فى لحظات تاريخية فارقة، يعيد السلوك السياسى لبعض القادة إلى الذاكرة أكثر الفصول قتامة فى تاريخ البشرية، وكأن الزمن يعيد إنتاج المأساة بأدوات أكثر حداثة، ما يفعله رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بات نموذجًا صارخًا لعقلية سلطوية تستدعى إلى الأذهان إرثًا دمويًا ارتبط باسم أدولف هتلر، حيث يُعاد إنتاج ذات المنطق الذى لا ترى فى الآخر سوى هدف مشروع للإبادة، ولا فى القانون سوى عائق يمكن تجاوزه بالقوة.
ولعل أخطر ما يعيد إلى الأذهان تلك الحقبة السوداء، ليس فقط الممارسات، بل الخطاب الذى يبررها ويمنحها غطاءً أيديولوجيًا. فقد قام مشروع أدولف هتلر على فكرة «النقاء العرقي» وتفوق الجنس الآري، باعتباره مبررًا للهيمنة والإقصاء والإبادة. واليوم، تتردد أصداء هذا المنطق، بصيغة مختلفة، فى الخطاب السياسى الذى يروّج له نتنياهو، عبر توظيف مفاهيم دينية وسياسية تمنح جماعة بعينها شعورًا بالاصطفاء والتفوق، وكأنها خارج نطاق المساءلة الأخلاقية والقانونية.
إن المقارنة هنا ليست ترفًا، بل ضرورة تحليلية؛ فحين تتشابه الأنماط، يصبح استدعاء التاريخ واجبًا. الغارات المكثفة، استهداف المدنيين، وتدمير البنية التحتية، والاغتيالات، وتحويل الضحية إلى متهم، كلها تُصاحبها روايات جاهزة تبررها، وتُعيد تشكيل الوعى العام بما يخدم استمرارها، بل والترويج لها كإنجازات، وهذه ليست سوى ملامح لنهج يعيد إنتاج منطق النازية، أحد أكثر الأنظمة دموية فى التاريخ الفارق الوحيد أن أدوات اليوم أكثر تطورًا، وأشد فتكًا.
ومع تصاعد السياسات التى ينتهجها بنيامين نتنياهو، والتى تعكس إيمانًا بأن القوة تمنح الحق المطلق، ومع هذا القدر من العنف المنفلت، والتحدى الصريح للقانون الدولي، والتوسع فى استهداف المدنيين، يبرز مشهد يقترب كثيرًا من تلك اللحظة التاريخية التى فشل فيها العالم فى إيقاف الجنون قبل أن يتحول إلى كارثة شاملة، خاصة فى ظل صمت دولى وتبريرات سياسية تعيد إنتاج الخطأ ذاته.
إن الحديث عن وقف إطلاق النار لم يعد كافيًا، بل باتت الحاجة ملحة إلى موقف دولى حاسم يعيد الاعتبار للقانون، ويضع حدًا لمسار يقوده منطق القوة العمياء. هكذا حدث حين توحّد العالم فى مواجهة مشروع أدولف هتلر، بعد أن أدرك أن ترك النزعة النازية تتمدد دون ردع لم يكن مجرد خطأ سياسي، بل تهديدًا وجوديًا للبشرية جمعاء.
أما استمرار هذا النهج دون ردع، فيعنى ببساطة أن العالم لم يتعلم شيئًا من أكثر فصوله ظلامًا.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







