الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة فى حوار مع «الأخبار»:

الأطفال بغزة وضعهم كارثى وفى السودان يتعرضون لانتهاكات جسيمة

 أطفال غزة
أطفال غزة


التحديات الأمنية والسياسية تعوق عمل الأمم المتحدة فى حماية الأطفال بمناطق النزاعات


يشهد الأطفال فى مناطق النزاع فى الشرق الأوسط، لاسيما فى قطاع غزة والسودان، أوضاعاً مأساوية تنذر بكارثة إنسانية مستمرة. آلاف الأطفال قُتلوا أو أصيبوا بإعاقات دائمة، وفقد كثيرون منهم أسرهم، فيما يظل آخرون فى عداد المفقودين تحت الأنقاض. وفى حوار مع «الأخبار» أكدت فانيسا فريزر الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاع المسلح أن النزوح القسرى، والحرمان من التعليم، وانعدام الخدمات الأساسية مثل الغذاء والمأوى والرعاية الصحية، كلها مظاهر لمأساة تتفاقم يوماً بعد يوم، مهددة مستقبل جيل كامل .

■ بعد مرور أكثر من عامين على اندلاع الحرب فى قطاع غزة، كيف تقيّمون حجم الانتهاكات التى تعرض لها الأطفال؟ 
- لا يزال الوضع فى قطاع غزة كارثياً بكل المقاييس. فقد قُتل أو أُصيب آلاف الأطفال بإعاقات دائمة، وفقد كثيرون منهم أسرهم، ولا يزال عدد منهم فى عداد المفقودين تحت الأنقاض. كما يواجه عدد كبير من الأطفال أوضاع نزوح قاسية، فى ظل حرمان شديد من الخدمات الأساسية، مثل الغذاء، والمأوى الآمن، والرعاية الصحية، والتعليم. ومن المرجح أن يستغرق حجم الدمار فى قطاع غزة أجيالاً لإعادة إعماره.
إن حجم وخطورة الانتهاكات التى يتعرض لها الأطفال تؤكد الحاجة الملحّة إلى التزام جميع الأطراف بالقانون الدولى الإنساني، وضمان حماية الأطفال وصون رفاههم. وأدعو إلى تنفيذ الخطة الشاملة لإنهاء النزاع فى غزة، وفقاً للقرار رقم 2803 الذى اعتمده مجلس الأمن فى نوفمبر 2025، إذ إن الأطفال لا يمكن أن يتمتعوا بالحماية الكاملة ويزدهروا إلا فى بيئة يسودها السلام.
■ ما أبرز الجهود التى تبذلها الأمم المتحدة للتخفيف من معاناة الأطفال فى ظل القيود والعوائق المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية والغذائية إلى قطاع غزة؟ 
- تواصل الأمم المتحدة وشركاؤها تنفيذ جهود مكثفة لتقديم المساعدات المنقذة للحياة للأطفال فى قطاع غزة، بما يشمل توفير الغذاء والمياه والرعاية الطبية والدعم النفسى والاجتماعي، إلى جانب العمل على استعادة فرص الوصول إلى التعليم وتوفير مساحات آمنة للأطفال، وذلك رغم التحديات الكبيرة القائمة.
وفى هذا الإطار، تؤكد الأمم المتحدة بشكل مستمر على ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة وسريعة ودون عوائق وعلى نحو مستدام، بما يتيح إيصالها إلى الأطفال وأسرهم بالحجم الذى يلبى احتياجاتهم المتزايدة. كما تواصل الأمم المتحدة دعوة جميع الأطراف إلى الالتزام بأحكام القانون الدولى الإنساني، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى الفئات الأكثر احتياجاً دون تأخير أو عرقلة.
