يوميات الأخبار

كل العام أنتم بخير

د. محمد أبوالفضل بدران
د. محمد أبوالفضل بدران


عندما بلغنى نبأ رحيله أدركتُ كم خسرَتْ مصر بفقده خازنَ أسرارها وفصيح إعلامييها وكبير الهمامية وحفيد شيخ العرب همام الذى وحّد الصعيد.

العيد : كل يوم يُحتَفَلُ فيه بذكرى حادثة عزيزة أو مناسبة دينية فهو عيد مصحوب بالتمنى أن يعود مرة أخرى بفرحه وبهجته، وحاجة الإنسان إلى الفرح حاجة ماسة مُلِحّة حتى يخرج من ضغوطات الحياة ومَلَلها ورتابتها، وقد ارتبط العيد فى القُرى «بالعيدية» وهى فلوس تُمنح للصغار وترتفع حسب نسبة التضخّم فكانت الخمسة قروش كافية ومفرحة فى زمن ليس بعيدا لكنها الآن مُضحكة إن وُجِدت وَوُهِبَت ولذلك ابحثْ عن الخمسين جنيها وما فوقها، والأجمل أن يصل الناس أرحامَهم فيرسلون فى يوم «الوقفة» وهو اليوم السابق للعيد «العَشَا» ويتكوّن من اللحم والخُضار والفاكهة نوزّعها على الأخوات المتزوجات والعمّات والخالات، ويعدّ هذا طقسا محبوبا لنا كأطفال لأننا نعود مُحَمَّلين بالحلوى والهدايا؛ ويمتد هذا «العشا» إلى بناتهن بعد رحيلهنّ، وفيه خير وبرَكة، فمن وصل الرّحِمَ وصله الله؛ حينما أتذكر أمى وأخواتى الراحلات رضوان الله عليهن ينتابنى حنين شفيف إلى تلك الأيام الخوالى وأعياد مضت تعود دونهن ولا يتبقى سوى لحظات الذكريات ولحيظات نزور قبورهن التى غدت ترابا وعظاما لكن الذكريات لا تُمحى بل تظل لأنها خالدة، حينما تحكى مع القبور وتحاورها تسمع أصواتها وتلمس رقتها ترنو إليك وتربتُ عليك فهى أرواح تعيش فينا وهيهات أن تُنسى.

أيها العيد افرح وأفرحنا معك حتى نستطيع الحياة.

الكبير فهمى عمر

قليلون هؤلاء المثقفون الذين تعلو مكانتهم العلمية والثقافية ويظلون شعبيين أى لا تتسع الهُوة بينهم والناس، والكبير فهمى عمر واحد من هؤلاء الكبار، ومصطلح الكبير يعنى الكثير فى صعيد مصر، «فالقولة قولته والشورى شورته » كان مخزن أسرار وكنز ثقافة وبئر حكمة ورمز فصاحة وقوة بيان وجمال صوت وقوة حجة ونور سلام؛ ولا أنسى حينما دعوتُه والأستاذ فاروق شوشة والأستاذ جمال الغيطانى لندوة فى كلية الآداب بقنا وكانت مباراة لغوية فى فصاحة فهمى عمر وصوت فاروق شوشة وحكايات الغيطاني، كان فرِحا أن يعود إلى قنا حيث موطن شبابه وعزوة أهله، وعندما لبيتُ دعوته لزيارته بالرئيسية موطن ميلاده تذكَّر أيام ندوته بقنا وحنينه إلى أيام الصبا.. كان فهمى عمر يشعر بمسئولية كوْنه الكبير وأن جده شيخ العرب همام أصلح بين القبائل المتناحرة فسار على خطاه وأطفأ نار خصومة لولاه لاستمرت سنوات عديدة إلا أن حكمته ارتأت أن الثأر سيحصد أبرياء فكان موقفه الذى ينبغى أن يُدرّس فى المناهج فى العفو والتسامح والسلام. كيف جاء إلينا وكيف استطاع أن يضرب مثلا واقعيا فى دور المثقف فى تغيير مجتمعه ولو على غير هوى القبيلة.

لم ييأس وظل متفائلا حتى آخر حياته؛ بينما كنت جالسا بجواره على «الدّكة» قال لي: أهلنا طيبون ومثقفونا يبتعدون عنهم أو إذا اقتربوا منهم يسيرون فى ركابهم حتى لا يفقدوا مكانتهم الاجتماعية، فقلت له: «إن الرائد لا يكذِب أهلَه» ومضينا فى مباراة شعرية لأفاجأ بما يحفظه من شعر قديمه وحديثه مع إلقاء شعرى مدهش يحافظ على مخارج الحروف فى إتقان، وكان معجبا بالشاعر محمد مصطفى حمام ولاسيما قصيدته عن «الرضا».

