في لحظة تعكس إدراك الدولة لضرورة الاستثمار في قوة مصر الناعمة، التي تتمثل في جواهرها من الموهوبين والموهوبات والمبدعين والمبدعات، جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتأكيد على أهمية اكتشاف النابغين، وطرح رؤية طموحة لدراسة إطلاق برنامج «دولة الفنون والإبداع»، على غرار تجربة «دولة التلاوة»، بما يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو جعل مصر منصة حقيقية تحتضن المبدعين وتصنع نجوم المستقبل.
«أخبار النجوم» تواصلت مع نخبة من الإعلاميين وأساتذة الإعلام، لرصد رؤيتهم حول أهمية هذه المبادرة، ومدى قدرتها على إحداث نقلة نوعية في المشهد الثقافي والفني، وتحويل الطاقات الكامنة إلى قوى مؤثرة تدعم هوية المجتمع وتواكب تطلعاته.
في البداية يقول الدكتور حسام فاروق، أستاذ الاتصال السياسي ومقدم برنامج بالبنط العريض على القناة الفضائية المصرية: توجيه الرئيس بدراسة إطلاق برنامج «دولة الفنون والإبداع» على غرار برنامج «دولة التلاوة» يؤكد ثقة الرئيس عبد الفتاح السيسي في أن أرض مصر خصبة بالإبداع في جميع مجالات الفنون والعلوم، وأن من يبحث سيجد الكثير من المواهب. وهذه فكرة جيدة ومثمرة؛ بمعنى أننا نكتشف مواهب جديدة ونقدمها على الساحة، شريطة أن تكون اللجنة التي تختار على قدرٍ من العلم والمسؤولية والدقة. فهذه فكرة جيدة جدًا.
وأضاف: أغلبية مواهب مصر الكبيرة كانت من المحافظات.. أم كلثوم من الدقهلية وعبد الحليم من الشرقية وغيرهما من علامات الفن المصري، لذلك لو بحثنا جيدًا في المحافظات وفي الأقاليم وفي الأرياف والقرى والضواحي والصعيد سوف نكتشف مواهب عظيمة جدًا. ولكي تتحقق هذه الفكرة، لابد من الاستعانة بمن كانوا يسمونهم “الكشافين”، مثل كشافين كرة القدم الذين كانوا ينزلون لدورات الشباب والمدارس ويكتشفون المواهب في أماكنها، لأن هناك أسر بسيطة لا تستطيع السفر والتواصل مع البرنامج.
أما الإعلامي شريف فؤاد، مذيع قناة «الناس»، فيقول إن مصر كانت وما زالت دولة التلاوة بحق، ومهد الأصوات القرآنية التي أسرت القلوب عبر الأجيال، مضيفًا أن هذا الإرث العظيم هو ما تسعى الدولة اليوم لإحيائه من خلال جهود إعلامية ومؤسسية راقية. دولة التلاوة أحدثت حالة عظيمة في الشارع المصري واكتشفت أصواتًا نادرة لتؤكد تفرد دولة التلاوة المصرية.
وفيما يتعلق بتوجيه سيادة الرئيس لعمل أو إنتاج برنامج عن دولة الفنون والثقافة، يؤكد أيضًا ريادة مصر وأنها أحد ركائز قوتها الناعمة التي امتازت عبر العصور في مجالات الفنون والثقافة والأدب والشعر والعلم وغيرها، لأن الحقيقة أهم ما يميز مصر على مر العصور هو قوتها الناعمة.
ياللي بدعتو الفنون
وتؤكد الإعلامية القديرة هالة حشيش، ممثلة نقابة الإعلاميين في الهيئة الوطنية للإعلام على أن مصر بلد الفنون، كما غنى الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب “ياللي بدعتو الفنون”. وتقول: من خلال تجربتي وعملي كرئيس المركز الإعلامي بالجامعة الألمانية بالقاهرة، لدينا شباب كثير يمتلك مواهب رائعة، رغم أنهم طلاب من قسم هندسة وصيدلة، لكن لديهم مواهب فنية كبيرة. دورنا إبراز هذه المواهب وتمكينها واستغلالها لخدمة المجتمع والمواطن. فمع اكتشاف كل موهبة نخلق إنسانًا جديدًا، وأتمنى تنفيذ هذه الفكرة في أقرب وقت وبالشكل الذي يليق بمواهبنا المصرية في كافة المجالات.
