اختلاق إسرائيل| تشير النقوش إلى جماعاتٍ تحمل اسم «إسرائيل» فى فلسطين لكنها لم تكن دولة مركزية

الكتاب: «إسرائيل التاريخية وإسرائيل التوارتية»
الكتاب: «إسرائيل التاريخية وإسرائيل التوارتية»


يأتى كتاب المؤرخ الألمانى «رينهارد كراتز» (إسرائيل التاريخية وإسرائيل التوراتية) كأحد أهم المراجع التى تفكك العلاقة المُعقدة بين التاريخ والأسطورة، أى العلاقة بين إسرائيل التاريخية (المُثبتة بالآثار) وإسرائيل التوراتية (المروية فى النصوص المقدسة).

فمنذ قرون طويلة ظلّت التوراة تُقرأ باعتبارها سجلًا تاريخيًا يروى نشأة بنى إسرائيل، ملوكهم، حروبهم، وانهياراتهم. غير أن الدراسات الحديثة فى علم الآثار وتاريخ الشرق الأدنى القديم قلبت هذه الصورة رأسًا على عقب، لتكشف أن ما نقرأه فى النصوص المقدسة ليس بالضرورة انعكاسًا مباشرًا للواقع، بل هو بناء أدبى ولاهوتي، والتوراة ليست كتاب تاريخ، بل نص دينى يهدف إلى تفسير علاقة الشعب بإلهه.

اقرأ أيضًا| سماح أنور ضيفة "كلمة أخيرة" مع أحمد سالم غدًا

فهى تروى قصصًا عن الخلق، الخروج من مصر، الملوك والأنبياء، لكنها تفعل ذلك بمنطق لاهوتى لا بمنطق المؤرخ لذلك، لا يمكن التعامل معها كمصدر وحيد لفهم الماضي، بل يجب مقارنتها بالأدلة الأثرية والنقوش والوثائق المعاصرة.

 

التوراة ليست كتاب تاريخ بل نص دينى يهدف إلى تفسير علاقة الشعب بالرب

لا يمكن استنتاج ما إذا كانت إسرائيل قد أقامت سابقًا فى بلاد ما بين النهرين كما يروى الكتاب العبرى

إسرائيل فى التقليد التوراتى ليست هى إسرائيل التاريخية كما يُميز فى العهد الجديد بين يسوع التاريخى ويسوع الكرازة

 

المؤرخ المؤلف «كراتز» يهدف إلى التفريق بين الوقائع التاريخية المُثبتة بالآثار والنقوش والعملات، وبين الروايات الأدبية واللاهوتية الواردة فى النصوص التوراتية. فيقدم رؤية شاملة تمتد من حوالى 1200 ق.م حتى منتصف القرن الثانى الميلادي، ويعيد تقييم العلاقة بين التاريخ الفعلى والأساطير الدينية، والفكرة المركزية هنا هى الفصل بين التاريخ والأسطورة: فيؤكد أن النصوص التوراتية ليست سجلاً تاريخياً مباشراً، بل نصوص دينية وأدبية تعكس رؤية لاهوتية، وإسرائيل التاريخية: تُعرف من خلال الأدلة الأثرية مثل: النقوش، العملات، الأيقونات، والوثائق المعاصرة، وإسرائيل التوراتية: تُبنى على السرديات الدينية التى تهدف إلى تفسير علاقة الشعب بالإله، وليست بالضرورة متطابقة مع الواقع التاريخي.

 ويؤكد أن التاريخ ليس مجرد شيء جاهز أمامنا، بل يجب استخلاصه من المصادر وإعادة بنائه من قبِل كل جيل على حدة: «من المعروف أن التاريخ يجب دائمًا أن يُبنى .. الفرق فقط هو ما إذا كان يُبنى بشكل جيد أو سيىء. تتم عملية البناء على ثلاثة مستويات يجب التفكير فيها باستمرار وربطها ببعضها البعض. هذه المستويات الثلاثة هي: أولاً: التاريخ نفسه، أى ما حدث بالفعل. ثانيًا: الصورة التى تنقلها لنا المصادر المعاصرة أو اللاحقة عما حدث. ثالثًا: الصورة التى يشكلها المؤرخ الحديث عما حدث وكيف تنقلها لنا المصادر المتاحة. المصادر التى نتعامل معها فى تاريخ إسرائيل متنوعة ومُعقدة. يمكن التمييز بين المصادر المكتوبة وغير المكتوبة. بالنسبة للأولى، هناك أيضًا الفرق بين المصادر الأولية والثانوية. 

