوزارة، بالتعاون مع البنوك الوطنية، والاستفادة من تجربة الوزارة فى دعم التكتلات الاقتصادية من خلال برنامج التنمية المحلية بصعيد مصر.

وأعلن وزير الزراعة واستصلاح الأراضى بدء الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلى لمشروع إحياء القرية المنتجة، مؤكداً أنه يمثل ركيزة أساسية لتحويل الريف من نمط استهلاكى إلى مراكز إنتاجية مستدامة، تماشياً مع رؤية مصر 2030، بهدف خلق فرص عمل حقيقية للشباب والمرأة الريفية، ورفع مستوى معيشة الأسر عبر تقليل الحلقات الوسيطة لضمان عدالة الأسعار، مشيراً إلى إمكانية استغلال الأصول التابعة للوزارة بالمحافظات لإقامة كيانات اقتصادية تعتمد على التكنولوجيا والبحث العلمى، إلى جانب إشراك مركز البحوث الزراعية وبعض شركاء التنمية، مع استلهام التجارب الدولية الناجحة كالتجربة الإيطالية فى التصنيع الزراعى، وذلك من خلال برامج تدريبية متخصصة تهدف لتطوير مهارات أهل القرى فى مجالات التصنيع، والتعبئة، وتجفيف المحاصيل. 

وأكد د. أحمد رستم أن وزارة التخطيط مستعدة لتقديم التدريب اللازم للمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، من خلال مركز ريادة الأعمال التابع للوزارة، بالتعاون والتنسيق مع جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر والمنظمات الدولية المعنية مثل «الفاو» لإتاحة مزيد من الخبرات الدولية فى هذا المجال وتوطينها فى مصر.