■ فى ضوء الانهيار الكامل لمنظومة التعليم فى قطاع غزة ما الخطط البديلة المتاحة لضمان استمرارية تعليم الأطفال فى القطاع؟
- تُعد استعادة العملية التعليمية وضمان استمراريتها للأطفال فى قطاع غزة أولوية بالغة الأهمية. وفى هذا الإطار، تعمل الأمم المتحدة وشركاؤها على تعزيز فرص الوصول إلى التعليم، من خلال توفير المستلزمات المدرسية، وإنشاء مساحات تعليمية آمنة تُمكّن الأطفال من استئناف تعليمهم الذى تعطل نتيجة النزاع.
ويمثل التعليم ركيزة أساسية فى هذه الجهود، إذ إن ضمان استمراريته يسهم فى تعزيز قدرة الأطفال على الصمود، وإعادة الإحساس بالاستقرار والروتين اليومي، فضلاً عن دعم تعافيهم من الآثار النفسية الناجمة عن الصراع.
■ ما هى برامج الدعم النفسى التى تقدمها الأمم المتحدة للأطفال الذين تعرضوا لصدمات نفسية جراء الحرب؟
- تقدّم الأمم المتحدة، بالتعاون مع شركائها، برامج متكاملة للدعم النفسى والصحة العقلية لمساعدة الأطفال على التعامل مع آثار الصدمات الناجمة عن النزاع. وتشمل هذه الجهود إنشاء مساحات آمنة وصديقة للطفل، إلى جانب توفير خدمات متخصصة فى مجال الصحة النفسية، لا تقتصر على الأطفال فحسب، بل تمتد أيضاً لتشمل الأمهات ومقدّمى الرعاية.. وفى موازاة ذلك، يُعد ضمان الوصول إلى التعليم وتلبية الاحتياجات الأساسية للأسر من العوامل الجوهرية فى دعم تعافى الأطفال وتعزيز قدرتهم على الصمود فى مواجهة تداعيات الحرب.
■ كيف تسعى الأمم المتحدة إلى الحيلولة دون ضياع جيل كامل من أطفال قطاع غزة فى ظل الأوضاع المأساوية والكارثية التى خلّفتها الحرب؟
- تسعى الأمم المتحدة إلى حماية أطفال غزة من خلال تلبية احتياجاتهم العاجلة، وتوفير مساحات آمنة، إلى جانب تقديم خدمات الصحة النفسية والدعم النفسى والاجتماعى لمساعدتهم على تجاوز آثار الصدمة.
وفى الوقت ذاته، تواصل الأمم المتحدة الدعوة بقوة إلى احترام قواعد القانون الدولى الإنساني، والعمل على تحقيق سلام مستدام، باعتبارهما عنصرين أساسيين للحد من الأضرار طويلة الأمد وضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة. كما تدعو إلى تنفيذ اتفاق السلام الذى تم التوصل إليه بوساطة الولايات المتحدة، انطلاقاً من أن حماية الأطفال وضمان رفاههم لا يمكن أن تتحقق بصورة كاملة إلا فى بيئة يسودها السلام.
■ بالحديث عن الأوضاع فى السودان كيف تقيّمون حجم الانتهاكات والجرائم التى ارتكبتها قوات الدعم السريع بحق الأطفال والنساء فى ظل النزاع المستمر؟ 
- فى السودان، يتعرض الأطفال لانتهاكات جسيمة ومروّعة، تشمل التجنيد والاستخدام فى النزاع، والقتل والتشويه، والاغتصاب وغيرها من أشكال العنف الجنسي، إضافة إلى حالات الاختطاف. وتعكس هذه الانتهاكات حجم المعاناة الإنسانية العميقة التى تطال الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها الأطفال والنساء.. وتدين الأمم المتحدة بشدة هذه الانتهاكات الخطيرة، وتواصل انخراطها مع جميع أطراف النزاع، بما فى ذلك قوات الدعم السريع، بهدف وقف هذه الممارسات ومنع تكرارها، وضمان المساءلة، وحماية حقوق الأطفال والمدنيين وصون سلامتهم.
