يوميات الأخبار

كيف واجهت مصر أزمات الطاقة العالمية؟

محمد الشماع
محمد الشماع


قبل العام ٢٠١٤ كان اجمالى قدرات توليد الطاقة الكهربائية  ٢٥ ألف ميجا وات وصل الآن إلى ٦٠ ألف ميجا وات أى أن الانتاج تضاعف بنسبة ١١٥ ٪ خلال ١٠ سنوات

على ارتفاع ثلاثين ألف قدم من سطح الأرض اتخذت الطائرة مسارها بعد أن أقلعت من القاهرة متجهة إلى باريس، نظرت من النافذة وخيّل لى أن الطائرة لا تتحرك، وكأنها تقف فوق السحب شعرت ربما بالملل وتحركت من مقعدى متجهًا إلى حيث يجلس المهندس ماهر بك أباظة وزير الكهرباء والطاقة الأشهر وقد أمسك بالمجلة التى تصدرها شركتنا الوطنية مصر للطيران وهى مفتوحة على صفحتى الدوبل «بلغة الصحافة» وقد طبعت بها خريطة العالم وفى القلب منه منطقة الشرق الأوسط. وفى يد الوزير قلم حبر بالمداد الأحمر حيث بدأ يضع خطًا من القاهرة ويسير بهذا الخط مرورًا إلى الحدود الليبية غربًا والأردن شرقًا ثم واصل خطوطه من الأردن إلى لبنان وسوريا والعراق ثم تركيا فأوروبا ومن الغرب من ليبيا إلى تونس ثم الجزائر والمغرب وموريتانيا فأوروبا.

سألنى الوزير: إيه رأيك فى الفكرة؟

قلت فى ماذا؟ قال: ربط الشبكة الكهربائية المصرية الموحدة بالشبكات الكهربائية للدول العربية وأوروبا هكذا كما ترى ده مشروع ضخم وله فوائد كبيرة.. الشبكات الأوروبية الكهربائية مرتبطة مع بعضها، وهل نحن أقل منهم فى الدول العربية؟!

ثم أضاف: هذا المشروع هيساعد فى تعزيز التعاون الإقليمى ويساهم فى استقرار الشبكات الكهربائية وتصدير الطاقة الكهربائية وتحقيق عائد اقتصادى كبير وتشجيع إنتاج الطاقة الكهربائية النظيفة ويوفر المليارات من الدولارات اللازمة لإقامة محطات توليد الطاقة الكهربائية الحرارية والغازية وكذلك مواجهة حالات الطوارئ فى أى دولة مشتركة فى هذا المشروع مثل حدوث أعطال جسيمة تؤدى إلى خروج محطات التوليد أو المحولات من الخدمة مما ينتج عنه حالات انقطاعات للتيار الكهربائى ينتج عنها خسائر مادية ضخمة، كما يجعل المشروع من مصر بورصة عالمية لتداول الطاقة!

● وكيف تتم عمليات ربط شبكات الكهرباء عربيًا وإفريقيًا وأوروبيًا؟

قال الوزير الفكرة بسيطة وهى أن عملية ربط الشبكات يتم من نهايات وبدايات شبكة كل دولة على أسس فنية محددة وآمنة.

● ضحكت قائلًا للسيد الوزير: يعنى معالى الوزير من الممكن أن مواطن فى أى دولة أوروبية يستطيع أن يضيء حجرته بمجرد ضغطة على مفتاح الإنارة تأتيه طاقة كهربائية نظيفة من مصر مثلًا؟!

● هو كذلك قالها الوزير وعلامات السعادة تملأ وجهه!

ازمة الثمانينات

فى بداية التسعينيات ونهاية الثمانينيات كان الوزير قد شكل اللجان المعنية واكتملت الدراسات مع معظم الدول العربية والأوروبية ثم توقف التنفيذ سنوات مع زيادة الحاجة إلى تنفيذ المشروع، إلى أن تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى المسئولية فبعث الحياة فى هذا المشروع بل وانطلق العمل، فبالإضافة إلى الربط مع ليبيا والأردن، يجرى الانتهاء من تنفيذ مشروع الربط الكهربائى مع المملكة العربية السعودية بقدرة ٣٠٠٠ «ثلاثة آلاف ميجاوات».

