صعدت واشنطن من هجماتها على طهران بعد يوم واحد من إعلان الرئيس الأمريكى اعتزامه إنهاء الحرب خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع ولم تكتف القوات الأمريكية باستهداف جسر كرج بل توعد رئيسها بقصف محطات الطاقة والمياه، والاستيلاء على مصادر النفط، وسط توقعات بإنزال برى، واستهداف للبنى التحتية الإيرانية.
وكشفت تصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب خلال الفترة الأخيرة المأزق الذى تعانيه إدارته جراء تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، والتى بدأت أسبوعها السادس.
اقرأ أيضًا| واشنطن تلوح بالسيطرة على هرمز لإنهاء أزمة الطاقة
كما عكست تصريحاته المتضاربة خلال هذه الفترة تحولا فى الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران من السعى إلى إسقاط النظام عبر دعم الاحتجاجات الداخلية فى بداية الهجمات، إلى تحقيق المصالح الاستراتيجية المباشرة، واستهداف البنى التحتية ومصادر الطاقة والبرنامج النووى الإيرانى.
وبعدما هدد الرئيس ترامب بلهجة حادة قبل أسبوع، بأنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريب، وإذا لم يُفتح مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة، فإن الولايات المتحدة قد تستهدف البنية التحتية الحيوية فى إيران، بما فى ذلك محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه وآبار النفط وجزيرة خرج، إلا أنه عاد وصرح خلال خطابه بعد يومين فقط بأن مسئولية فتح المضيق تقع على عاتق المتضررين من غلقه، وطالب الدول الأوروبية بشراء النفط من الولايات المتحدة أو السعى لفتح المضيق هذا التحول لا يقتصر على التصريحات السياسية فحسب، بل يمتد إلى إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية لواشنطن فى إدارة الصراع.
هذا التناقض فى التصريحات، خلق حالة من الغموض حول موقف ترامب الحقيقى، واعتبره بعض المحللين جزءًا من أسلوبه التفاوضى القائم على الجمع بين التصعيد اللفظى، وترك باب التهدئة مفتوحًا، فى محاولة للضغط على الخصوم دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
أما منتقدو ترامب فاعتبروا أن تضارب تصريحاته يعكس غياب استراتيجية واضحة، وقد يؤدى إلى سوء تقدير من قبل الأطراف الأخرى، خاصة فى منطقة شديدة التوتر مثل الخليج. ويؤكد هؤلاء أن الرسائل غير المتسقة قد تزيد من احتمالات التصعيد غير المقصود.
ومع تصاعد الأحداث وتلاحقها تغير الخطاب الأمريكى فبينما كانت التصريحات الأولية أكثر ثورية وركزت الخطابات الأولى للإدارة الأمريكية على دعم المتظاهرين الإيرانيين، وراهنت على دعم الشارع الإيرانى، وإسقاط النظام فى طهران، تظهر التصريحات والتطورات الأخيرة أن واشنطن أعادت النظر فى حساباتها التى بدأت على أساسها الحرب، وغيرت خطابها من خطاب سياسى واسع إلى أهداف استراتيجية أكثر واقعية وتحديداً، وأهمها منع إيران من امتلاك سلاح نووى، والسيطرة على النفط الإيرانى، بجانب ممارسة ضغوط عسكرية واقتصادية تدفع طهران إلى التفاوض.
وأشار تحليل نشره معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إلى أن إدارة ترامب أدركت سريعاً أن تغيير النظام فى إيران ليس هدفاً يمكن تحقيقه بسهولة عبر القوة العسكرية.
وهو ما دفع واشنطن إلى الانتقال من خطاب إسقاط النظام إلى استراتيجية الضغط لإجبار طهران على تقديم تنازلات استراتيجية، فى محاولة من إدارة ترامب لتحقيق انتصار استراتيجى محدود يسمح لها بإنهاء الحرب عبر اتفاق سياسى، من دون الانجرار إلى صراع طويل فى الشرق الأوسط قد يخدم مصالح إيران التى تسعى إلى استنزاف الولايات المتحدة فى حرب طويلة مع قدرتها على تحمل تبعاتها بشكل أكبر.