 ويُذكر أن «المصادر المكتوبة والمتاحة لتاريخ إسرائيل ويهوذا فى الألفية الأولى قبل الميلاد، بالمعنى الضيق تشمل: العهد القديم بنسخه المختلفة، والأسفار المنحولة والأبوكريفا ونصوص البحر الميت، والمؤرخين اليهود مثل: «فلافيوس يوسيفوس»، بالإضافة إلى التقليد الحاخامي، والعهد الجديد وآباء الكنيسة، وكذلك تقارير الرحالة المسيحيين والإسلاميين عن فلسطين. هذه المصادر هى مصادر أدبية، غالبًا ما تروى عن فترة تعود إلى زمن بعيد بالنسبة لهم. فى حالة الأدب التوراتى وشبه التوراتي، يجب أن نأخذ فى الاعتبار أنها نمت على مدى قرون وأن استخدامها كمصدر تاريخى يتطلب تحليلًا أدبيًا تاريخيًا ونقدًا للتوجهات. نظراً لأن المصادر الأدبية لا تنتمى إلى الفترة التى تتحدث، فإنها تعتبر أيضًا مصادر ثانوية.
 وتعتبر المصادر غير المكتوبة أيضًا من المصادر الأولية، وتشمل فى المقام الأول: الاكتشافات الأثرية، تكشف هذه الاكتشافات عن طبقاتٍ نسبية تم تحديدها من خلال الفخار والتى يمكن بحظ جيد تحويلها إلى تسلسل زمنى مُطلق من خلال النقوش أو اكتشافات العملات من خلال الأدلة الأثرية المدعومة بدراسة الجغرافيا والموارد، يمكننا قراءه تاريخ الاستيطان لمنطقة أو مكان معين وكذلك مصائرها مثل: التدمير بسبب الحرائق أو الزلازل، بالإضافة إلى أنماط البناء المتغيرة والزراعة وتربية الماشية والتجارة والصناعات وعادات الحياة، علاوة على ذلك تُعتبر الأيقونات الشرقية القديمة أى الصور التمثيلية على النقوش والأختام والعملات وغيرها من وسائل العرض مصدراً غير مكتوب من الدرجة الأولى.

ويؤكد المؤلف أن التعامل مع المصادر هو عمل صعب وحساس فالمصادر، سواء كانت أولية أو ثانوية، لا تتحدث من تلقاء نفسها، بل تحتاج إلى التحليل والتفسير، باختصار: تحتاج نقد المصادر. تتطلب المصادر المكتوبة، سواء كانت أدبية أو نقشية، دراسة أدبية تاريخية، وتحليل تاريخى ونقداً للتوجهات.

لكن أيضًا المصادر غير المكتوبة، مثل: الأثرية أو الأيقونية، لا تُفهم من تلقاء نفسها بل تعتمد على التفسير التاريخى ولا يُنصح بتفضيل نوع من المصادر على الآخر من الأساس يجب التعامل مع جميع المصادر بشكل متساوٍ يجب الانتباه فقط إلى أنه لا ينبغى خلط الأنواع المختلفة بشكل متهور، مثل: ملء الفجوات فى المصادر الأولية (الأثرية والنقشية) بسهولة وبواسطة المصادر الثانوية (مثل: العهد القديم) أو العكس، محاولة إثبات تاريخية المصادر الثانوية بأى ثمن من خلال الأدلة الخارجية من المصادر الأولية. 

لم تكن دولة مركزية

وعن تاريخ إسرائيل ويهوذا يذكر الكتاب أن تاريخ إسرائيل يفترض وجود كيان اسمه «إسرائيل» يعتمد تاريخ إسرائيل على تاريخ ظهور هذا الكيان ومدة وجوده. وراء هذا التقرير البسيط تكمن مشكلة كبيرة: السؤال عن بداية ونهاية تاريخ إسرائيل القديمة فى الألفية الأولى قبل الميلاد. وهنا تسلك الأطروحات المختلفة لتاريخ إسرائيل مساراتٍ متباينة. يعرض لها الكتاب بإسهاب شديد.

