انسحاب امريكا من حلف الناتو يعد زلزالا سياسيا لبنية الأمن الغربى التى تأسست فى أعقاب الحرب العالمية الثانية.
طالت الحرب الايرانية -الصهيوأمريكية او قصرت، فإن عالم ما بعد الحرب لن يكون كما كان قبلها. تحالفات ستنهار وأخرى ستبنى، خرائط سيعاد رسمها وتغييرات درامية عسكرية واقتصادية وسياسية ستقفز للواجهة ولن تقتصر على منطقة الشرق الأوسط فقط بل ستتعداها إلى ضفتى المحيط الأطلسى . وحتى لا نتوه فى خضم التحولات التى ستتمخض عنها هذه الحرب، سنحاول حصرها فى عدة سيناريوهات: الأول تراجع الوجود الأمريكى فى كل من الخليج وأوروبا (سيناريو الانسحاب) والثانى: تغيير وجه الشرق الأوسط ،لكن بعيدا عن أوهام نتنياهو المأزوم داخليا وخارجيا. فيما يتعلق بالسيناريو الأول ربما تتلاقى وجهات نظر الدول الخليجية استراتيجيا مع أمريكا فى أن القواعد الامريكية بهذه الدول لم تجر إلا الخراب على الجانبين الأمريكى والخليجى؛ فمن ناحية الخليج أصبح هناك قناعة أنه لولا هذه القواعد، ما تعرضت للضربات وكانت بمنأى عن الاستهداف.الدليل أن سلطنة عمان لم تتعرض لأى ضربات إيرانية لأنه لا توجد بها قواعد أمريكية.ومن ناحية واشنطن أدرك خبراء البنتاجون أن الهجمات الإيرانية أظهرت أن القواعد الكبيرة أصبحت أهدافًا واضحة للصواريخ والمسيرات. كما أن القواعد الدائمة أصبحت مكلفة وسهلة الاستهداف.لذا فإن الجيش الأمريكى قد يغير طريقة وجوده بالمنطقة فى سنوات ما بعد الحرب كدروس مستفادة منها. وإيجاد بدائل أخرى بعيدا عن القواعد الضخمة وأعداد القوات الكبيرة.سيتجه البنتاجون إلى قواعد أقل وقوات أسرع حركة ومعدات أسهل نقلا وأنظمة دفاع جوى متقدمة مع استخدام السفن والطائرات بدلا من القواعد الثابتة وحاملات الطائرات.كل هذه العناصر تسمى: «الانتشار العسكرى الموزع». وهذا السيناريو لم يكن من قبيل الخيال فقد نشرت صحيفة تلجراف البريطانية مؤخرا تقريرا بعنوان: القوات الأمريكية تجبر على الانسحاب من قواعد فى الشرق الأوسط.ذكرت فيه أن الضربات التى نفذتها إيران على مواقع عسكرية أمريكية بالمنطقة أدت لإخلاء عدد من القواعد. وأشارت إلى أن الجنود الأمريكيين اضطروا لمغادرة بعض المواقع والعمل من أماكن أخرى مؤقتًا بعد تعرض القواعد لهجمات وانتظارا لما بعد تقييم الوضع الأمنى وإصلاح الأضرار التى لحقت بالقواعد. والتقرير أشار إلى أن بعض القواعد أصبحت غير صالحة للاستخدام بعد الضربات إلايرانية.