كما تجرى الدراسات لاستكمال الربط مع لبنان وسوريا، بالإضافة إلى أنه تم ربط شبكتى الكهرباء فى مصر مع السودان بالفعل ويجرى تدعيم الربط بزيادة القدرة للانطلاق إلى شبكات الكهرباء فى إفريقيا بهدف إقامة سوق أو «بورصة» للطاقة الكهربائية مقرها مصر.
أما الحلم الذى كان يراود المهندس ماهر أباظة «رحمة الله عليه» كان حلم إقامة أول محطة نووية للاستخدامات السلمية وتوليد الكهرباء فقام بجهود مضنية يشاركه فيها مجموعة من خبراء الطاقة المصريين.. ثم فجأة توقف كل شيء بسبب حادثة محطة تشرنوبل فى العام ١٩٨٦.
المشروع الاستراتيجى

إلى أن تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى فقرر إحياء المشروع الاستراتيجى المهم الذى سيحدث نقلة نوعية علمية واقتصادية غير مسبوقة فى مصر فى مجالات إنتاج الطاقة الكهربائية النظيفة الرخيصة الآمنة وتطوير الصناعة والزراعة والسياحة وإقامة مجتمعات عمرانية جديدة وتطوير البحث العلمى والاستخدامات الطبية. وإنتاج ٤٨٠٠ ميجاوات من المحطة النووية الأولى بالضبعة شمال غرب مصر وتضم المحطة أربعة مفاعلات يبدأ تشغيل أول مفاعل فى العام ٢٠٢٨ ويكتمل تشغيل المحطة بالكامل عام ٢٠٣٠.

ولكى نعرف كيف كانت حالة الكهرباء فى الثمانينيات وبداية التسعينيات ومدى المعاناة التى عاشتها البلاد خلال تلك الفترة وماذا اتخذت من إجراءات كالتالى: فى نهاية سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضى داهمت مصر أزمة نقص فى الطاقة عانت منها البلاد صعوبات ضخمة.
شجاعة الحكومة!

كانت الحكومة لديها الشجاعة لأن تعترف أمام الشعب بأن هناك أزمة طاقة شديدة وليس هناك مفر من أن يتحمل الجميع المسئولية كل حسب موقعه واستهلاكه من الطاقة فصدرت عدة قرارات من مجلس الوزراء لجميع مؤسسات الدولة والمواطنين أهمها:

● ضرورة ترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية فى جميع مؤسسات الدولة وتعيين مسئول بكل مبنى أو مؤسسة تكون مسئوليته التأكد من الالتزام بالترشيد وإصلاح الشبكات الداخلية وعدم استخدام الإنارة إلا فى حالات الضرورة طوال النهار، كذلك إصلاح الأجهزة والمصاعد التى لا يتم استخدامها إلا فى أضيق الحدود توفيرًا للطاقة.

● تحديد ساعات فتح المحلات ومراكز الخدمات بكل دقة والتزام ومعاقبة المخالفين.

● العمل بالتوقيت الصيفى توفيرًا لاستخدام الطاقة الكهربائية.

● إصلاح أعمدة الإنارة فى الشوارع والأحياء والكبارى بعد أن كانت مضاءة نهارًا ومطفأة ليلًا.

● إلزام المصانع والمراكز الإنتاجية بعمل عمرات الصيانة الدورية والإصلاح وقطع التيار عن هذه التجمعات خلال فترة الصيانة والإصلاح.

● عمل برامج ومناورات لفصل التيار عن مناطق سكانية بالتبادل ويصل الأمر إلى أن قطع التيار وتخفيف الأحمال كان يتم لعدة أيام ومع ذلك فقد تحمل المواطنون.

إذا كان ذلك هو دور المواطن والحكومة فإن دور الحكومة كان أكثر تحملًا وعملًا لتدارك الأزمة والخروج منها بأسرع ما يمكن فى ظل ظروف سياسية واقتصادية غاية فى الصعوبة فماذا فعلت الحكومة؟.

مع كل تلك الاجراءات لمواجهة ازمات الطاقة العالمية فكان القرار تنويع مصادر الطاقة وزيادة الاعتماد على الطاقات الجديدة والمتجددة والربط الكهربائى مع الدول المجاورة واوروبا وترشيد الاستهلاك وزيادة دور القطاع الخاص فى إقامة مشروعات انتاج الكهرباء.

وكانت نتيجة تلك المشروعات زيادة انتاج الطاقة الكهربائية من ٢٥ ألف ميجا وات إلى ٦٠ ألف ميجا وات خلال ١٠ سنوات.