 يوجد أول ذكر لإسرائيل فى مسلة نصر للفرعون مارنبتاح عام ( 1224-1204) قبل الميلاد.. حيث يقول: إسرائيل مُدمرة ليس لها نسل وفقًا لذلك كانت هناك مجموعة من الناس تحمل اسم إسرائيل فى أرض فلسطين حوالى عام 1200 قبل الميلاد محاطة بمدن كنعانية أخضعها الملك المصرى أيضًا.

لا يمكن استنتاج ما إذا كانت إسرائيل قد أقامت سابقًا فى بلاد ما بين النهرين (تكوين 11-12) أو فى مصر (خروج1) كما يروى الكتاب العبرى من المصادر الأثرية ولكن هذا مُحتمل لإسرائيل بقدر ما هو مُحتمل لجيرانها الكنعانيين باستثناء أسرى الحرب والمُرتزقة والبدو حتى لو اعتبرنا كما يُفترض أحيانًا أن الاسم المصرى لموسى وقرابته المديانية تشير إلى شخصية مؤسسة لإسرائيل لا يمكن اختلاقه فإن هذا لا يضيف الكثير من الناحية التاريخية ولا يُنتج عنه دليل على قدم أو حتى تاريخية عقيدة الخروج..

الأمر مشابه فيما يتعلق بدعوة إبراهيم الوثنى من ارو لكلدانية أو حاران ليكون أبًا لإسرائيل والتى تم تبريرها لاحقًا فى كتاب اليوبيلات، وهو كتاب من القرن الثانى قبل الميلاد.

لا يسمح تقليد الآباء أيضًا باستنتاجات حول «التاريخ المبكر» لإسرائيل قبل أول ذكر نقش لها فى مسلة الفرعون مرنبتاح المذكورة خارج الكتاب المقدس، لم يظهر اسم «إسرائيل» مرة أخرى إلا فى نقش للملك الآشورى الثالث (858- 824 قبل الميلاد) وفى نقش معاصر تقريبًا للملك المؤابى مبشع كإشارة إلى كيان سياسى تحت حكم الملك أحاب من بيت عمرى. بين هذين التاريخين 1200و850 قبل الميلاد، تكمن بدايات تاريخ إسرائيل.

 ومسرح تاريخ إسرائيل ويهوذا فى الألفية الأولى قبل الميلاد هو أرض إسرائيل والتى تسمى أيضًا فى الكتاب المقدس أرض كنعان وفى المصادر الهيلينستية الرومانية فلسطين أى من أقواس أرض الفلسطينيين تشكل هذه الأرض جزءاً من الجسر البرى السورى - الفلسطينى الذى يمتد على طول الساحل الشرقى للبحر المتوسط وله حدود طبيعية تتمثل فى البحر غربًا والصحراء شرقًا وجنوبًا وجبال آسيا الصغرى شمالاً تتكون المنطقة من منطقتين جغرافيتين السهل الساحلى وكتلة حجر جيرى مُقسمة الى نصفين بواسطة نهر الأردن وبحيراته المتبقية إلى الضفة الغربية والشرقية، كما أنها متصدعة بشدة فى الاتجاه الشرقى الغربى بسبب الاضطرابات التكتونية.

اقرأ أيضًا| المتحدة تحتفي بمسيرة وحيد حامد بفيلم وثائقي.. «وحيد وأيامه»

 ويستخلص الكتاب أن البدايات (1200 ق.م - 1000 ق.م) تشير النقوش المصرية إلى جماعات تحمل اسم «إسرائيل» فى فلسطين، لكنها لم تكن دولة مركزية، وكانت المنطقة فسيفساء من القبائل الكنعانية والفلسطينية، ولم يظهر كيان سياسى مُوحد كما تصف التوراة. مملكة إسرائيل الشمالية، ظهرت فى القرن التاسع ق.م كقوة إقليمية ذات وزن، وامتلكت مؤسساتٍ سياسية واقتصادية واضحة، وارتبطت بعلاقات مع الممالك المجاورة.

وسقطت عام 722 ق.م على يد الآشوريين. أما مملكة يهوذا الجنوبية، فهى أصغر وأضعف، لكنها استمرت بعد سقوط إسرائيل، وأصبحت مركزًا دينيًا، حيث جرى تدوين النصوص التى أعادت صياغة التاريخ لصالح يهوذا.

