هناك من خلدهم التاريخ بأعمالهم وجهدهم وموهبتهم، وهناك من خلدهم بفشلهم وجرائمهم وحروبهم، وهناك من خلدهم بمنح وعطاءات ربانية لا دخل لهم فيها.. استوقفتنى قصة الأسترالى «جيمس هاريسون» الذى عُرف باسم الرجل ذى «الذراع الذهبية»، أنقذ هاريسون بدمه أكثر من مليونى طفل مصاب بمرض فقر الدم الانحلالى، حيث تحتوى بلازما دمه على أجسام مضادة تحمى الأطفال من الموت بمرض ريسوس، أحد أمراض فقر الدم الخطيرة التى تصيب الأطفال حديثى الولادة.
تخيل أن جيمس تبرع بدمه 1173 مرة، وهو رقم قياسى عالمى فى موسوعة جينيس.. وبدأت قصته عندما كان صبيًا وخضع لتدخل جراحى خطير تطلب حصوله على 13 لترًا من دماء متبرعين، ومع نجاح العملية، «حلف» هاريسون أنه سيتبرع بدمه بشكل دورى عند بلوغه الثامنة عشرة وهى السن القانونية للتبرع.
وفى عام 1954، بدأ الشاب فى تنفيذ وعده، لكن بعد عدة عمليات للتبرع، اكتشف الأطباء أمرًا نادرًا، دمه يحتوى على العنصر المضاد Anti-D «المضاد دال»، الذى يعتبر عنصرًا أساسيًا للتوافق بين دمى الأم والجنين أثناء الحمل، وبسبب ذلك، صُنّف دم جيمس بالنادر فحصل على تأمين لحياته بلغت قيمته مليون دولار، وعشرات الجوائز والتكريمات، تقديرًا للعمل النبيل الذى قدمه للمرضى والبشرية.. بعد سلسلة من التبرع بدمه دامت 60 عامًا.
أما الأمريكية «هنريتا لاكس» فلها قصة من أغرب القصص، هى نفسها لو كانت على قيد الحياة ستُدهش عندما تجد نفسها ضمن قائمة الأشخاص الذين غيروا العالم!!، هنريتا مزارعة فقيرة لم يلاحظ أحد موتها سوى أطفالها وعائلتها، ولكنها تعتبر مصدرًا لسلالة نادرة وفريدة من الخلايا البشرية معروفة باسم (HELA) يمكنها أن تحيا خارج الجسد إلى الأبد.
بعد ولادة طفلها الخامس حُجزت هنريتا فى مستشفى جونز هوبكنز، وكانت تشكو من مشكلة فى الرحم، وأخذ الأطباء عينة من أنسجتها، وسرعان ما لاحظوا المفارقة الغريبة أنه بخلاف الخلايا الطبيعية، لم تمت خلايا هنريتا بعد بضعة أيام، بل استمرت فى النمو، لتتضاعف كل 20 إلى 24 ساعة!!
حاليا ويعد وفاتها بسنين.. تُوجد خلايا هنريتا بالمليارات فى المختبرات العلمية حول العالم؛ يستخدمها الباحثون فى دراسة أنواع السرطان، الهيموفيليا، الأنفلونزا، اللوكيميا، علاج شلل الأطفال، وعشرات الأغراض العلمية، فخلاياها لا تموت أبدًا.
هنريتا ماتت دون أن تعرف أن جزءًا منها سيعيش ويعيش.. لينقذ ملايين الأرواح.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