مطبخ ثقافي
الإعلامي محمد سعيد محفوظ يرى أن توجيه السيد الرئيس بدراسة إطلاق برنامج “دولة الفنون والإبداع” هو خطوة استراتيجية لتأسيس منصة وطنية تستعيد بها مصر ريادتها ومدرستها المتفردة في الأداء الفني، تمامًا كما نجحت “دولة التلاوة” في صياغة هوية إيمانية مصرية جابت العالم. ويقول إن قيمة هذا المشروع تكمن في تحويل الإبداع من مجهودات فردية إلى خطة عمل ترعاها الدولة، بحيث لا يكتفي البرنامج باكتشاف المواهب الشابة، بل يعمل على صقلها وربطها بجذورها الأصيلة عبر استحضار تراث الرواد والاسترشاد بمسيرة الكبار، لضمان تخريج أجيال تدرك أن الفن رسالة وطنية وأخلاقية، وقوة ناعمة هي الدرع الحقيقي لمصر.
ومن هنا، يصبح البرنامج بمثابة “مطبخ ثقافي” عصري يواكب لغة العصر الرقمي وتطور صناعة المحتوى، مع الحفاظ على البصمة المصرية التي تظل دائمًا عصية على التقليد.
في خطوة تعكس رؤية استراتيجية عميقة وواعية بأهمية القوة الناعمة، أكد الإعلامي أيمن عدلي، وكيل نقابة الإعلاميين، أن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بلا شك تمثل نقلة نوعية في مسار دعم الهوية الثقافية المصرية وتعزيز دور الإبداع في بناء الإنسان في ظل تحديات ثقافية وتنويرية ضخمة.
وأضاف عدلي أن هذه المبادرة تعكس إدراكًا راسخًا من القيادة السياسية بأن معركة الوعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، وأن الفنون بكافة أشكالها تمثل أحد أهم أدوات تشكيل الوجدان الوطني وترسيخ القيم الإيجابية في المجتمع. فكما نجحت تجربة “دولة التلاوة” وحازت على ثقة غالبية الشعوب العربية في إعادة إحياء أحد أهم أوجه التراث الروحي المصري، فإن “دولة الفنون والإبداع” مرشحة لأن تكون منصة شاملة لاكتشاف ورعاية المواهب وصناعة جيل جديد من المبدعين القادرين على التعبير عن روح مصر الحديثة، خاصة وأن الدولة المصرية مليئة بالمواهب والمبدعين في شتى المجالات الثقافية والفنية والإبداعية.
الاستثمار في الوجدان
وأشار عدلي إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يبرهن يومًا بعد يوم على إيمانه الحقيقي بقيمة الإنسان المصري، ليس فقط من خلال مشروعات التنمية والبنية التحتية، ولكن أيضًا عبر الاستثمار في العقل والوجدان، وهو ما يظهر جليًا في دعمه المستمر للفنانين والمثقفين وحرصه على إعادة الاعتبار لدور الفن الراقي في مواجهة التطرف والتراجع الثقافي، واهتمامه بالإنتاج الدرامي والإعلامي، وحرصه في كل لقاء على التنويه بأهمية الثقافة والإعلام في بناء شخصية مصرية ناجحة، مؤمنة بالوطن، ومحبة للعلم والتقدم التكنولوجي، وبناء دولة حديثة متقدمة.
واختتم حديثه بأن هذه المبادرة، إذا ما تم تنفيذها برؤية متكاملة، يمكن أن تفتح آفاقًا واسعة أمام الصناعات الإبداعية، وتسهم في خلق فرص عمل واكتشاف كفاءات نادرة من كافة ربوع الوطن وقراه ومراكزه، من الصعيد والدلتا وكل شبر على أرض مصر، وتعزز من مكانة مصر كقوة ثقافية رائدة في المنطقة. كما أنها تمثل رسالة واضحة بأن الدولة لا تنفصل عن مبدعيها، بل تحتضنهم وتوفر لهم البيئة اللازمة للابتكار والإنتاج، مشددًا على أن دعم الإبداع ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية لبناء مجتمع متوازن قادر على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل، خاصة في عهد الرئيس السيسي الذي يشجع على الإبداع والابتكار ويهتم ببناء الإنسان وتوفير مناخ يساهم في بناء الدولة ثقافيًا وإعلاميًا.