 ويذكر من منظور شامل لتاريخ إسرائيل ويهوذا فى الألفية الأولى قبل الميلاد يظل «فلهاوزن» على حق إلى حد كبير. فمنذ أول ذكر لإسرائيل فى لوحة مرنبتاح المصرية، وحتى المملكة الحشمونية، حدث بالفعل تحول من «إسرائيل القديمة».

وفى الفترة بينهما، حدثت تغيرات كثيرة فى التاريخ، بما فى ذلك التاريخ الدينى للمملكتين المقاطعتين، غير أن التحول من إسرائيل القديمة إلى «اليهودية» حدث أولاً ليس فى التاريخ، بل فى التقاليد التوارتية، التى اتخذت مساراً خاصاً فى إظهار التاريخ الإسرائيلى واليهودى وكجزء منه، ليس بعد، بل إلى جانب كل ما يشكل التاريخ فى الأرض وفى الشتات.

فى التقاليد التوارتية. يمكن تتبع المراحل المختلفة والتفرعات العديدة للتطور من الظهور التاريخى لإسرائيل ويهوذا فى فترات ما قبل السبى وما بعده (اليهودية غير التوراتية) إلى «إسرائيل» التقاليد (اليهودية التوراتية) والتى بقدر ما نرى، اكتسبت أرضية خلال العصر الهلنستى وترسخت تاريخيًا فى النهاية.

إسرائيل التاريخية والتوراتية

تظهر التحفظات حول تحديد التواريخ الدقيقة للنصوص التوراتية سببًا جوهريًا يتعلق بطبيعة الموضوع، مما يقودنا إلى جوهر هذا الكتاب. الأدب التوراتى مُحدد بمفهوم لإسرائيل وإلهها يهوه، الذى يتعارض مع الحقائق التاريخية للمملكتين، ولاحقا لمقاطعات السامرة ويهوذا، والدين الممارس فيهما. بمعنى آخر إسرائيل فى التقليد التوراتى ليست هى إسرائيل التاريخية كما يُميز فى العهد الجديد بين يسوع التاريخى ويسوع الكرازة، يجب فى العهد القديم التمييز بين إسرائيل التاريخية وإسرائيل التوراتية.

كان «فيلهلم مارتن ليبرخت دى فينه» أول من أدرك أو بالأحرى شعر بهذا الاختلاف، قبل أن يحدده «يوليوس فلهاوزن» بوضوح من خلال تمييزه بين «إسرائيل القديمة» و«اليهودية».

قام «مارتن نوث» بتخفيف هذا الاختلاف قليلاً عندما أسقط المفاهيم المُعبر عنها فى العهد القديم لليهودية ما بعد الدولة على إسرائيل القديمة، إسرائيل «بلغة الاعتراف والإيمان، باعتبارها حقائق تاريخية تم إسقاطها على العصور المبكرة قبل الدولة، نظراً لعدم وجود شعب إسرائيل فى تلك الفترة المبكرة، يجب التخلى عن الفكرة القائلة بأن كل ما يجعل إسرائيل ما هى عليه فى العهد القديم وفقًا لإرادة الرب كان موجودًا بالكامل أو فى نواته منذ البداية.

اقرأ أيضًا| «الحب والحياة» أبرز موضوعات اليوم الثالث والرابع من مهرجان المسرح العالمي..صور

ويشير علم الآثار وتاريخ التراث إلى اتجاه معاكس تمامًا، فما يميز إسرائيل ويهوه فى العهد القديم، وما يحدد علاقة بشعبه إسرائيل وفقًا للشهادة التوراتية هو نتاج عملية نضج طويلة ومؤلمة، تحولت فيها إسرائيل التاريخية تدريجيًا إلى لغة الاعتراف والإيمان. فى هذه العملية، تطورت الخصائص البارزة التى تميز العهد القديم مقارنة بنظائرها فى الشرق الأدنى القديم والتى تُعرف بـ «الجوهر الخاص» للعهد القديم.

