على عكس ماهو متوقع، كان الموسم الرمضاني عامرا وزاخرا بإبداعات وأعمال سوف تبقى لفترات طويلة في الذاكرة، على عكس ما هو متوقع، لم يخذل صناع الدراما جمهورهم وكانت المحصلة النهائية لائقة ومتفردة اعادت الاعتبار لصناعة لا يمكن أن نغفلها أو نعطيها ظهورنا، الموسم انتهى بنتيجة مرضية لكثيرمن متابعينه، نتيحة أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن الدراما المصرية لا يمكن أن تشيخ أو تذبل، وإنها باقية ومؤثرة ومازالت تنبض بالحياة، وكلما قالوا إنها انتهت تفاجئنا وتعود بثبات من سباتها وتبهرنا..
الحقيقة أن الجهد المبذول في الأعمال الدرامية لا يمكن انكاره، وأمام الكاميرا – كالعادة - كان هناك نجوما شقت غيوم السماء، وقالت كلمتها، لكن كان هناك جنودا لا يمكن أن تظل مجهولة، كان لها أكبر الأثر في خروج الموسم من حيز الشك الضيق إلى براح اليقين، ويجب أن نعطيهم حقهم، فهم يستحقون كل التقدير.
بيتر ميمى .. رمانة الميزان
ظلم المخرج بيتر ميمى كثيرا في مشواره الفني، ولا أعرف سببا واحدا لهذا، فنحن أمام مخرج كبير بكل ما تعنيه الكلمة، مخرج يفهم جيدا ويعي ما يقدمه دون فلسفة زائدة ودون انغماس في ألعاب شكلية تضر أكثر مما تفيد، بيتر دائما ما يفاجئنا بإصرار الناسك ومعرفة العالم، دائما ما يبهرنا إصراره على الاقتراب من الكمال الفنى بثقة في الصعود وعدم التراجع، هذا العام قدم لنا بيتر مسلسل “صحاب الأرض” الذي لو لم يقدم غيره في مسيرته لكفاه، بيتر يملك جناحات يمكن أن يحلق بها إلى أبعد مدى، وفي “صحاب الأرض” بقيادة واعية وذكية استطاع أن يلامس السماء بعد أن حول الخبر إلى حكاية، والنشرة إلى دراما، والأرقام إلى بشر، بعد أن غرس سكينا في قلب العدو الأزلي، واطار النوم من أعينهم، دون أن يريق الدماء، ودون أن يزيف الحقيقة التي أغضبتهم، وحقق هدفه طيلة 15 حلقة كانت أقرب إلى الوثيقة الحية عن بشر مثلنا لهم كل الحق في الحياة، بيتر “رمانة ميزان” للموضوعات الشائكة، و”مايسترو” يعزف سيمفونية من الإبداع المستمر، هو مخرج لا يغريه البريق بقدر ما تشغله الفكرة، ولا تستهويه الزخرفة بقدر ما يعنيه الصدق.
حكاية سامح
من السينما القصيرة إلى الدراما المؤثرة لمع اسم المخرج سامح علاء، الذي قدم لنا “حكاية نرجس” المسلسل المفاجأة بكل تفاصيله والرقم الصعب في دراما هذا العام، والذي قدم لنا مخرج عبقري حقيقي يحمل جينات الكبار وإصرار وحماس الشباب، سامح الإضافة الحقيقية في دراما هذا العام، الذي قاد عناصر عمله بوعي لافت، كأنه عازف يدير مجموعة آلات مختلفة، لكنه يعرف متى يبرز كل آلة، ومتى يخفيها.. لم يترك مشهدا للصدفة، ولا لحظة للارتباك، فبدا العمل متماسكا، متدفقا، قادرا على إبقاء المشاهد في حالة تواطؤ عاطفي مع كل تفصيلة، استطاع بقيادته الحكيمة لكل عناصر العمل أن ينفذ إلى القلوب ويجعلك متعلقا بكل لحظة، ومشهد من البداية وحتى النهاية دون ملل أو إنزعاج مما يقدم، سامح المحمل بتجربة التكثيف والرواية البسيطة نجح في قلب المعادلة بعمل دخل البيوت والقلوب دون استئذان، بتقنيات وتمكن يحسب له ولإدارته العالية لكل عناصر المسلسل الذي سوف يبقى كثيرا في الذاكرة، وهو واحد من مكتسبات الصناعة، وإضافة حقيقية للإبداع المصري الذي يستمر في المقدمة بمثل سامح.