ويكشف تضارب تصريحات الإدارة الأمريكية أيضا حجم الخسائر المتزايدة للحرب، كما يكشف حجم الضرر الذى لحق بالقواعد العسكرية الأمريكية فى الشرق الأوسط، حيث كشفت المواجهة العسكرية عن طبيعة مختلفة للحرب مقارنة بالنزاعات التى خاضتها الولايات المتحدة خلال العقود الماضية فإيران تختلف عن خصوم واشنطن السابقين، حيث تمتلك قدرات عسكرية متكاملة، ما أدى إلى ارتفاع وتيرة الخسائر وتزايد الضغوط على المؤسسة العسكرية الأمريكية.
ومع كل ضربة تتلقاها القواعد الأمريكية الـ13 فى المنطقة، تتصاعد الانتقادات الداخلية الموجهة إلى الإدارة الأمريكية وتحديدا إلى وزارة الدفاع «البنتاجون»، وسط اتهامات بعدم التكيف بالقدر الكافى مع تهديدات الطائرات المسيّرة، التى أصبحت تمثل سلاحاً حاسماً فى النزاعات الحديثة، إذ تجد واشنطن نفسها، للمرة الأولى منذ عقود، فى مواجهة دولة تمتلك قدرات عسكرية متكاملة، وليس مجرد جماعات مسلحة غير نظامية.
وهو ما انعكس على حجم الخسائر، فبدلاً من نمط الاستنزاف البطىء الذى ميز حروب العراق وأفغانستان، تكبدت القوات الأمريكية خسائر أقرب إلى تلك المسجلة فى الحروب التقليدية، سواء من حيث التكلفة، أو عدد الضحايا.
ومنذ اندلاع الحرب، تشير التقديرات إلى عمق الأضرار التى لحقت بالقواعد الأمريكية، رغم نشر منظومات دفاعية متطورة قبل بدء القتال. وتُقدَّر الخسائر خلال الشهر الأول بنحو 1.5 مليار دولار، فيما أصيب أكثر من 300 جندى، وقُتل 13 آخرون، فى حصيلة تعكس قسوة المواجهة.
ويرى خبراء عسكريون أن مواجهة دولة بحجم إيران لا يمكن أن تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تتطلب استراتيجية سياسية متكاملة، تأخذ فى الاعتبار تعدد أدوات القوة لدى طهران، وقدرتها على الجمع بين أساليب القتال التقليدى وغير التقليدى.
كما ربط بعض المراقبين بين إقالة راندى جورج رئيس أركان سلاح المشاة بالجيش الأمريكى وصراعات خلف جدران البنتاجون حول عواقب الإقدام على إنزال برى بات متوقعا بين لحظة وأخرى.
ويأتى الملف النووى الإيرانى كأحد أكثر التحديات تعقيداً. ففكرة تأمين مخزون اليورانيوم المخصب بالقوة العسكرية تظل خياراً محفوفاً بالمخاطر، سواء من الناحية العملياتية أو البيئية. إذ يتطلب تنفيذ مثل هذه المهمة عمليات دقيقة داخل منشآت محصنة، مع احتمالات التعرض لمخاطر إشعاعية وكيميائية، فضلاً عن التكلفة البشرية المرتفعة.
فى ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق ما يمكن وصفه بـ«انتصار استراتيجى محدود»، يتيح لها إنهاء النزاع عبر تسوية سياسية، دون الانجرار إلى حرب طويلة ومكلفة فى منطقة شديدة الحساسية.
كما أن طرح فكرة السيطرة على النفط الإيرانى كأداة ضغط لحرمان طهران من أهم مصادر دخلها الاقتصادى، والسيطرة على صادراته قد تمنح واشنطن نفوذاً كبيراً فى أية مفاوضات مستقبلية. إلا أن هذا الخيار يثير تساؤلات حول مدى قابليته للتنفيذ، وتداعياته على استقرار الأسواق العالمية.
وفى خضم هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى خيارات واشنطن المقبلة، فى ظل حديث عن رغبة فى إنهاء النزاع خلال أسابيع، يقابله إدراك متزايد بأن أى تصعيد برى قد يحمل تكلفة باهظة سياسياً، وعسكرياً.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