لذا لا ينبغى الخلط بين القصة المقدسة لإسرائيل كما وردت فى العهد القديم وبين إسرائيل التاريخية. كما أن تاريخ الرواية التوراتية ليس مطابقاً تماماً لتاريخ التاريخية ويهوذا. وهذا لا يعنى - بأية حال من الأحوال- أن كل شيء مجرد خيال أدبي. فقد دخلت المعرفة تاريخية وبقايا رواية أصيلة إلى العهد القديم بدءاً من أقدم الطبقات الأدبية وصولاً إلى أحدثها. ومع ذلك لا يمكن الوصول إليها بشكل مباشر. كل شيء تم نقله عبر الرواية التوراتية، التى أعادت تفسير الحقائق التاريخية، والتجارب، والروايات الأقدم وتأويلها فى ضوء الرب.

 لا خروج من مصر

وعن الخروج الجماعى من مصر تبدأ الرواية التوراتية بسلسلة من القصص المؤسسة، مثل: قصة الآباء الأوائل: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ثم تتطور إلى حدث الخروج من مصر بقيادة موسى، وهو الحدث الذى يُعد حجر الزاوية فى الوعى الدينى اليهودي. غير أن الكتاب يشير إلى أن هذه الروايات، رغم أهميتها الرمزية، لا تجد دعمًا كافيًا فى السجل الأثري. فحتى الآن، لم يتم العثور على أدلة قاطعة تؤكد حدوث خروج جماعى كبير من مصر كما تصفه التوراة، مما يفتح الباب أمام فرضيات ترى أن هذه القصة قد تكون نتاج ذاكرة جماعية أو بناء دينى لاحق. ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى مرحلة دخول كنعان، حيث تصف التوراة غزوًا عسكريًا بقيادة يشوع بن نون، تخلله تدمير واسع للمدن الكنعانية.

إلا أن نتائج الحفريات الأثرية فى مواقع متعددة لا تتوافق مع هذا التصور، إذ تشير إلى غياب آثار دمار شامل فى الفترة المُفترضة. بدلًا من ذلك، تقترح الأدلة أن الاستيطان الإسرائيلى كان تدريجيًا، وربما تم عبر تحولات اجتماعية داخلية فى المجتمع الكنعانى نفسه، لا من خلال غزو خارجي.

ومن هنا، يطرح الكتاب إحدى أكثر فرضياته إثارة للجدل، وهى أن بنى إسرائيل نشأوا من داخل البيئة الكنعانية، وأنهم لم يكونوا شعبًا وافدًا من الخارج، بل مجموعة من السكان المحليين الذين طوروا هوية دينية وثقافية مُميزة بمرور الوقت.

يدعم هذا الطرح التشابه الكبير بين الثقافة المادية للإسرائيليين الأوائل والكنعانيين، سواء فى أنماط السكن أو الأدوات أو حتى اللغة. أما فيما يتعلق بفترة المملكة المُوحدة، التى تنسبها التوراة إلى الملكين داود وسليمان، فيتخذ الكتاب موقفًا نقديًا واضحًا. فبينما تصف التوراة هذه المملكة كقوة إقليمية كبرى، تشير الأدلة الأثرية إلى أن الكيانات السياسية فى تلك الفترة كانت أكثر تواضعًا. ورغم وجود إشارات تاريخية إلى «بيت داود» فى بعض النقوش، فإن حجم ونفوذ هذه المملكة يظلان محل نقاش بين الباحثين. 

وفى المقابل، تبدو الصورة أكثر وضوحًا عند الحديث عن مملكتى إسرائيل ويهوذا فى القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد، حيث تتوافر مصادر خارجية، مثل: السجلات الآشورية، التى تؤكد وجود هذه الكيانات السياسية وتفاعلاتها مع القوى الكبرى فى المنطقة.

ويُعد هذا الجزء من الرواية التوراتية أقرب إلى التاريخ القابل للتحقق مقارنة بالمراحل السابقة. يلقى الكتاب الضوء أيضًا على عملية تدوين النصوص التوراتية، مشيرًا إلى أن كثيرًا منها كُتب أو جُمِع فى فتراتٍ متأخرة، خاصة خلال وبعد السبى البابلي.

اقرأ أيضًا| محمود مسلم: الإعلام يتمثل في نقل صورة واقعية للمواطنين

فى هذا السياق، يرى أن النصوص لم تكن مجرد تسجيل للأحداث، بل إعادة صياغة للتاريخ بما يخدم أهدافًا دينية وسياسية، مثل: تعزيز الهوية الجماعية وتفسير الكوارث التاريخية التى تعرض لها الشعب.