■ ما الإجراءات التى تتخذها الأمم المتحدة لرصد وتوثيق هذه الجرائم وضمان محاسبة المسئولين عنها؟ 
- تعمل الأمم المتحدة، فى إطار ولايتها المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة، على رصد وتوثيق والتحقق من الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق الأطفال، وذلك من خلال آلية الرصد والإبلاغ المعتمدة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1612.. وفى حين لا تزال الأرقام الدقيقة لعام 2025 قيد الحصر، فقد تم التحقق من أكثر من 41 ألف انتهاك خلال عام 2024 فى الدول المدرجة على جدول أعمالنا، مما يسلّط الضوء على الحاجة الملحّة لتعزيز المساءلة واتخاذ تدابير فعّالة لحماية الأطفال.
■ ما الجهود التى تبذلها الأمم المتحدة لتقديم المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة فى  السودان؟
- تعمل الأمم المتحدة على إيصال المساعدات المنقذة للحياة، بما فى ذلك الغذاء والمياه والرعاية الطبية ودعم التعليم، حتى إلى المناطق صعبة الوصول والمتضررة من النزاع. كما تواصل المنظمة الدعوة لضمان وصول إنسانى آمن وسريع ودون عوائق، لضمان وصول المساعدات إلى الأطفال والأسر الأكثر حاجة إليها.
■ كيف تدعم الأمم المتحدة الأطفال النازحين داخلياً واللاجئين فى الدول المجاورة فيما يتعلق بالتعليم والرعاية الصحية؟
- تعمل الأمم المتحدة، بشكل رئيسى من خلال وكالة اللاجئين، على دعم الأطفال النازحين داخلياً واللاجئين عبر تمكينهم من الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية وخدمات الحماية. وتشمل هذه الجهود إنشاء مساحات تعليمية آمنة، وتقديم الدعم الطبى والنفسى والاجتماعي، وضمان سلامتهم ورفاههم فى بيئات النزوح والمجتمعات المستضيفة.
■ ما أبرز التحديات السياسية واللوجستية التى تعوق عمل الأمم المتحدة فى حماية الأطفال فى مناطق النزاع؟ 
- تحدّ القيود الأمنية الناجمة عن استمرار الأعمال العدائية، بالإضافة إلى صعوبة الوصول الإنسانى وتعقيد التعامل مع عدة أطراف معنية، من قدرة الأمم المتحدة على التواصل الفعّال مع أطراف النزاع لوقف ومنع الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال فى  السودان.. وتسعى المنظمة لحماية الأطفال من خلال التفاوض على خطط عمل مع أطراف النزاع، ورصد الانتهاكات، والدعوة للالتزام بالقانون الدولي، ودعم البرامج التى تهدف إلى منع التجنيد القسرى والاستغلال، وكذلك الهجمات على المدارس والمستشفيات.
■ هل تمتلك الأمم المتحدة استراتيجية طويلة الأمد لإعادة دمج الأطفال المتأثرين بالنزاعات فى المجتمع فى الشرق الأوسط؟
- تدعم الأمم المتحدة إعادة الدمج طويلة الأمد للأطفال المتأثرين بالنزاعات فى جميع الدول المدرجة على جدول أعمالها، من خلال استعادة فرص الوصول إلى التعليم، وتقديم الدعم النفسى والاجتماعي، وإنشاء مساحات آمنة. وتهدف هذه الجهود إلى مساعدة الأطفال على إعادة بناء حياتهم، واستعادة الاستقرار، والوصول إلى فرص تتيح لهم مستقبلاً كريماً ومليئاً بالفرص.