الانسحاب من الناتو
السيناريو الثانى هو انسحاب واشنطن من حلف الناتو،وهو ما صرح به ترامب فى مقابلتين أخيرتين فقال لصحيفة «تلجراف» البريطانية إنه سيعيد النظر فى عضوية أمريكا بالحلف، وكرر بعدها تصريحاته لوكالة «رويترز» إنه يفكر بالتأكيد فى الانسحاب». يعكس ذلك الشرخ الكبير بين ضفتى الأطلسى بعد أن رفضت دول الحلف المشاركة فى الحرب على إيران ،فأدرك ترامب أن أوروبا «باعته» وقت شدته فوصفهم بالجبناء وانتقد الحلف أنه نمر من ورق ويرجع رفض الحلف الانضمام إلى الحرب على إيران بأن ميثاق الناتو لا يلزم أعضاءه بالقيام بذلك لأن أمريكا لم تتعرض لهجوم، ولم تستشر الدول الأعضاء بالحلف مسبقاً. وبالغ ترامب فى تهديده للحلف لدرجة أنه عام 2024هدد بتشجيع روسيا على فعل «كل ما تريده» بأى دولة أوروبية لا تلبى مطالبه المتعلقة بالإنفاق الدفاعى.. وترى صحيفة الجارديان البريطانية ان انسحاب امريكا من الحلف يعد زلزالا سياسيا لبنية الأمن الغربى التى تأسست فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، وصمدت خلال الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتى، قبل أن تتوسع بعد سقوط الشيوعية فى أوروبا الشرقية عام 1989 .
كلابشات الداخل والخارج
عاش نتنياهو وهم تغيير الشرق الاوسط، لكن ما يتعرض له من انكسارات عسكرية زادت معها الهجرة المضادة من إسرائيل فى ظل الهلع الذى يعيش فيه الإسرائيليون جراء الضربات المتتالية من إيران،أرى أنها ستجبر نتنياهو للعودة لرشده، فما سيتغير فى الشرق الأوسط هو خريطة حياته فى الداخل والخارج،فالسجن فى انتظاره بتهم الفساد وخيانة الأمانة وهزيمته متوقعة فى الانتخابات القادمة.وإذا حاول الهرب للخارج،سيجد كلابشات اعتقاله من المحكمة الجنائية الدولية جاهزة. لكن كل ذلك متوقع لو خرجت طهران من الحرب بنتائج إيجابية. عندها ستتغير فعلا خريطة الشرق الأوسط وهو مصطلح قديم مبنى على نظرية «شد الأطراف» وكان أول من استخدمه بن جوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل. فالدولة التى قامت على احتلال أرض شعب آخر،لم تكن نشأتها طبيعية وكان كا ما حولها رافضا لها، لذلك بدأ التفكير فى تغيير تلك البيئة مبكرًا.ويشير عزالدين عبد المولى مدير إدارة البحوث بمركز الجزيرة للدراسات أنه حين صيغت سياسة شد الأطراف فى الخمسينيات،كان المركز العربى يتشكل من مصر وسوريا والعراق، وكانت الأطراف المقصودة بالشد حول ذلك المركز:إثيوبيا بالقرن الإفريقي،وإيران بالخليج،وتركيا بأوراسيا.هذه السياسة كانت تهدف وقتها لتأمين ديمومة الاحتلال الإسرائيلى، وتعويض خسائره المادية بتأثيرالمقاطعة العربية الفعالة وقتها.
فى السياق ذاته سعت إسرائيل للتقارب مع الأقليات الدينية والعرقية بالمنطقة: الموارنة بلبنان والدروز بسوريا والأكراد بالعراق واليهود بشمال إفريقيا وبعض قبائل جنوب السودان. ويرى عبد المولى أنه مع مرور الوقت تغيرت المعادلات بالمنطقة فضعفت مكونات المركز العربى وتحولت لأطراف، وقويت الأطراف وأصبحت مراكز. وبدلًا من التقارب مع إسرائيل،تحولت بعض المراكز الجديدة لتنافس إسرائيل إقليميا مثل تركيا وبعضها يناصبها العداء كإيران ومع ذلك لم تغادر فكرة تغيير الشرق الأوسط عقل التفكير الإستراتيجى الإسرائيلى.
