خالد محمود يكتب : حين تتحول الذاكرة إلى مقاومة صامتة.. “يوماً ما ولد”.. سينما التفاصيل الصغيرة التي تقول كل شيء

خالد محمود
خالد محمود


في‭ ‬فيلمها‭ ‬القصير‭ ‬‮«‬يوماً‭ ‬ما‭ ‬وُلد‮»‬،‭ ‬الفائز‭ ‬بـ»الدب‭ ‬الذهبي‮»‬‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬برلين‭ ‬السينمائي‭ ‬الدولي،‭ ‬تنسج‭ ‬المخرجة‭ ‬اللبنانية‭ ‬ماري‭ ‬روز‭ ‬بسطا‭ ‬تجربة‭ ‬سينمائية‭ ‬شديدة‭ ‬الخصوصية،‭ ‬مشبعة‭ ‬بالحنين‭ ‬والوجع‭ ‬الصامت،‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭ ‬الرقيقة‭ ‬بين‭ ‬الذاكرة‭ ‬والفقد‭. ‬هنا،‭ ‬تتحول‭ ‬الذاكرة‭ ‬إلى‭ ‬بطل‭ ‬خفي‭ ‬يقود‭ ‬السرد‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬الكاميرا؛‭ ‬فلا‭ ‬تُروى‭ ‬الحكايات‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تُستعاد‭ ‬كأثر‭ ‬باقٍ‭ ‬في‭ ‬النفس‭.‬

الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬كتبته‭ ‬المخرجة‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬تجربة‭ ‬شخصية،‭ ‬لا‭ ‬ينحاز‭ ‬إلى‭ ‬حبكة‭ ‬تقليدية،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬شعورية‭ ‬ممتدة،‭ ‬يبدو‭ ‬فيها‭ ‬الزمن‭ ‬معلقًا‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬وما‭ ‬لم‭ ‬يعد‭. ‬منذ‭ ‬اللقطة‭ ‬الأولى،‭ ‬تضعنا‭ ‬بسطا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬عالم‭ ‬داخلي‭ ‬هش،‭ ‬تتحرك‭ ‬فيه‭ ‬الشخصيات‭ ‬ببطء،‭ ‬وكأنها‭ ‬تخشى‭ ‬إيقاظ‭ ‬الألم‭ ‬النائم‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬المكان‭.‬

تدور‭ ‬الأحداث‭ ‬حول‭ ‬شخصية‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬تأثير‭ ‬الفقد،‭ ‬داخل‭ ‬مساحة‭ ‬زمنية‭ ‬غير‭ ‬محددة،‭ ‬حيث‭ ‬تتداخل‭ ‬الذكريات‭ ‬مع‭ ‬الحاضر،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بطل‭ ‬القصة،‭ ‬وهو‭ ‬فتى‭ ‬في‭ ‬الحادية‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬‮«‬خالد‭ ‬حسن‮»‬،‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬بالشمال‭ ‬اللبناني‭ ‬مع‭ ‬عمه‭ ‬تشكل‭ ‬فيها‭ ‬طائرات‭ ‬الحرب‭ ‬خلفية‭ ‬صوتية‭ ‬مكثفة‭ ‬لحياته،‭ ‬بينما‭ ‬يكافح‭ ‬عمه‭ ‬للحفاظ‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬الطبيعي‭ ‬رغم‭ ‬قدرات‭ ‬الطفل‭ ‬غير‭ ‬الاعتيادية،‭ ‬حيث‭ ‬يمتلك‭ ‬قوى‭ ‬خارقة‭ ‬يُسقط‭ ‬بها‭ ‬طائرتين‭ ‬حربيتين‭ ‬إسرائيليتين،‭ ‬لأن‭ ‬هديرهما‭ ‬اقتحم‭ ‬نومه،‭ ‬هكذا‭ ‬يفعل‭ ‬الخيال‭ ‬السينمائي‭: ‬يمنح‭ ‬الضعفاء‭ ‬قدرةً‭ ‬على‭ ‬قلب‭ ‬المعادلة‭. ‬

لا‭ ‬تقدم‭ ‬المخرجة‭ ‬حكاية‭ ‬مكتملة‭ ‬الأركان،‭ ‬بل‭ ‬تضعنا‭ ‬أمام‭ ‬شذرات‭ ‬من‭ ‬حياة‭: ‬لحظات‭ ‬عابرة،‭ ‬تفاصيل‭ ‬يومية،‭ ‬وأثر‭ ‬شخص‭ ‬غائب‭ ‬يظل‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬الشخصية‭ ‬تبدو‭ ‬عالقة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬لحظة‭ ‬مفصلية‭ - ‬ربما‭ ‬فقدان،‭ ‬ربما‭ ‬وداع‭ ‬لم‭ ‬يكتمل‭ - ‬وتحاول،‭ ‬عبر‭ ‬استعادة‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة،‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬عالمها‭ ‬الداخلي‭. ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تستعيد‭ ‬الحدث‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬صداه‭: ‬نظرات،‭ ‬أشياء،‭ ‬وأماكن‭ ‬تحمل‭ ‬ذاكرة‭ ‬من‭ ‬رحلوا‭.‬