ومن النقاط المهمة التى يثيرها الكتاب، العلاقة الوثيقة بين الدين والسياسة فى تشكيل الرواية التاريخية. فالنصوص الدينية، وفق هذا الطرح، لم تكن محايدة، بل ساهمت فى بناء سردية تمنح الشرعية لمطالب معينة، سواء كانت دينية أو سياسية. وهذا لا يقلل من قيمتها الروحية، لكنه يستدعى قراءتها ضمن سياقها التاريخي.

ورغم قوة الطرح النقدى الذى يقدمه الكتاب، إلا أنه لم يَسلم من الانتقادات. فبعض الباحثين يرون أن الاعتماد المُفرط على غياب الأدلة الأثرية قد يؤدى إلى استنتاجاتٍ متسرعة، مؤكدين أن «غياب الدليل ليس دليلًا على الغياب».

كما يشير آخرون إلى أن النصوص القديمة، رغم ما قد يشوبها من تحريف أو مبالغة، غالبًا ما تحتوى على نواة تاريخية يمكن استعادتها من خلال التحليل المقارن. كذلك، يُتهم الاتجاه النقدى أحيانًا بالمبالغة فى التشكيك، إلى حد نفى معظم الرواية التقليدية، وهو ما لا يتفق معه عدد من الباحثين الذين يتبنون موقفًا وسطًا، يعترف بوجود عناصر تاريخية حقيقية فى التوراة، إلى جانب إضافات لاحقة ذات طابع دينى أو أدبي.

فى ضوء ذلك، يمكن القول: إن الكتاب ينتمى إلى تيار فكرى يسعى إلى إعادة بناء تاريخ الشرق الأدنى القديم باستخدام أدوات حديثة، مع التحرر من القراءة الحرفية للنصوص الدينية. وهو بذلك يفتح المجال أمام نقاش أوسع حول طبيعة التاريخ ذاته: هل هو ما ترويه النصوص، أم ما تثبته الأدلة، أم مزيج مُعقد من الاثنين معًا؟ تتمثل أهمية هذا العمل فى أنه لا يقدّم إجاباتٍ نهائية بقدر ما يطرح أسئلة جوهرية، ويدعو القارئ إلى التفكير النقدى وإعادة النظر فى المسلّمات. فهو يذكّرنا بأن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل عملية مستمرة من التفسير وإعادة التفسير، تتأثر بتطور المعرفة وتغير المناهج. 

فى النهاية، يقدّم الكتاب صورة أكثر تعقيدًا وواقعية عن نشأة بنى إسرائيل، صورة تتجاوز الثنائية البسيطة بين «الصدق» و«الخطأ»، لتكشف عن تداخل الدين بالتاريخ، والأسطورة بالواقع، والسياسة بالهوية. ومن خلال هذا الطرح، يساهم فى إثراء النقاش حول أحد أكثر الموضوعات حساسية فى تاريخ المنطقة، مؤكدًا أن فهم الماضى يتطلب دائمًا قدرًا من الحذر، والانفتاح على تعدد الرؤى، والاستعداد لمراجعة ما نظنه حقائق ثابتة.

كتاب «إسرائيل التاريخية وإسرائيل التوراتية» يضع القارئ أمام ضرورة التمييز بين الوقائع المُثبتة علمياً وبين الروايات الدينية، ويكشف أن الكثير مما يُروى فى النصوص المقدسة هو إعادة بناء أدبى ولاهوتى للتاريخ، وليس انعكاساً مباشراً للواقع. هذا الطرح يجعل الكتاب مرجعاً أساسياً فى الدراسات التاريخية والدينية، خاصة فى فهم جذور الهوية.

اقرأ أيضًا| عماد الدين حسين: ضعف الإعلام العربي يربك المشهد

الكتاب:

«إسرائيل التاريخية وإسرائيل التوارتية».

المؤلف:

رينهاد كراتز

باحث ألمانى بارز فى الدراسات التوارتية، درس اللاهوت الإنجيلى واللغة اليونانية فى جامعات فرانكفورت، شغل منصب أستاذ العهد القديم فى جامعة غوتنغن كما أنه عضو فى أكاديمية العلوم فى غوتنغن منذ عام 1999

المترجم:

على الرفاعى

باحث فى جامعة غوتنغن الألمانية منذ عام 2016 ومتخصص فى فلسفة مقارنة الأديان السماوية والدراسات اليهودية

الناشر:

مكتبة البحر الأحمر