بين جدران مستشفى العباسية للصحة النفسية، لم تعد «السموم» مادة بيضاء تُحقن فى الوريد، بل ومضات زرقاء تتسلل عبر الشاشات لتلتهم عقول جيلٍ بأكمله، من طفل لم يتجاوز الثالثة من عمره غرق فى عالم «الكرتون»، إلى مراهقين يقضون غالبية يومهم فى عزلة اختيارية، حيث تحولت الهواتف الذكية إلى أدوات تدمير تشبه فى أثرها الكيميائى المواد المخدرة.
بيانات صادمة تؤكد أن 20% من الطلاب يواجهون خطراً داهماً، ومعايير علاجية صارمة تعتمد «الساعات الآمنة»، تقود الدولة معركة تشريعية وطبية لمواجهة «أعراض انسحابية» قاسية، تشمل العنف والميول الانتحارية، فى محاولة لفك قيود «الرفيق الافتراضى»، وإعادة الروح للتواصل الإنسانى المفقود.
اقرأ أيضًا | الصحه النفسية تؤكد سلامة الزوج قاتل لاعبة الجودو بالإسكندرية وقت الجريمة
بداخل العيادات فى مستشفى الصحة النفسية بالعباسية، يبرز نوع جديد من المرضى لا تبدو عليهم علامات الإعياء الجسدى، بل يسكنون فى عزلة اختاروها خلف شاشاتهم اللامعة، مما استدعى تحركاً رسمياً واسعاً تقوده وزارة الصحة عبر مبادرة صحتك سعادة، بافتتاح عيادات تخصصية هى الأولى من نوعها لعلاج سوء استخدام وإدمان الإنترنت والألعاب الإلكترونية، حيث يواجه المختصون تحدى استعادة التواصل الإنسانى من براثن الخوارزميات والألعاب القاتلة، ويضعون ضوابط «الزمن الآمن» لاستخدام التكنولوجيا فى عصر لم يعد فيه الهروب من الشاشة أمراً سهلاً.
تقف راندا السيد، مديرة الإخصائيين النفسيين بمستشفى العباسية، فى «عيادة صحتك سعادتك»، تستقبل مَن يبحثون عن هذه العيادات المستجدة، لعلاج المدمنين، لكن هذه المرة من نوع آخر هم أسرى عزلة الشاشات.
بدأت هذه العيادات التخصصية التى أطلقتها وزارة الصحة والسكان قبل 3 أسابيع، فى 6 مستشفيات تابعة للأمانة العامة للصحة النفسية، من التاسعة صباحًا إلى الثانية عشرة ظهرًا، يوم الأربعاء من كل أسبوع، لعلاج سوء استخدام وإدمان الإنترنت.. الجميع عند دخوله من باب مستشفى العباسية يسأل عن هذه العيادات، فتستقبله راندا صحبة زميلتها رانيا دكرورى إخصائية نفسية، لتبدأ فى الحصول على بياناته، وتعطيه استبياناً يجيب عن أسئلة تحدد حدة ذاك المرض.
بحسب راندا فإن على الشخص أن يجيب على 20 سؤالًا فى هذا الاستبيان، وبعدها يتم إدخال هذه البيانات على الحاسب الآلى لتحدد حدة الإصابة، فإن زادت الدرجة على 30، تبدأ فى الاتصال بالمريض ليحضر ثانية للعيادة لبدء رحلة العلاج مع الطبيب المختص.
وتضيف أن العيادة استقبلت فئات عمرية متباينة جداً؛ حيث استقبلت حالة تبلغ من العمر37 عاماً، وأخرى لمراهق فى السادسة عشرة، والأكثر إثارة للقلق هى حالة لطفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات فقط، أحضرته والدته طلباً للمساعدة، حيث يقضى وقته فى استخدام البيانات لممارسة الألعاب ومشاهدة الرسوم المتحركة (الكرتون)، وهذا النوع من الانغماس المبكر، هو أحد المسببات التى قد تؤدى مستقبلاً إلى اضطرابات نفسية.
