خرابيش

 الثقافة لا تدار بـ«تيسير أعمال»!

عصام عطية
عصام عطية


ليس‭ ‬هذا‭ ‬مشهداً‭ ‬عابراً‭ ‬بل‭ ‬حالة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬الفراغ،‭ ‬فى‭ ‬الوقت‭ ‬الذى‭ ‬تنشغل‭ ‬فيه‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬بتشكيل‭ ‬اللجان،‭ ‬وتوزيع‭ ‬المقاعد،‭ ‬وإعلان‭ ‬القوائم،‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬ست‭ ‬هيئات‭ ‬ثقافية‭ ‬كبرى‭ ‬بلا‭ ‬رؤساء،‭ ‬مواقع‭ ‬قيادية‭ ‬شاغرة‭ ‬منذ‭ ‬شهور،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬يفترض‭ ‬أنها‭ ‬تقود‭ ‬الوعى‭ ‬الثقافى‭ ‬فى‭ ‬مصر‭ ‬تعمل‭ ‬بنظام‭ ‬اتسيير‭ ‬الأعمالب،‭ ‬أو‭ ‬بلا‭ ‬قيادة‭ ‬واضحة‭ ‬من‭ ‬الأساس،‭ ‬المفارقة‭ ‬التى‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلها‭ ‬كيف‭ ‬عجزت‭ ‬الوزارة‭ ‬عن‭ ‬اختيار‭ ‬ستة‭ ‬رؤساء‭ ‬لإدارة‭ ‬هذه‭ ‬الهيئات‭ ‬الحيوية،‭ ‬بينما‭ ‬نجحت‭ ‬فى‭ ‬حشد‭ ‬315‭ ‬عضوا‭ ‬داخل‭ ‬21‭ ‬لجنة؟‭ ‬أى‭ ‬منطق‭ ‬هذا؟‭ ‬وأى‭ ‬أولوية‭ ‬تحكم‭ ‬المشهد؟

نحن‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬تفاصيل‭ ‬إدارية،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬جوهر‭ ‬إدارة‭ ‬الثقافة‭ ‬نفسها‭ ‬حين‭ ‬تغيب‭ ‬القيادة،‭ ‬يغيب‭ ‬القرار‭ ‬وحين‭ ‬يغيب‭ ‬القرار،‭ ‬تتحول‭ ‬المؤسسات‭ ‬إلى‭ ‬كيانات‭ ‬معلقة،‭ ‬تؤجل،‭ ‬وتؤجل،‭ ‬وتؤجل‭ ‬حتى‭ ‬يضيع‭ ‬الوقت‭ ‬وتضيع‭ ‬معه‭ ‬الفرص‭.‬

هيئات‭ ‬بلا‭ ‬رؤساء‭ ‬تعنى‭ ‬ببساطة‭: ‬لا‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة،‭ ‬لا‭ ‬خطط‭ ‬طويلة‭ ‬المدى،‭ ‬لا‭ ‬محاسبة‭ ‬حقيقية،‭ ‬ولا‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الحسم،‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬مؤجل،‭ ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬اقيد‭ ‬الدراسةب،‭ ‬بينما‭ ‬الواقع‭ ‬يمضى‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬أى‭ ‬لجان‭ ‬أو‭ ‬اجتماعات‭.‬

المشهد‭ ‬يكشف‭ ‬خللا‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬تأخير‭ ‬قرارات‭. ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬ارتباك‭ ‬فى‭ ‬الأولويات،‭ ‬نملأ‭ ‬القوائم‭ ‬ونترك‭ ‬المواقع‭ ‬الحقيقية‭ ‬فارغة‭.‬

الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للكتاب‭ ‬بلا‭ ‬رئيس‭ ‬منذ‭ ‬استقالة‭ ‬الدكتور‭ ‬أحمد‭ ‬بهى‭ ‬الدين،‭ ‬وتدار‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬بنظام‭ ‬تسيير‭ ‬الأعمال،‭ ‬وهيئة‭ ‬قصور‭ ‬الثقافة‭ ‬مازالت‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬قيادة‭ ‬حقيقية،‭ ‬وقطاع‭ ‬الفنون‭ ‬التشكيلية‭ ‬بلا‭ ‬رئيس‭ ‬منذ‭ ‬رحيل‭ ‬الدكتور‭ ‬وليد‭ ‬قانوش،‭ ‬وسط‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التكهنات‭ ‬بلا‭ ‬حسم‭.‬

والمركز‭ ‬القومى‭ ‬للترجمة‭ ‬يواجه‭ ‬المصير‭ ‬نفسه‭ ‬منذ‭ ‬انتقال‭ ‬رئيسته‭ ‬السابقة‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬آخر،‭ ‬بينما‭ ‬ظل‭ ‬المنصب‭ ‬شاغرا‭.‬

أما‭ ‬البيت‭ ‬الفنى‭ ‬للمسرح،‭ ‬فلم‭ ‬يتم‭ ‬تعيين‭ ‬رئيس‭ ‬له‭ ‬بعد‭ ‬انتقال‭ ‬رئيسه‭ ‬السابق‭ ‬إلى‭ ‬قطاع‭ ‬المسرح،‭ ‬ودار‭ ‬الأوبرا‭ ‬كذلك‭ ‬بلا‭ ‬قيادة‭ ‬منذ‭ ‬انتهاء‭ ‬مدة‭ ‬رئيسها‭ ‬السابق‭ ‬دون‭ ‬تجديد‭ ‬أو‭ ‬بديل‭.‬

ست‭ ‬مؤسسات‭ ‬تتحرك‭ ‬بلا‭ ‬رأس،‭ ‬وكأن‭ ‬زمن‭ ‬القيادات‭ ‬قد‭ ‬انتهى،‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نملك‭ ‬من‭ ‬يصلح‭ ‬للموقع‭.‬

هل‭ ‬يكفى‭ ‬االقائم‭ ‬بالأعمالب‭ ‬لإدارة‭ ‬ملفات‭ ‬معقدة‭ ‬مثل‭ ‬النشر،‭ ‬والترجمة،‭ ‬والمسرح،‭ ‬والثقافة‭ ‬الجماهيرية،‭ ‬والفنون‭ ‬التشكيلية؟‭ ‬أم‭ ‬أننا‭ ‬أمام‭ ‬إدارة‭ ‬مؤقتة‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬دائم؟

المشهد‭ ‬يكشف‭ ‬خللا‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬تأخير‭ ‬قرارات‭. ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬ارتباك‭ ‬فى‭ ‬الأولويات،‭ ‬نملأ

القوائم‭ ‬ونترك‭ ‬المواقع‭ ‬الحقيقية‭ ‬فارغة،‭ ‬وفى‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ،‭ ‬تصبح‭ ‬أى‭ ‬خطط‭ ‬للتطوير‭ ‬مجرد‭ ‬شعارات،‭ ‬لأن‭ ‬التنفيذ‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قيادة،‭ ‬والقيادة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قرار‭ ‬والقرار‭ ‬غائب‭.‬

الثقافة‭ ‬لا‭ ‬تدار‭ ‬بالنيابة،‭ ‬ولا‭ ‬تبنى‭ ‬بـاتسيير‭ ‬الأعمالب‭.‬