ثقة رئاسية في القدرات
الدكتورة حنان يوسف، أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس ورئيس المنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي، تقول: مقترح السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في إطلاق برنامج تحت اسم دولة الفنون والإبداع على غرار “دولة التلاوة” مقترح عظيم ويؤكد ثقة ورؤية السيد رئيس الجمهورية في مواهب وقدرات الشعب المصري، وأيضًا يعكس مدى اهتمام القيادة السياسية بدور الفن والإبداع في بناء شخصية المواطن المصري من جهة، وأيضًا تقديم صورة مصر الحقيقية، القوة الناعمة الكبيرة في المنطقة العربية من جهة أخرى.
وأضافت: نشكر الرئيس على هذه الفكرة الطموحة ونتمنى لهذه المبادرة كل النجاح والتوفيق، خاصة أن مصر ولادة بالشخصيات والرموز الرائعة، وحتى من المواهب الشابة في الفنون والإبداع. وأتمنى أيضًا أن يتم عمل دور مؤسسي لهذه المبادرة، بالتعاون مع الجامعات ووزارة الثقافة ووزارة الإعلام ووزارة التربية والتعليم، لاكتشاف المواهب من الصغر. الحقيقة هنا أننا إذا اكتشفنا هذه الكفاءات والمواهب من الصغر واحتضناهم ووضعناهم في البيئة والإطار المناسب، سيكون شيء رائع.
ويقول الدكتور رضا عبد الواجد، عميد كلية الإعلام بنين بجامعة الأزهر: برنامج دولة التلاوة يعتبر من أكثر الأفكار والمبادرات نجاحًا على الساحة الإعلامية والثقافية في الفترة الأخيرة.
وفكرة استنساخ نجاحات البرنامج في مجالات أخرى، وتحديدًا في الفنون والإبداع، يعد طرحًا استراتيجيًا، لأنه ينقل الفنون من كونها نشاطًا تكميليًا إلى مشروع وطني لبناء الوعي والهوية. الحقيقة، القوى الناعمة لمصر لا تقل أهمية عن القوى الصلبة، والقوى الناعمة في مقدمتها هذا الحراك الفني والثقافي والإبداعي الموجود في المجتمع المصري.
نجاح برنامج دولة التلاوة كان مبنيًا على عوامل كثيرة أدت لظهوره بهذه الصورة المشرفة. إذا أردنا استنساخ هذا النجاح في مجالات أخرى، يجب اكتشاف المواهب في سن مبكرة، وضمان وجود أجواء المنافسة لأنها تساعد على إنجاح الفكرة وتحفيز جميع المشاركين في هذه المسابقات الإبداعية.
أخيرًا، مصر لديها تاريخ كبير من المبدعين، ودائمًا ولادة بالنماذج المتميزة في كافة المجالات، وتستحق أن تُمنح لهؤلاء الموهوبين والمبدعين العديد من النوافذ الإعلامية لنملأ الساحة الإعلامية سواء الإعلام التقليدي أو الرقمي بهذا النوع من المحتوى الهادف، بدل أن يقوم البعض بإنتاج محتوى لا يليق بالمجتمع والثقافة المصرية.
ومن جانبها تقول د .هويدا مصطفى، العميد الأسبق لكلية الإعلام جامعة القاهرة : مبادرة الرئيس بإطلاق فكرة برنامج دولة الفنون و الإبداع فكرة مهمة جدا تستثمر النجاح الذى حققه برنامج دولة التلاوة لأنه امتلك عناصر نجاح مهمة، أهمها إبراز المواهب في تلاوة القرآن، و ترسيخ الهوية الدينية و تقديم محتوى راقٍ له جمهور واسع، وهى نفس مقومات نجاح برنامج “دولة الفنون والإبداع” لاكتشاف المواهب الحقيقية في كافة أنواع الفنون، فسيكون منصة لظهور المواهب الإبداعية مما يمثل دعم للقوة الناعمة لمصر، فيعيد دورها الثقافي في المنطقة.
اقرأ أيضا: دولة الفنون والإبداع l شعراء وملحنون : خطوة واعدة لرعاية المواهب
حمزة علاء الدين .. صاحب العود الذى حمل ذاكرة النوبة إلى الغرب
دياب ورمضان .. جدل وكوميكس
الذكاء الاصطناعى يدخل «مرحلة التطبيع»