■ كيف يؤثر الانخفاض المستمر للمساعدات والتمويل من الدول المانحة على قدرة المنظمة على تقديم استجابة فعّالة وتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة بمناطق المنزاعات فى الشرق الأوسط؟
- إن تخفيض المساعدات والتمويل من الدول المانحة الكبرى يقوّض بشكل جدى قدرة الأمم المتحدة على تلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة. ويحد هذا الانخفاض من قدرتنا على تقديم المساعدات المنقذة للحياة، واستعادة فرص التعليم، وتوفير الرعاية الصحية، وحماية الأطفال. ويعدّ التمويل المستدام والمتوقع للفئات المتضررة من النزاعات أمراً أساسياً، وأناشد المجتمع الدولى لضمان توفيره.
■ ما التحديات التى تواجهها المنطقة فى تحويل قرارات مجلس الأمن الدولى المتعلقة بالأطفال والنزاعات المسلحة إلى التزامات قابلة للتنفيذ على الأرض؟
- يُعد تحويل هذه الالتزامات إلى إجراءات عملية أمراً أساسياً لحماية الأطفال بفعالية من آثار النزاع، لكنه يمثل تحدياً كبيراً فى ظل استمرار الأعمال العدائية والتعقيدات السياسية المعقدة المحيطة بالنزاعات.
 ■ برأيك هل الآليات الحالية لحماية الأطفال فى النزاعات المسلحة كافية أم هناك حاجة لإصلاحات أو أدوات دولية أكثر فعالية؟
- يُعد إطار عمل «الأطفال والنزاعات المسلحة» إطاراً قوياً وفعّالاً لحماية الأطفال فى الحروب، إذ يقوم برصد والتحقق من الانتهاكات الجسيمة، وتحديد المسئولين عنها، وتوجيه جدول أعمال السلام والأمن والبرامج الإنسانية، ويسهم فى إحداث تغييرات ملموسة من خلال خطط عمل مع أطراف النزاع. ومع ذلك، يبقى تعزيز الإرادة السياسية والدعم الدولى المستمر أمراً حيوياً لتعزيز حماية الأطفال بشكل أفضل.
■ كيف يمكن للمجتمع الدولى تقديم دعم عملى لتعزيز جهود الأمم المتحدة فى حماية الأطفال فى النزاعات المسلحة؟ 
- يمكن للمجتمع الدولى تعزيز جهود الأمم المتحدة من خلال دعم أجندة «الأطفال والنزاعات المسلحة» عبر الانخراط السياسى المستمر، وتوفير التمويل الكافى، وممارسة الضغط على أطراف النزاع للالتزام بالقانون الدولى الإنساني. وتشمل الآليات القائمة رصد وتوثيق الانتهاكات الجسيمة وفق القرار 1612 لمجلس الأمن، ما يسهم فى تعزيز المساءلة واتخاذ تدابير ملموسة لحماية الأطفال بشكل أفضل فى مناطق النزاع.
■ ما الدور الذى تضطلع به الأمم المتحدة فى تعزيز التعاون مع المنظمات المحلية وجماعات المجتمع المدنى لضمان وصول المساعدات إلى الأطفال الأكثر ضعفاً فى مناطق النزاع؟
- تعمل الأمم المتحدة بشكل وثيق مع الشركاء الإنسانيين والمنظمات المحلية وجماعات المجتمع المدنى لتقديم المساعدات وخدمات الحماية للأطفال المتأثرين بالنزاع، بما فى ذلك الأطفال المنفصلون عن القوات والجماعات المسلحة.
 ■ ما رسالتكم إلى المجتمع الدولى بشأن مسئولياته الأخلاقية والقانونية تجاه أطفال غزة والسودان؟
- يعانى الأطفال فى غزة والسودان، وفى أماكن أخرى، معاناة لا تُتصور وانتهاكات جسيمة لأبسط حقوقهم. يقع على عاتق المجتمع الدولى مسئولية أخلاقية وقانونية لضمان حمايتهم، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية إليهم، ودعم القانون الدولى الإنساني. يجب ألا يكون الأطفال هدفًا للحرب أبدًا، ويجب أن يكونوا فى صميم جميع الجهود المبذولة لتحقيق السلام والحماية .