كلمة السر: الصين
ورغم فشل واشنطن وتل ابيب فى إسقاط النظام الإيرانى فى الأيام الأولى للعدوان الجارى كمقدمة لتغيير الشرق الأوسط عاد نتنياهو لترديد عباراته الأثيرة فى مارس الماضى: «نحن بصدد تهيئة الظروف المناسبة لإسقاط النظام الإيرانى. وبصدد تغيير الشرق الأوسط لنصبح قوة إقليمية وفى بعض المجالات قوة عالمية».لكن يبدو أن ضربات إيران أفقدته عقله فأى سعى لإعادة تشكيل النظام الدولى - كما يرى عبد المولى- ينبغى أن يأخذ موقع إيران الجيوسياسى بالشرق الأوسط بعين الاعتبار،مثلما يؤخذ بعين الاعتبار موقع فنزويلا أو البرازيل بأمريكا اللاتينية،أو موقع تايوان أو ملقا بآسيا. فاحتواء الصين أو محاصرتها أو إضعافها يجعل من إضعاف إيران أو تغيير شكل تحالفاتها الإقليمية والدولية بعيدًا عن الصين، هدفًا إستراتيجيًّا لأمريكا ( وهو الهدف الأعلى من العدوان الحالى) وتحقيق هذا الهدف من شأنه أن يدفع الأجندة الأمريكية فى مواجهة الصين على عدة أصعدة أبرزها:
- توسيع نطاق تحكُّم امريكا بسوق الطاقة العالمية وحرمان الصين من الوصول السهل لمواردها فتغيير النظام فى فنزويلا( تصدِّر للصين أكثر من 50% من نفطها) كان خطوة فى هذا الاتجاه. وتغيير النظام فى إيران، كما كان مخططًا له ( ولم يحدث) من شأنه أن يحرم الصين من مصدر آخر فالنفط الإيرانى يشكِّل نحو 13% من وارداتها.
- محاصرة مبادرة الحزام والطريق الصينية التى تهدف لإعادة رسم طرق التجارة العالمية وربط شرايين الاقتصاد العالمى ببكين. فإيران حلقة وصل رئيسية فى هذه الشبكة الجيو-اقتصادية الممتدة من الطرق البرية وسكك الحديد والموانئ والخدمات اللوجستية، تربط بين المحور الآسيوى الصاعد والشرق الأوسط وأوروبا.
-إنهاك المحور المناهض للغرب بركيزتيه الأساسيتين: الصين وروسيا، وإضعاف التكتلات الإقليمية والدولية التى تدور حولهما مثل منظمة شنغهاى ومجموعة بريكس. فإيران عضو فاعل بالمنظمتين وحليف رئيسى لبكين وموسكو، وصوت يدافع عما يُعرف بـ»الجنوب العالمى»، الداعى لتأسيس نظام عالمى متعدد الأقطاب أكثر عدلًا وتوازنًا. فإذا ولت طهران وجهها شطر الغرب ( عشم أمريكا) تغير وجه الشرق الأوسط برمَّته،وبات مجالًا خالصًا للنفوذ الجيوسياسى الأمريكى، تتحالف فى إطاره كل من إيران «الجديدة» ومنطقة الخليج وتركيا وإسرائيل. هكذا تعود «أمريكا عظيمة مجددًا»، فتسيطر على شطر الكرة الغربى وتستخلص لنفسها منطقة الشرق الأوسط وتحاصر النفوذ الصينى والروسى، لكن تقف طهران لقمة فى زور الطموحات الأمريكية والأوهام الصهيونية. لكل هذه الأسباب تتجرع أمريكا وإسرائيل السم يوميا بالضربات الإيرانية المدمرة لقلب تل أبيب وقواعد أمريكا بالمنطقة انتظارا لحلم سقوط النظام الإيرانى. تغيير الشرق الأوسط ليس كلمة سهلة ولو ظن نتنياهو أن تمدده الحالى بغزة ولبنان وسوريا سيحقق له هذا التغيير فليتذكر كيف هرع شارون للهرب من غزة فى 2005 وكيف انسحبت تل أبيب من لبنان بعد خسائرها المرعبة.

حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين
سفارى قتل البشر







