كلمة والسلام

الإبراهيمية.. وإلّا..!

سعيد الخولى
سعيد الخولى


ويراهن رعاة المشروع والتخطيط على إثارة صراعات دينية بين أبناء الدين الواحد

وتسفر الأحداث عن كلمة السر فى الشرق الأوسط الجديد الذى يريدونه: الإبراهيمية الجديدة، أو اتفاقات إبراهام. تبدو كما لو كانت سر الحرب الأمريكية الإسرائيلية، أو الإسراـ أمريكية وترامب يلوح بها ضغطًا على بعض دول المنطقة لتنضم إليها. وهو نفس الحديث الذى راج مع توقف حرب الاثنى عشر يومًا السابقة ضد إيران، واحتفال الأطراف الثلاثة بانتصارهم جميعًا، فى مسرحية تختلط فيها الضحكات بالدهشة والتساؤل؛ بعد سعى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتانياهو وقتها لإبرام اتفاقيات سلام جديدة مع الدول العربية، فى إطار توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية. وليعود نفس السيناريو بتصريحات مباشرة هذه المرة بعد حرب دخلت شهرها الثانى وما تزال مستمرة.

و«الإبراهيمية» نسبة إلى نبى الله إبراهيم ـ عليه السلام - هى مصطلح بدأ منذ 1811 مع الحديث عن «الميثاق الإبراهيمى» الذى يجمع بين المؤمنين فى الغرب.

وتقفز بنا الأحداث إلى عام 2013 بعد ثورات الربيع العربى ـ حيث اختارت الدبلوماسية الأمريكية مسارًا جديدًا لها فى التعامل مع هذه المنطقة من العالم؛ فلجأت أمريكا نيابة عن إسرائيل لما سمى بالدبلوماسية الروحية والمشترك الإبراهيمى على يد وزيرة خارجيتها هيلارى كلينتون فى رئاسة باراك أوباما الذى تبنى منذ خطابه بجامعة القاهرة عام 2009 مقولة «نحن أبناء إبراهيم»، إنها كلمة السر والبوتقة التى سيصهرون فيها الديانات السماوية: اليهودية والمسيحية والإسلام فى خليط ومزيج يصنعون منه ديانة مشتركة يتم فرضها على نطاق إسرائيل الكبرى الذى أطلقوا عليه: «مسار إبراهيم» يعنون به مسار سيدنا إبراهيم ما بين تركيا والعراق وفلسطين ومصر وصولًا إلى مكة والبيت الحرام.

واستمرت الدبلوماسية الإبراهيمية حتى جاءت إدارة ترامب، لتصل إلى محطتها الأهم بالإمارات العربية المتحدة من خلال المؤتمر العالمى للأخوّة الإنسانية الذى عقد هناك فى فبراير 2019، وتزامن المؤتمر مع الزيارة المشتركة للإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر وقداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية إلى هناك اللذين وقّعا وثيقة الأخوّة الإنسانية.

ثم يأتى ما تناوله وطالعته فى كتاب «الدبلوماسية الروحية والمشترك الإبراهيمى.. المخطط الاستعمارى للقرن الجديد»، تأليف الدكتورة هبة جمال الدين عضوة المجلس المصرى للشئون الخارجية وأستاذة العلوم السياسية والدراسات المستقبلية بمعهد التخطيط القومى.

ويراهن رعاة المشروع والتخطيط على إثارة صراعات دينية بين أبناء الدين الواحد وهو ما تجسد فى الصراع السنى الشيعى البارد، والحرب على الإرهاب ـ كما يرون ـ لن تتم إلا بهزيمة الفكر الإسلامى فى ساحة الأفكار، كصراع فكرى بجانب الصراع الأمنى والعسكرى. وليس خافيًا ما يجرى خلال الحرب الحالية من محاولات مستميتة لجرجرة الخليج العربى وإيران لمواجهة عسكرية طاحنة ينسحبان بعدها من المعركة ويتركان الأطراف العربية وإيران فى حرب مباشرة مهلكة تحرق الأخضر واليابس وتترك الساحة خالية لإسرائيل الكبرى المزعومة! ثم آلية أخرى خطيرة تعتمد على «خلق» قضايا مشتركة خاصة البيئية كقضية «نقص المياه»، مما يفسر تصريحات ترامب قبل فترة حول تمويل أمريكا لسد النهضة وخيبة أمله تجاه هذا التمويل الفاشل كما وصفه.

ونأتى للنقطة الحرجة فى التخطيط التى يحدد لها ويليم أورى صاحب الفكرة مكان الصراع بما بين النهرين، أى أنه يتحدث عن نهرى النيل والفرات ـ حيث عاش وتحرك النبى إبراهيم ووعد الرب بوجود أمة جديدة، ومن هنا ـ حسب زعم أورى ـ فهذا وعد إلهى يجب تنفيذه وتحقيقه.

وهو ما يستدعى التساؤل: هل هو بالفعل مشروع دينى مجتمعى يهدف إلى شيوع المحبة والتعايش ونبذ الحروب؛ أم هو مشروع سياسى يستدرج العالم العربى نحو خريطة جديدة للمنطقة تذوب فيها الحدود ما بين دجلة والفرات حيث الحلم الأكبر: «إسرائيل الكبرى»؟.