عين السدير
تعطي مصر دائما الفرص، وتحتوي المواهب أينما كانت، تقدمها وتساعدها وتنتظر منها الكثير، والحقيقة إن المخرج السوري السدير مسعود كان عند الوعد، وقدم أوراق اعتماده أكثر من مرة في الدراما المصرية، وهذا العام استطاع من خلال مسلسل “عين سحرية” أن يقدم النسخة الأفضل له حتى الآن، ونثق أن لديه الكثير ليقدمه، السدير يملك عين سحرية تلتقط الأحاسيس والتفاصيل، عين تخترق جدار الصمت بصناعة كادرات مثل البرواز الذي يحتوي أجمل اللوحات المرسومة، السدير في مسلسله الرمضاني بإدارة فنية لفريق من الموهوبين الكبار، يمزج المشاعر بالواقع، ويخرج لوحة شديدة الثراء زاهية الألوان وتشع جمالا، الغموض فيها ليس دخيلا، وإنما من صميم الجسد، ولا يمكن فصله عن باقي الأحداث، يحرك الكاميرا على وتر شديد الحساسية ويخترق الأضواء بمزيد من الثقة والاندفاع المحسوب، مسلسل “عين سحرية” ومخرجه السدير مسعود سوف يبقي أثره ممتدا لفترات طويلة.
خلطة خالد
يعرف المخرج خالد الحلفاوي سر الخلطة، يعرف كيف يفكك شفرة الإبداع من أقصر الطرق، يعرف ماذا يريد ومتى يضع بصمته ومتى يغيرها، يعرف كيف ينتقل من حالة إلى أخرى بإنسيابية وسهولة خالد الحلفاوي من المخرجين الذين لا يعلنون عن أنفسهم بصخب، بل يتركون أعمالهم تتحدث.. يعرف سرّ “الخلطة”، لا بوصفها وصفة جاهزة، بل بوصفها قدرة على الموازنة بين العناصر، وعلى استخراج الجمال من التفاصيل البسيطة، ولهذا فقد جاء مسلسله الأخير “أتنين غيرنا” مطابق للمواصفات الإنسانية العالية، يغرد به خارج إطار الدراما التقليدية، وينثر سحرا خاصا على العلاقات الإنسانية الشائكة بنعومة ويسر، ويعيد بهما الاعتبار لقيم مهمة، وأهمها قيمة الحب، نعم أعاد “أتنين غيرنا” الاعتبار للحب الذي افتقدناه في زحام الكراهية التي يحيط بنا من كل اتجاه، نجح الحلفاوي بإقتدار في خلق فسيفساء وزهورا فاحت رائحتها في الدراما من بدايتها حتى النهاية بحس مرهف واحساس عال بالموضوع في قيمة جماعية وأسبقية درامية مختلفة تماما عن كل المعروض، وكأنه يسبح عكس التيار، ويصل إلى بر الأمان مع “أتنين غيرنا”.
قانون عمرو
في الاقتصاد هناك قانون معروف هو قانون العرض والطلب، لكن في دراما رمضان هناك “قانون عمرو موسى”، المخرج الذي تفجرت موهبته من خلال مسلسل “ساعته وتاريخه”، وإن كان في حلقات قصيرة، لكن هذا العام يفرض عمرو موسى قانونه الخاص من خلال مسلسل “عرض وطلب”، قانون عمرو الخاص هو أن تتفاجأ طيلة الوقت، تندهش وأنت ترى نجوم عمله في شكل جديد ومغاير عن ما إعتدنا أن نراهم عليه، تنفجر موهبتهم بقانونه الصارم في تحريك الأحداث والنجوم بخفة وإتقان لا يمكن أن تتوقع أنهم نفس النجوم الذين طالما شاهدناهم، يملك بزمام الأمور وكأنه لاعب إكروبات يسير على حبل مشدود يشدنا معه في تناغم شديد بين تقاطعات الحياة والبشر، دراما مختلفة بمواج مختلف ورائه ساحر جديد، هو “قائد الدبلوماسية الفنية”، عمرو موسى.