هاتفنى قبل أسبوع من رحيله لدعوتى لزيارته وتناول الغداء معه كعادته، اعتذرتُ له بسفرى خارج مصر، قال لي: لا تحرمنى من جمال حديثك؛ عندما بلغنى نبأ رحيله أدركتُ كم خسرَتْ مصر بفقده خازنَ أسرارها وفصيح إعلاميها وكبير الهمامية وحفيد شيخ العرب همام الذى وحّد الصعيد ليأتى الحفيد ليعيد مجد جده الأكبر ويصنع أسطورة صادقناها بحب وارتوينا من حكاياه التى لا تنتهي.

هل يُطلِق اللواء مصطفى الببلاوى محافظ قنا اسمه على ميدان الدولفين ويكفى من الدلافين التى لم نرها فى شوارع قنا، هل يتبنى محافظ قنا تغيير مسمى الميادين والشوارع المضحكة بقنا ومراكزها لنرى ميدان إسماعيل معتوق وميدان فهمى عمر وميدان رشدى فكار وميدان الشيخ أحمد الطيب وميدان أحمد يوسف حامد وميدان عبدالرحمن الأبنودى وميدان أمل دنقل وميدان فيرينا وميدان عدنان فنجرى وميدان عبدالمتين موسى وغيرهم، هؤلاء الذين أعطوا وقدموا نماذج نفخر بها يكفينا من أسماء هزلية مثل شارع المعتقل، وميدان اليافطة، وأما ميدان الدولفين فلأن الدلافين تتمشى حوله فلا تزعجوها!

أيها الكبير دعوتنى قبل أسبوع من رحيلك لزيارتك وقلت لى كلاما جميلا أفتخر به ما حييت واعتذرت لسفرى خارج مصر ولم أدر أنها مهاتفة وداع فنَمْ قرير العين يكفى ما قدمته من خير لوطنك ولصعيدك الطيب.. تُرى كم سننتظر حتى نرى قدوة مثله، يرحمه الله.

وزير الأوقاف وخُطَب الجمعة

هنالك موضوعات مسكوتٌ عنها فى خُطب الجمعة وأراها واجبة الإلقاء ويجب تذكير الناس بها ولا أدرى لِمَ هى مُغّيّبة؟ ومنها إعطاء المرأة ميراثها وموضوع البلطجة التى استشرت فى الشارع وموضوع السموم والمخدرات التى أصابت الشباب وموضوع حُرمة المال العام حيث نفصل نحن بين المال الخاص الذى نحرص عليه ونحافظ عليه وبين المال العام الذى يرونه مشاعا ولا حُرمة فى أخذه وسرقته وإهماله دون وازِع ضمير. وحبذا لو خصصنا موضوع الهجرة عبر البحار إلى أوربا، والمخاطر المحدقة بهذه الخطوات المتهورة وأنها نوع من الانتحار، وهنالك موضوع الذكاء الاصطناعى بحيث نبسّطه للناس ونُريهم محاسنه ومساوئه وهذه الموضوعات وغيرها ينبغى أن تصل إلى الناس من خلال خُطب الجمعة ودروس الآحاد فى الكنائس وندوات مراكز الشباب وقصور الثقافة.

فى النهايات تتجلى البدايات

قال الشاعر محمد مصطفى حمام:

علَّمتنى الحياةُ أن أتلقّى كلَّ ألوانها رضا وقبولا

ورأيتُ الرِّضا يخفِّف أثقالى ويُلقى على المآسى سُدولا


والذى أُلهم الرِّضا لا تراهُ    

أبدَ الدهر حاسدًا أو عَذولا

أنا راضٍ بكل ما كتب اللهُ    

ومُزْجٍ إليه حَمْدًا جَزيلا

أنا راضٍ بكل صِنفٍ من الناسِ 

لئيمًا ألفيتُه أو نبيلا

فسح الله فى فؤادى فلا أرضى 

من الحبِّ والوداد بديلا

فالرضا نعمةٌ من الله لم يســعد 


بها فى العباد إلا القليلا

والرضا آيةُ البراءة 
والإيــمان بالله ناصرًا ووكيلا
أكثرُ الناس يحكمون على الناس 
وهيهات أن يكونوا عدولا
علمتنى الحياة أنى إن عشــتُ 
لنفسى أعِشْ حقيرًا هزيلا
علمتنى الحياةُ أنيَ مهما أتعلَّمْ فلا أزالُ جَهولا.