من وراء النافذة

ما لا يفهمه ترامب

هالة العيسوى
هالة العيسوى


عصبية ترامب فى الوضع الراهن تؤكد رغبته فى إنهاء أزمة الطاقة العالمية والتى تؤثر أيضًا على المواطنين الأمريكيين بفتح مضيق هرمز.

فى ضوء رفض طهران التفاوض، مع خطر الانزلاق إلى حرب استنزاف تتمتع فيها إيران بميزة مؤكدة، يشير تهديد ترامب بمحو إيران إذا لم تستجب لمقترحات وقف القتال وفتح مضيق هرمز، إلى شخص يعانى من مأزق حاد فقد بسببه اتزانه وثباته الانفعالى. 
ترامب يدرك أن القدرات المتبقية لإطلاق الصواريخ، حتى وإن كانت لا تتجاوز خُمس أو عُشر ما كان لدى آيات الله فى بداية الحرب، لا تزال تُمكّن إيران من إحداث دمار هائل وإلحاق خسائر بشرية فى محيطها. وبفضلها، يستطيع النظام فى طهران، الحفاظ على أزمة الطاقة العالمية الحادة التى تسبب بها بإغلاق مضيق هرمز، بل وتفاقمها، كما يستطيع إحداث دمار وتعطيل الحياة اليومية فى إسرائيل ودول الخليج، والأهم من ذلك، إجبار الولايات المتحدة على إهدار موارد هائلة فى حرب استنزاف. ويدرك أيضًا أن هذا النوع من القتال المطول يتيح لحكام طهران كسب الوقت الذى لا يملكه هو أو شريكه نتانياهو فى حرب تطيل أمد أزمة الطاقة العالمية ومعاناة السكان فى إسرائيل والخليج، وتُكبّد الولايات المتحدة خسائر اقتصادية فادحة، كما أنها عُرضة للمضاعفات، كما حدث بالفعل عندما تحطمت طائرتان مقاتلتان أمريكيتان فضلا عن تقارير متداولة وغير مؤكدة عن وقوع طيار أمريكى فى الأسر، فى حرب لا يفهم الشعب الأمريكى، إلى حد كبير، سبب انخراطه فيها. 
كل هذا يضغط على كل من ترامب ونتانياهو لإنهاء القتال فى أسرع وقت ممكن، لكن ما لا يفهمه ترامب  أنه على الرغم من أن كل يوم يمر يزيد من الخطر الذى يهدد حياة كبار قادة الحرس الثورى وآيات الله، فضلًا عن الخسائر والدمار الذى يُجبرون على تحمله فى صفوفهم ومنشآتهم، فإن رغبتهم فى حماية  النظام تطغى على مصالحهم الشخصية والتنظيمية والاقتصادية. وأن الدافع وراء سلوكهم هو عقيدتهم؛ فهم يؤمنون بأيديولوجية شيعية متشددة ترى فى الاستسلام تدنيسًا للمقدسات وفى تصدير الجهاد قيمة مقدسة.
عصبية ترامب فى الوضع الراهن تؤكد رغبته فى إنهاء أزمة الطاقة العالمية والتى تؤثر أيضًا على المواطنين الأمريكيين بفتح مضيق هرمز. أما هدفه الثانى الأهم فهو إنهاء القتال سريعًا بشروط تلبى الحد الأدنى من متطلبات الولايات المتحدة، بحيث يتمكن من تقديمه كإنجاز واضح للحرب التى أشعلها بالتعاون مع إسرائيل.
لم يتبق أمام الولايات المتحدة وإسرائيل سوى خيارين عسكريين محتملين. يقول ترامب إنه يفضل إلحاق ضرر تدريجى بالبنية التحتية الوطنية الإيرانية: هذا الضرر، الذى سيزداد حدةً وتأثيراً، سيؤدى إلى عجز النظام عن تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيه، كالكهرباء والنقل والتجارة، مما يهدد بقاءه بشكل كبير. لكن ما لا يفهمه ترامب أن هذا الخيار يستغرق وقتاً، ومن ثم فإنه يتيح للنظام والمواطنين الإيرانيين فرصة التأقلم وإيجاد حلول بديلة، بينما يستمر فى الوقت نفسه فى تفاقم أزمة النفط والغاز، وتعطيل الحياة فى إسرائيل والخليج. والحل الثانى يأتى من بنات أفكار تل أبيب باتباع ما تسميه «أسلوب الضاحية»، وهو الأسلوب الذى اتبعته فى العدوان على الضاحية الجنوبية فى لبنان حين أنذرت أهالى الضاحية المدنيين وأمرتهم بالنزوح والابتعاد عن أماكن القتال ثم استهداف البنى التحتية ومقار قيادات حزب الله بمن فيها من قيادات عسكرية.
إسرائيل التى تحض على التدمير العسكرى بدلًا من الاتفاق، تخشى اتفاقًا على فتح مضيق هرمز مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران بما يتيح للأخيرة استعادة قدراتها العسكرية، قبل التمكن من تعزيز المعارضة وإسقاط النظام الإيرانى.