فرصة سلامة
من نفس رحم “ساعته وتاريخه”، خرج أحمد عادل سلامة بفرصة جديدة وإصرار جديد على أن يثبت أنه يستحق، في مسلسله “فرصة أخيرة” وقف أمام كاميرا أحمد عادل سلامة أثنان من أهم نجوم مصر ومواهبها، وهي ربما يجدها البعض فرصة وربما يجدها البعض الآخر فخا، والحقيقة - وفي وجهة نظري - هي فرصة وفخا في آن واحد، فرصة أن تتعامل مع مواهب من الصناعة التمثيلية الثقيلة وفخا في أن تستطيع تحريكهم والتعامل معهم وفقا لرؤيتك الخاصة، والحقيقة أن أحمد نجح في الاختبار، وقدم لنا دراما شديدة الخصوصية والإتقان، واستطاع أن يعبر بنجومه وبمسلسله إلى براح الفرص الحقيقة، والتي استغلها عن أحقية، وكسب معهم الرهان، وكسبنا نحن مخرج جديد متمكن ويملك تفاصيل مذهلة.
جدية حسام
هناك اتفاق ضمني في مسلسل “النص” بجزئيه، هو الذي فجر نجاحه الذي بدى وكأنه نيزك حقيقي في سماء الدراما، “النص” مسلسل كوميدي، لكن الاتفاق الذي وضعه وفرضه مخرجه حسام علي، وهو إن الكوميديا لا يجب أن تجبرنا على الخفة، ولا أن تجرنا إلى الإيفيهات المصطنعة، وإن أفضل تعامل للأعمال الكوميدية، هو التعامل بجدية مطلقة، وهو الذي حدث في “النص الأول” و”النص الثاني”، ولهذا فقد استطاع حسام أن يخلق حالة من الجدية المطلقة على أحداث المسلسل الكوميدي، وهي حالة صعب تحقيقها، وأن تحققت تترك أثرا يخترق الصمت ويجعلنا أمام عمل ذكي في كل تفاصيله وأحداثه، والحقيقة إن إتفاق حسام يعيد الاعتبار للمهنة وللدراما، وهو ما نجح فيه المخرج الشاب الذي يخطو خطوات واسعة في كل مرة يظهر اسمه على عمل فني.
توابع يحيى
كالزلزال يغير يحيى إسماعيل من حالة السكون، يغير من وضع نجومه ويفجر إمكانياتهم ويضعهم في بؤرة النجومية من أقصر الطرق، نجح يحيى في خلق زلزال بمسلسل “ريفو”، ونجح مع ريهام حجاج وتحولها الجاد في مسلسل “توابع”، ومازال يحيى يواصل تحولات نجومه ويضعهم في واجهة الدراما بتمكن وبراعة تحسب له، يحيى الذي يطلق العنان لمهارته واختياراته الذكية دائما في وضع الممثل المناسب في المكان المناسب، نستطيع أن نقول أنه واحد من السحرة المهرة في تقديم دراما خالية من مكسبات الطعم بنكهة مميزة ترضى عنها، وتقع في غرامها كل مرة.
حدود مايا
كان من الممكن أن تعتبر الفرصة التي حصلت عليها مايا زكي في أول حضور مؤثر لها مجاملة لوالدها أشرف زكي أو والدتها روجينا، لكن الحقيقة أن فرصة مايا حصلت عليها باجتهادها واحترامها لموهبتها ومهنتها، وهو ما نتج عنه عملا بديعا يطرح العديد من الأسئلة الشائكة هو مسلسل “حد أقصى”، والذي انفجرت فيه موهبة مايا وأعطتنا مؤشرا مهما لوجود مخرجة مميزة تصنع شالا من الحرير على مهل وبفن وسلاسة، واستطاعت أن تصل إلى البيوت بعمل خرج منها دون أن يخرج عن النص، كسبنا مايا زكي، وكسبنا معها عملا سوف يبقى لفترة طويلة.
