عشرات الحوادث| كوارث الأسانسير.. جريمة إهمال

كوارث الأسانسير
كوارث الأسانسير


لم تعد كلمة طالع ولا نازل؟ مجرد سؤال بين سكان العقارات بل أصبحت مقامرة يومية بحياة الناس بعد أن تحولت المصاعد من وسيلة راحة إلى توابيت طائرة معلقة بأسلاك مهترئة وحبال جر مغشوشة وأجهزة أمان معطلة عمدًا لتوفير بضعة جنيهات وأحياء غائبة عن الرقابة حيث نفجع سنويًا بعشرات الحوادث ولعل آخرها حادثة سقوط أسانسير نادي بيراميدز التي كانت قبل عدة أسابيع كاشفة انها لم تكن مجرد عطل فني بل هي جريمة مكتملة الأركان ضحاياها شباب في مقتبل العمر والمتهم فيها هو ثالوث الموت من إهمال الصيانة وورش بير السلم وغياب الرقابة وفي السطور التالية نفتح ذلك الملف المسكوت عنه وهو إهمال صيانة المصاعد وتأثيرها على حياتنا اليومية.

تكمن الكارثة في تحول صيانة المصاعد إلى سبوبة يتكسب منها فنيون غير مؤهلين وشركات وهمية لا تملك من التراخيص إلا ورقة مطبوعة في مكتب دعاية؛ حيث تشير الإحصائيات الصادمة إلى أن آلاف الورش تعمل دون ترخيص وتقوم بتركيب تجميعات رديئة لقطع الغيار.

فالوايرات التي تركب في أغلب العقارات المخالفة هي أنواع صينية رديئة تفتقر لأدنى معايير الأمان تفضل فقط لرخص ثمنها مقارنة بالأنواع المعتمدة كما يقول المهندس هاني حسن خبير تركيب وصيانة المصاعد والذي أضاف؛ بإن ما يحدث في أغلب العقارات وخاصة المخالفة وحتى في بعض الأندية والمنشآت ليس صيانة بل هو تسكين للأعطال.

ويؤكد؛ بأن الكارثة تبدأ من مرحلة التوريد حيث يتم تجميع المصعد من قطع غيار مجهولة المصدر وهذا يعد مخالفة جسيمة لبروتوكولات السلامة؛أو ما نطلق عليه تجميع بير سلم والأخطر هو ما يفعله بعض الفنيين غير المؤهلين بتعطيل جهاز الباراشوت أو منظم السرعة لضمان عدم توقف المصعد بشكل مفاجئ نتيجة عيوب في الحبال وهذا تقنيًا يعني تحويل المصعد إلى قذيفة تسقط سقوطا حرا في حال انقطاع الواير ولهذا يجب إلزام الجميع بالنوتة الحسابية للمصعد قبل التركيب.

فيما أكد الدكتور علي عبد الحميد استشاري السلامة والصحة المهنية؛ أن ثقافة الطوارئ لدينا غائبة فالمصعد ليس مجرد وسيلة نقل بل هو آلة ميكانيكية معقدة وأي مصعد محترم يجب أن يحتوي على جهاز هبوط اضطراري، يوصل الكابينة لأقرب دور عند انقطاع التيار لكن في أغلب العقارات يُعتبر هذا الجهاز كماليات لتقليل التكلفة والنتيجة هي احتجاز المواطنين لساعات أو سقوطهم كما حدث في اكثر من حادثة سقوط.

والسبب في ذلك هو قيام بعض سماسرة الصيانة بتعطيل جهاز الأمان لتقليل الأعطال المتكررة الناتجة عن رداءة المكونات فيقوم الفني بتعطيله ليضمن استمرار عمل المصعد ظاهريا محولاً المصعد لسقوط حر مؤجل ينتظر ضحيته.

ويضيف استشاري السلامة والصحة المهنية؛ بأن لدينا أكثر من ٢٠٠٠ شركة مرخصة لكن في المقابل هناك عشرات الآلاف من الورش غير المسجلة التي تعمل في الظلام ويشجعهم المواطن على الاستمرار لأنه يذهب لورشة بئر سلم لأنها توفر له ٤٠% من التكلفة دون أن يدرك أنه يوفر في ثمن حياته ولهذا يجب زيادة التوعية المجتمعية للأفراد وفي نفس الوقت نطالب بشن حملات رقابية اكثر لإغلاق هذه الورش ومنع استيراد أي قطع غيار مصاعد إلا من خلال وكلاء معتمدين يضمنون جودة المنتج وكفاءة الوايرات التي هي شريان الحياة في أي مصعد.

