كانت شمس هذا اليوم في قرية «دهروط» التابعة لمركز مغاغة بمحافظة المنيا، تشرق بوعود الفرح والبهجة، العيد قد أقبل ويحمل في طياته خيرًا على كل البيوت، لكن، لم تكن القرية تعلم أن هذا العيد سيُحفر في ذاكرتها، ليس بصوت التكبيرات فحسب، بل بصرخات الثكل والوجع التي شقت عنان السماء. في أحد بيوت القرية البسيطة، كان هناك طفل يُدعى «ياسين»، ابن الحادية عشرة ربيعًا، يستعد لاستقبال يومه الموعود، ياسين، ذلك الطفل الذي وهبه الله وجهًا ملائكيًا، وشعرًا ناعمًا يزيده وسامة، وروحًا خفيفة تجعله محبوبًا وسط أقرانه وأهله، قُتل غدرا، ويد القاتل كانت الأقرب إليه، ابن عمته.. تفاصيل أكثر عن تلك الواقعة التي شهدت أحداثها قرية دهروط التابعة لمركز مغاغة بمحافظة المنيا في السطور التالية.
استيقظ ياسين مبكرًا، بقلب يخفق بالسرور، ارتدى طقم العيد الجديد الذي اشتراه والده له بجهد وعرق، ليكون «عريسًا» في نظر الجميع، مشط شعره بعناية، وتعطر، وخرج والابتسامة تسبق خطاه، متوجهًا إلى ساحة الصلاة ليؤدي صلاة العيد مع الكبار والصغار، تاركًا خلفه أمًا تودعه بنظرات الفخر، ودعوات بأن يحفظه الله من كل سوء، دون أن تدري أن هذه هي النظرة الأخيرة، وأن «ياسين» لن يعود بضحكاته المعتادة.
الإدمان قاتل
خرج ياسين من منزله، يصافح الجيران ويتبادل التهاني، ويمسك بيده الصغيرة يد والده وفي زحام الفرحة، ظهر له «شيطان» في هيئة إنسان، لم يكن غريبًا، ولم يكن مجهولاً، بل كان «ابن عمته». هذا الشاب الذي كان يُفترض أن يكون سندًا وحاميًا لهذا الطفل، كان قد سقط في بئر الإدمان المظلمة، المخدرات التي لا تترك في العقل حكمة ولا في القلب رحمة، كانت قد حولته إلى مسخٍ لا يرى في براءة ياسين إلا وسيلة لإشباع رغباته المسمومة أو تفريغ حقده الدفين.
بكلمات معسولة، استدرج ابن العمة الطفل ياسين، وثق الصغير في ابن عمته أو قريبه، ومشى خلفه مطمئنًا، يظن أنه سيأخذه لمكان يزداد فيه فرحًا بالعيد، أو ربما سيعطيه «عيدية» تزيد من سعادته. لم يدرك ياسين أن السكين كانت تقبع في جيب هذا القريب المدمن الغدار، وأن نية القتل كانت قد عُقدت بالفعل تحت تأثير تلك السموم التي غيبت الوعي والضمير.
في مكان بعيد عن الأعين، وفي لحظة تجردت فيها الإنسانية من كل معانيها، انقض المجرم على الطفل، لا شفاعة لصغر سنه، ولا توسلات لجمال وجهه، ولا قدسية ليوم العيد منعت يد الغدر من أن تمتد لتطعن ذلك الجسد النحيل، سقط ياسين بملابسه الجديدة، صُبغت ثياب العيد بالدماء، وصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها تشكو قسوة البشر وخراب العقول بسبب الإدمان.
عصفور الجنة
مرت ساعات الصباح، انتهت الصلاة، وعاد الأطفال إلى بيوتهم، ولم يعد ياسين يلعب أمام البيت بصحبة أصدقائه، مرت الساعات الأخيرة حتى حضر الشيطان، وراودته أفكاره الإجرامية، ووقتها، شرع في تنفيذ مخططه، استدرج الطفل ياسين، واختفى الصغير للأبد.
بدأ القلق يتسلل إلى قلب الأم، والده يهرع في شوارع «دهروط» يسأل الأهالي «ألم تروا ياسين؟ طفلي الصغير الذي يلبس ثياب العيد؟». تحولت الفرحة في البيت إلى ترقب قاتل، ثم إلى يقين بأن مكروهًا قد حدث.
تجمع أهالي القرية، وبدأت عمليات البحث في كل زاوية، وفي الحقول والمصارف، والقلوب تعتصر ألمًا. لم يكن أحد يتخيل أن القاتل يسير بينهم، أو ربما يتظاهر بالبحث معهم، بينما تخفي عيناه المنكسرة جراء الإدمان سر الجريمة النكراء.
مع تزايد القلق، وصل البلاغ إلى مأمور مركز شرطة مغاغة، المقدم شريف الفقي، الذي أبلغ اللواء حاتم حسن، مدير أمن المنيا، وعلى الفور، صدرت التوجيهات بتشكيل فريق بحث جنائي على أعلى مستوى لكشف ملابسات تغيب الطفل.
قاد الرائد يحيى شاهين، رئيس مباحث المركز، ومعاونوه، وبإشراف المقدم بلال الجنايني، رئيس فرع البحث الجنائي بشمال المنيا، خطة أمنية محكمة.
وعليه، تم فحص كاميرات المراقبة، وتتبع خط سير الطفل، ومناقشة المقربين منه، وحينها بدأت الخيوط تتجمع، وأشارت أصابع الاتهام إلى القريب «المدمن».
وبعد مجهودات مضنية، عثرت الأجهزة الأمنية على جثة الطفل ياسين «هامدة»، تكسوها جراح الطعنات الغادرة، كانت اللحظة التي توقف فيها الزمن في «دهروط»؛ حينما حُمل جثمان الصغير مغطى بملابس عيده الملطخة بالدماء، لم يكن الوجع يخص أهله وحدهم، بل صار وجعًا لكل بيت في القرية وفي محافظةالمنيا كلها.
القاتل الحقيقى
تم القبض على المتهم، واعترف بجريمته التي ارتكبها بدم بارد، ليكون مثالاً حيًا على ما تفعله المخدرات في تدمير الروابط الأسرية وتحويل البشر إلى وحوش كاسرة، النيابة العامة تولت التحقيق، حبست المتهم وقررت عرض الجثمان على الطب الشرعي، بينما خيم السواد على قرية دهروط.
رحل ياسين، الطفل الذي كان «زي القمر»، ترك خلفه شعرًا مرتبًا لم يفسده إلا غدر البشر، وملابس عيد لم يهنأ بها، وذكرى أليمة ستبقى تذكرة لكل أب وأم عن خطر السموم التي تغلغلت في المجتمع. رحل ياسين ليكون «عصفورًا في الجنة»، بينما بقي القاتل والندم يطارده خلف القضبان، لتنتهي قصة براءة اغتيلت في يوم الفرح، على يد من كان يُفترض أن يكون له الأمان.
اقرأ أيضا: الغسالة أنهت حياتها.. تفاصيل مصرع فتاة داخل منزلها في العدوة بالمنيا
الاستئناف تعيد حضانة طفلين لوالدتهما بعد كشف ألاعيب الأب
تقتل طفلها انتقامًا من زوجها
ضبط طالب نصب على المواطنين عبر السوشيال ميديا