في البدء كانت الكلمة
إن كان هناك كتيبة من المخرجين العيون السحرية التي أبقت المشهد ناضجا والدراما مشتعلة، ففي البدء كانت الكلمة هذا العام، بدا أن الدراما قد ارتقت بوعي جديد حيث تضافرت أصوات الكتاب جددا وقدامى في نسيج إبداعي ثري قدموا عبره تجارب متباينة، لكنها متصلة بخيط جمالي واحد، هو البحث عن الحقيقة الإنسانية في أكثر تجلياتها شفافية وتعقيدا.. ومن بين هؤلاء يبرز عمار صبري الذي قدم دررا درامية لا تناقش بقدر ما تتأمل، مثل “صحاب الأرض” و”حكاية نرجس”.. عمار لا يكتفي بأن يروي الحكاية، بل يمارس فعل “التلصص الوجداني” على المشاعر يستنطقها برهافة ويخرجها إلى السطح بإنسيابية تكاد تشبه فعل البوح.. منذ انطلاقته اللافتة في “بدون سابق إنذار” بدا واضحا أننا أمام كاتب يمتلك حساسية معرفية عالية وإدراكا عميقا بأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون بناء شكليا، فهو لا ينخدع ببريق “الفورم”، بل يؤمن أن الشكل بلا جوهر هش، وأن العمل الفني لا يكتمل إلا بتألف عناصره.. البنية والتفاصيل والمحتوى في وحدة عضوية تشبه الكائن الحي.. ولعل ما يميز تجربته قدرته على التعبير عن الألم والانكسار والانتصار بميزان دقيق دون أن يسقط في فخ المبالغة أو الإبتذال.. ونحن إذا أمام مؤلف حقيقي سيظل أثره ممتدا في الذاكرة الدرامية المصرية والعربية.
أما رنا أبو الريش فهي صوت رصين شديد الخصوصية ينساب كهمس جمالي ناعم، لكنه نافذ التأثير.. ما قدّمته هذا العام في “أتنين غيرنا” يدعونا للتوقف طويلا أمام تلك القدرة الفريدة على التقاط التفاصيل الدقيقة، تلك الجزئيات الهامشية التي تتحول بلمسة فنية إلى مفاتيح تغيير.. تمتلك “رنا” حسا إنسانيا مرهفا وبصيرة تحليلية تغوص في أعماق النفس البشرية كما يفعل جرّاح ماهر مشرطه الدقة لا القسوة وتجربتها الرمضانية تمثل علامة فارقة وإشارة ضرورية إلى أهمية فتح المسارات أمام المواهب الحقيقية حتى وإن اختارت أن تسبح ضد التيار، فالإبداع الحقيقي لا يعترف بالإصطفاف بقدر ما ينحاز للصدق.
ويأتي هشام هلال كاسم ينبغي تثبيته في الذاكرة لا فقط، لأنه قدم عملين بارزين مثل “عين سحرية” و”حد أقصى”، بل لأنه يرسخ لنفسه حضورا قائما على رؤية إبداعية متفردة وبناء درامي ذي طابع خاص، لقد أصبح في الآونة الأخيرة رقما صعبا في معادلة الدراما المصرية، ووجوده ليس طارئا، بل مستحق مدفوعا بإصرار واضح على التطور والتجدد وكأنه في حالة إصرار دائمة نحو وجوده في موقع أكثر رسوخا وتأثيرا.
أما مريم نعوم فتقف خارج حدود الوصف التقليدي، إذ لم يعد الكلام قادرا على انتزاع دهشة جديدة من تجربتها التي تتجدد كل عام، مريم وورشة “سرد” تمثلان حالة استثنائية في المشهد الدرامي، فهي لا تكتب فقط، بل تنقب عن اللالئ في أعماق التجربة الإنسانية، وتعيد صياغتها في نصوص تنبض بالحياة.. في “اللون الأزرق” قدمت عملا بالغ الأهمية نجح في مقاربة قضية شائكة بنعومة وعمق كاشفا عن معاناة ما يقارب مليون ونصف المليون أسرة في مواجهة مرض يفتقر إلى وعي مجتمعي كاف، لقد وضعت يدها على الجرح لا لتؤلمه بل لتفسره وتداويه في فعل درامي يجمع بين الجمال والمعرفة بين الحساسية الفنية والمسؤولية الأخلاقية.
وبصوت أنثوي متوازن عالجت شيرين دياب قضية إنسانية في “كان يا ما كان” دون أن تنحاز أو تسقط في فخ التبسيط، مؤكدة أن الكاتب الحقيقي لا يختزل في نوعٍ أو قالب، ورغم ميلها السابق إلى الكوميديا، فإنها هنا تكسر التوقعات وتقدم طرحا إنسانيا صادقا يعيد النظر في التصنيفات الجاهزة والأحكام المسبقة، لقد نجحت في تقديم حالة درامية متماسكة توازي في صدقها ما قدمه كتاب مثل محمد ناير وهشام عبية في مشهد يؤكد أننا أمام جيل جديد من المؤلفين، جيل يكتب بوعي ويبدع بمسؤولية ويستحق مساحات أوسع من التقدير والرهان.
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟
ياسمين صبري والبطولة المطلقة