ولمواجهة تلك الكارثة بصورة قانونية تقول يارا طلعت المحامية: إن القانون واضح في تلك المسألة وذلك الإهمال لكن الأزمة أن هناك إهمالا في المتابعة والرقابة على تلك المصاعد فالأحياء تتعامل مع رخصة المصعد كإجراء ورقي يُستخرج مرة واحدة بينما الواقع يتطلب تفتيشًا مفاجئًا ولهذا نحن بحاجة إلى رخصة تشغيل سنوية مرتبطة بشهادة صلاحية من مكتب استشاري معتمد وليس مجرد عقد صيانة صوري مع شركة قد لا تملك مهندسًا واحدًا فغياب الرقابة على العقارات المخالفة جعل المصاعد فيها بمثابة قنابل موقوتة خارج السيطرة والنتيجة هي ما نراه من حوادث يومية.

وتضيف المحامية يارا طلعت؛ بأن المسئولية الجنائية في حوادث المصاعد غالبا ما تضيع بين مالك العقار واتحاد الشاغلين وشركة الصيانة ولهذا يجب تعديل قانون البناء لتشديد العقوبة في حالة الإصابة أو الوفاة الناتجة عن إهمال الصيانة لتصبح جناية بدلا من جنحة إهمال مع تفعيل بند وثيقة التأمين الإجبارية لصالح الركاب والتي يتم التغاضي عنها أو إهمال استخراجها في أغلب الأحيان.

وتؤكد يارا طلعت المحامية؛ بأن الأزمة مرتبطة بشكل أساسي بملف البناء المخالف فمع وجود قرابة نصف مليون عقار غير مرخص نجد أنفسنا أمام نصف مليون مصعد خارج القانون والأحياء لا تملك سلطة الرقابة على مبنى غير موجود في سجلاتها من الأساس والمالك يبحث عن أرخص وسيلة لتركيب أسانسير يخدم 15 طابقًا بنيت في ليلة وضحاها وبالتالي النتيجة تكون مصاعد تُركب بالذراع وتُصان بالبركة كما يقال ولهذا يجب أن تتحرك الأحياء بصورة اكبر لمواجهة مثل هذه التعديات التي تهدد حياة ملايين الأشخاص الذين يستقلون المصاعد يوميا.

الكارثة الكبرى كما ذكر لنا اكثر من خبير تكمن في ثقافة الصيانة الإصلاحية فنحن لا نصلح المصعد إلا عندما يعطل بينما العلم يقول إن المصاعد تحتاج لصيانة استباقية وتفتيشا دوريًا على الحبال والفرامل والكنترول مرتين شهريا على الأقل وما يحدث الآن هو مجرد ترقيع لقطع الغيار المتهالكة وتأجيل للموت لا منعه.

أما روشتة الإنقاذ كما اكدها الخبراء فتكمن في تفعيل الرقابة الصارمة مع المواجهة التشريعية بتغليظ العقوبات الجنائية على الملاك والشركات التي يثبت إهمالها في الصيانة لتصل إلى السجن الوجوبي بالإضافة لإنشاء قاعدة بيانات بكل مصعد في مصر بحيث لا يتم تجديد رخصة العقار أو توصيل المرافق إلا بشهادة صلاحية فنية من مكتب استشاري معتمد مع منع تداول قطع الغيار المجهولة المصدر في الأسواق وتجريم تركيبها.

والاهم في ذلك هو زيادة وعي السكان فعلى المواطن أن يرفض السكن في عقار لا يملك عقدا مع شركة صيانة معتمدة فالحياة أغلى من فارق رسوم الصيانة التي يبخل البعض في دفعها فتعرض حياته وحياة اسرته للخطر يوميا.

اقرأ أيضا: مصرع عامل مصاعد سقط عليه "جدار" من الطابق العاشر بإيتاي البارود بالبحيرة

;