هنا،‭ ‬لا‭ ‬يسعى‭ ‬الفيلم‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬إجابات،‭ ‬بل‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬ممتدًا‭: ‬كيف‭ ‬نعيش‭ ‬بعد‭ ‬الفقد؟‭ ‬وكيف‭ ‬تتحول‭ ‬الذكريات‭ ‬من‭ ‬عزاء‭ ‬إلى‭ ‬عبء؟

تنجح‭ ‬بسطا‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬الصورة‭ ‬كوسيط‭ ‬سردي‭ ‬أساسي؛‭ ‬فالكادرات‭ ‬تبدو‭ ‬ساكنة،‭ ‬لكنها‭ ‬مشحونة‭ ‬بانفعالات‭ ‬مكتومة‭. ‬الضوء‭ ‬الخافت،‭ ‬والأماكن‭ ‬شبه‭ ‬الخالية،‭ ‬يخلقان‭ ‬إحساسًا‭ ‬بالعزلة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬عزلة‭ ‬الشخصيات،‭ ‬بل‭ ‬عزلة‭ ‬الذاكرة‭ ‬نفسها‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬يصبح‭ ‬الصمت‭ ‬لغة‭ ‬موازية،‭ ‬وربما‭ ‬أكثر‭ ‬صدقًا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬حوار‭ ‬منطوق‭.‬

من‭ ‬أبرز‭ ‬نقاط‭ ‬قوة‭ ‬الفيلم‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬التفاصيل‭ ‬اليومية‭ ‬إلى‭ ‬رموز‭ ‬دالة‭: ‬باب‭ ‬يُفتح‭ ‬ببطء،‭ ‬نافذة‭ ‬تُطل‭ ‬على‭ ‬فراغ،‭ ‬أو‭ ‬نظرة‭ ‬عابرة‭ ‬تختزن‭ ‬تاريخًا‭ ‬كاملًا‭ ‬من‭ ‬الحنين‭. ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬لا‭ ‬تُفسَّر‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تُحس،‭ ‬وتخلق‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬المعاني‭ ‬تترك‭ ‬للمشاهد‭ ‬حرية‭ ‬التأويل‭ ‬دون‭ ‬فرض‭ ‬قراءة‭ ‬واحدة‭.‬

تعتمد‭ ‬بسطا‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬بصرية‭ ‬مقتصدة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬كادرات‭ ‬ثابتة‭ ‬أو‭ ‬بطيئة‭ ‬الحركة،‭ ‬تمنح‭ ‬المتلقي‭ ‬وقتًا‭ ‬للتأمل‭. ‬يغلب‭ ‬استخدام‭ ‬الضوء‭ ‬الطبيعي‭ ‬أو‭ ‬الخافت،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الإحساس‭ ‬بالحميمية‭ ‬والانعزال‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭. ‬ويلعب‭ ‬الفراغ‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬التكوين‭ ‬البصري؛‭ ‬فالمساحات‭ ‬الواسعة‭ ‬داخل‭ ‬الكادر،‭ ‬مقابل‭ ‬حضور‭ ‬إنساني‭ ‬محدود،‭ ‬تعكس‭ ‬حالة‭ ‬الوحدة‭ ‬الداخلية‭ ‬للشخصية،‭ ‬بينما‭ ‬تخلق‭ ‬زوايا‭ ‬التصوير‭ ‬البعيدة‭ ‬أحيانًا‭ ‬مسافة‭ ‬شعورية،‭ ‬كأننا‭ ‬نراقب‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬عالم‭ ‬مغلق‭.‬

على‭ ‬مستوى‭ ‬الموضوع،‭ ‬يطرح‭ ‬الفيلم‭ - ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ - ‬سؤال‭ ‬الهوية‭ ‬والانتماء،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬لبناني‭ ‬مثقل‭ ‬بالذاكرة‭ ‬الجماعية‭. ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يتناول‭ ‬حدثًا‭ ‬بعينه،‭ ‬بل‭ ‬أثر‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬الإنسانية،‭ ‬والفقد‭ ‬كحالة‭ ‬مستمرة،‭ ‬ومحاولة‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬استعادته‭.‬

إخراجيا،‭ ‬تميل‭ ‬بسطا‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الشديد‭ ‬في‭ ‬الأدوات،‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬يعكس‭ ‬ثقة‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬قوة‭ ‬الصورة‭. ‬لا‭ ‬موسيقى‭ ‬صاخبة،‭ ‬ولا‭ ‬تصاعد‭ ‬درامي‭ ‬تقليدي،‭ ‬بل‭ ‬بناء‭ ‬هادئ‭ ‬يتسلل‭ ‬تدريجيًا‭ ‬إلى‭ ‬وجدان‭ ‬المشاهد‭. ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬هذا‭ ‬الإيقاع‭ ‬بطيئًا‭ ‬للبعض،‭ ‬لكنه‭ ‬يمنح‭ ‬الفيلم‭ ‬عمقه‭ ‬وتأثيره‭ ‬الممتد‭.‬

يأتي‭ ‬المونتاج‭ ‬متناغمًا‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬العمل‭ ‬التأملية،‭ ‬حيث‭ ‬يغيب‭ ‬الإيقاع‭ ‬السريع‭ ‬لصالح‭ ‬بناء‭ ‬زمني‭ ‬متقطع‭ ‬يحاكي‭ ‬طريقة‭ ‬عمل‭ ‬الذاكرة‭. ‬الانتقالات‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬تسلسلًا‭ ‬دراميًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تعكس‭ ‬تدفق‭ ‬الأفكار‭ ‬والمشاعر‭. ‬وفي‭ ‬لحظات‭ ‬كثيرة،‭ ‬تُترك‭ ‬اللقطات‭ ‬لتتنفس‭ ‬طويلًا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنحها‭ ‬قوتها،‭ ‬إذ‭ ‬يتيح‭ ‬للمشاهد‭ ‬الغوص‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الشعورية‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬تتبع‭ ‬حدث‭ ‬خارجي‭.‬

أما‭ ‬الأداء‭ ‬التمثيلي،‭ ‬فيتسم‭ ‬بالهدوء‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬الجسد‭ ‬والنظرات‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الحوار‭. ‬هو‭ ‬أداء‭ ‬شديد‭ ‬الحساسية،‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬التفاصيل‭ ‬الدقيقة‭: ‬حركة‭ ‬يد،‭ ‬تردد‭ ‬في‭ ‬خطوة،‭ ‬أو‭ ‬نظرة‭ ‬شاردة،‭ ‬وقد‭ ‬نجح‭ ‬الفيلم‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬دون‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬المبالغة‭ ‬أو‭ ‬الجمود‭.‬

صوتيًا،‭ ‬يكاد‭ ‬الصمت‭ ‬يكون‭ ‬العنصر‭ ‬الأساسي؛‭ ‬إذ‭ ‬تُستخدم‭ ‬الأصوات‭ ‬الطبيعية‭ - ‬كالخطوات‭ ‬واحتكاك‭ ‬الأشياء‭ - ‬بديلًا‭ ‬عن‭ ‬الموسيقى‭ ‬التقليدية،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الإحساس‭ ‬بالواقعية‭ ‬ويضاعف‭ ‬أثر‭ ‬الفراغ‭. ‬وعندما‭ ‬تتدخل‭ ‬الموسيقى،‭ ‬تأتي‭ ‬خافتة‭ ‬ومحدودة،‭ ‬كأنها‭ ‬صدى‭ ‬بعيد‭ ‬لما‭ ‬تشعر‭ ‬به‭ ‬الشخصية،‭ ‬لا‭ ‬تعليقًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬عليه‭.‬

‮«‬يوماً‭ ‬ما‭ ‬وُلد‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬فيلمًا‭ ‬يُشاهَد‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يُحس‭. ‬لا‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬الإبهار،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬التغلغل‭ ‬الهادئ‭ ‬داخل‭ ‬وجدان‭ ‬المتلقي‭. ‬هو‭ ‬عمل‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الحساسية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الحدث،‭ ‬وعلى‭ ‬الإيحاء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬التصريح؛‭ ‬تجربة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬التأمل‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬المشاهدة،‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬الإنصات‭ ‬لما‭ ‬لا‭ ‬يُقال،‭ ‬ومواجهة‭ ‬تلك‭ ‬المناطق‭ ‬الصامتة‭ ‬في‭ ‬الداخل‭.‬

من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬العمل،‭ ‬تؤكد‭ ‬ماري‭ ‬روز‭ ‬بسطا‭ ‬أن‭ ‬السينما‭ ‬القصيرة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬احتضان‭ ‬عمق‭ ‬إنساني‭ ‬بالغ،‭ ‬وأن‭ ‬لحظة‭ ‬صادقة‭ ‬واحدة‭ ‬قد‭ ‬تقول‭ ‬ما‭ ‬تعجز‭ ‬عنه‭ ‬حكايات‭ ‬طويلة‭. ‬إنه‭ ‬تذكير‭ ‬بأن‭ ‬بعض‭ ‬القصص‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭ ‬لتُروي،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬حساسية‭ ‬عالية‭ ‬لتُرى‭.‬

;