وأوضحت أن المشكلات تركزت بشكل أساسى حول التأخر الدراسى لدى الأطفال، أما الحالة البالغة التى ذكرتها، فكان يعانى من تشتت الانتباه وضعف التركيز فى عمله، وبمجرد رؤيته للإعلان استشعر حجم المشكلة فبادر بطلب العلاج.
سألنا المترددين على العيادات، كيف علموا بأمرها؟، فبعضهم عرف عنها عن طريق وسائل التواصل الاجتماعى، سواء «فيس بوك» أو «انستجرام»، وقصدوا العيادات منذ الصباح الباكر، فالبعض أتى من محافظة المنيا، وإمبابة، ومناطق أخرى.
كما عبروا عن معاناتهم من قضاء وقت طويل على الإنترنت فى مشاهدة الفيديوهات وغيرها، وعجزهم عن إيقاف ذلك، مما أثر سلباً على حياتهم وعملهم، وجعلهم يلجأون لهذه العيادات لعلاج هذه المشكلات، وكذلك زيادة الوعى بهذا الأمر الخطير.
وأكدوا أنهم فور وصولهم، استقبلهم الإخصائى النفسى، وأعطاهم الاستبيان للقيام بالإجابة عليه، والذى تضمن أسئلة مثل: هل تقضى على الإنترنت وقتاً أطول مما خططت له؟، هل تنوى قضاء 10 دقائق فتجد نفسك قد استغرقت ساعة؟، هل تهمل واجباتك الدراسية أو مهام عملك مقابل ممارسة الألعاب؟، غادروا لحين الاتصال بهم بعد نتائج الاستبيان وسط آمال إنهاء مخاطر العزلة الاجتماعية.
وتستكمل راندا قائلة بعد ملء الاستبيان نحدد «درجة حدة الحالة»؛ فإذا تجاوزت الدرجة 30 فى الاستبيان، نعتبر أن هناك مشكلة حقيقية تستدعى التدخل، وكلما ارتفعت الدرجة زاد مؤشر إدمان الألعاب الإلكترونية أو الإنترنت.
وتضيف أنها رصدت ثلاث حالات تجاوزت هذا المعيار، ويتم التواصل معهم لبدء البرنامج العلاجى الفعلى اعتباراً من الأربعاء القادم.
وأكدت أنها تعتمد فى عملها معايير «الساعات الآمنة» حسب السن؛ فالأطفال حتى سن الخامسة، يجب ألا يتجاوز استخدامهم 30 دقيقة يومياً، ومن 5 إلى 12عاماً ساعة واحدة، ومن 12 إلى 18عاماً ساعتين، وما فوق ذلك بحد أقصى ثلاث ساعات.. أما رانيا دكرورى إخصائية نفسية، فتؤكد أن هدفهم الحد من مخاطر الألعاب التى تفرض «مهام» (Tasks) خطيرة، مثل الحالات المؤسفة التى شهدناها سابقاً لانتحار أطفال بسبب تلك الألعاب، فهم يسعون لتقليص هذه المخاطر الناتجة عن المحتوى العنيف والقاتل.
وأوضحت أن الحالات التى تقل عن 30 فى اختبار الاستبيان، تقدم لهم جلسات توعية وتثقيف وقائى، أما مَن تجاوزوا الـ 30، فهم بحاجة إلى برامج علاجية مكثفة.
وأشارت إلى أن التوعية تركز على توجيه الأسرة حول كيفية التعامل مع الأبناء، وتطبيق معايير «الأوقات الآمنة»، وضرورة دمج الأنشطة الرياضية والاجتماعية فى جدول الطفل اليومي، لضمان عدم تركه فريسة للشاشات، ويتم تحفيزهم على ملء أوقاتهم بالرياضة، والقراءة، والندوات، ونقدم لهم خيارات متعددة لتنمية مواهبهم.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







