قد لا تكون الأزمة التى تمر بها دول الخليج، كأحد توابع الهجوم الأمريكى الإسرائيلى على إيران، هى الأخيرة، ولكنها الأخطر، فقد سبق لها أن تعرضت لأزمات مختلفة منذ عقود، وتحديدًا منذ عام ١٩٨٠، فخلال المواجهات الأخيرة تحولت - دون إرادة منها - إلى ساحة قتال، بعد أن تحولت كل دولها الست دون استثناء، إلى أحد الاستهدافات فى بنك الأهداف الإيرانية، والأرقام تكشف عن وصولها خلال أسبوع واحد ٢٦٥٠ هجمة، ومازالت الأرقام فى ارتفاع مع انتصاف الأسبوع الثالت من الحرب، دون أفق حقيقى للوصول إلى نهاية للمعارك، والذهاب إلى طاولة المفاوضات، وقد عانت دول الخليج من (ظلم الجغرافيا) وسط جوار إقليمى غير مستقر، سواء فى العراق أو إيران وكذلك اليمن، كما تحولت إلى ساحة لصراع دولى، ومطامع من قوى كبرى، نتيجة تصدرها مناطق إنتاج النفط، المحرك الأساسى للاقتصاد الدولى، وكذلك قدراتها المالية الضخمة، وقد دفعت المنطقة أثمانًا غالية لذلك، من خلال تبعات ثلاث حروب سابقة إقليمية، أفرزت تطورات مهمة، كانت نتيجتها الواقع المأساوى الحالى، من تحولها إلى ساحة مواجهات بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وهى كالتالى:
الأول: بدء التواجد العسكرى الأمريكى فى المنطقة، فواشنطن منذ أوائل الثمانينات ملتزمة، بما يسمى (عقيدة كارتر)، وأساسها أن أى تهديد لحركة الملاحة فى الخليج، يمثل تهديدًا لمصالح أمريكا الحيوية، وستواجه بكل الوسائل حتى القوة العسكرية، وبناء على ذلك تم إنشاء قوات التدخل السريع، التى تمركزت فى قواعد عسكرية لها فى ألمانيا، لقربها من منطقة الخليج، ومع الغزو العراقى للكويت، عاشت المنطقة وسط انكشاف أمنى كبير، تم التعامل معه من خلال قيادة واشنطن تحالفًا دوليًا، لتحرير الكويت والذى تم فى فبراير ١٩٩١، مما ساهم فى خلق حالة من الامتنان الخليجى لواشنطن، التى استثمرت ذلك فى طلب وجود ثابت لها فى المنطقة، بديلًا عن قواعدها فى ألمانيا، خاصة وأنها احتاجت عدة أسابيع لإتمام الحشد العسكرى إلى مسرح العمليات فى حفر الباطن فى المملكة العربية السعودية، وكانت البداية فى الموافقة على إقامة قاعدة العيديد فى قطر، وغيرها فى دول الخليج الأخرى، والتى تم استخدامها كمبرر لهجمات إيران عليها.
الثانى: التنسيق الخفى بين واشنطن وإيران، والذى بدأ مبكرًا منذ بداية الثمانينات، وكشف عنها فضيحة إيران جيت) أو (إيران كونترا) فى زمن الرئيس الأسبق ريجان، تحديدًا فى فبراير ١٩٨٦، التى تضمن تزويد إيران بصفقات سلاح أمريكية ضخمة، كما ساهمت أمريكا فى تعزيز هيمنة إيران فى المنطقة، بإسقاط أهم أعدائها غربًا من إسقاط نظام طالبان فى أفغانستان فى أكتوبر عام ٢٠٠١، وشرقًا نظام صدام حسين فى أبريل ٢٠٠٣، وتقاسما حكم العراق لسنوات بعد ذلك وبدا الأمر كما لو كان شهر عسل طويلًا، استثمرته طهران فى تعزيز قدراتها العسكرية الصاروخية والنووية رغم الحصار، مما أثار مخاوف تل أبيب التى لا تسمح بوجود قوة موازية فى المنطقة، فبدأت مشاعر العداء، والرغبة فى النيل من تلك القدرات، وإنهائها.
وجاءت الأزمة الأخيرة بعد بدء هجوم واشنطن وتل أبيب على إيران، لتشهد أحداثًا غير مسبوقة، منها الضغوط الأمريكية على دول الخليج للانخراط فى الحرب ضد إيران، والتى سعت طهران من جهتها إلى استخدام الهجمات كمحاولة لسرعة إنهاء الحرب، ويحسب لدول الخليج، التزامها بسياسة منضبطة، تكشف عن وعى استراتيجى عالٍ لقادتها، بالاكتفاء بحماية دولها من هجمات المسيرات والصواريخ البالستية، مع إدراك كامل بمقتضيات الجوار الجغرافى الذى لن يتبدل أو يتغير، وأن مشاركتها سيخلق عداوة تاريخية بين الطرفين، لن تزول بسهولة، وركزت على احتفاظها بحق الرد، وخفض التصعيد والتهدئة، وليس المواجهة، وعدم استخدام المنطقة ساحة صراع أو تصفية حسابات، خاصة وأن دول الخليج أصبحت على يقين، بأن واشنطن حليف غير موثوق به.
والمؤكد أن المواجهات الأخيرة، دفعت باتجاه إعادة النظر فى المظلة الأمريكية نفسها، وجدواها، خاصة وأنها تحولت إلى عبء، دون أن بكون لها أى دور ملموس فى القيام بواجب الحماية المتفق عليه بين الطرفين منذ عقود، وفق مقاربة (النفط مقابل الحماية) وكان هذا وراء إحياء النقاش حول مستقبل الأمن الجماعى الخليجى، والبحث عن ترتيبات إقليمية مختلفة، وكان وزير الخارجية العمانى بدر بن حمد البوسعيدى أول من طرح القضية على المستوى الرسمى، بمطالبته فى تصريحات مهمة أخيرة إلى إعادة النظر فى الفلسفة الدفاعية الخليجية، ناهيك عن انتقال المناقشة إلى دوائر النخب السياسية الخليجية، ويبدو أن المطروح أمامها عدد من البدائل والخيارات، وهى كالتالى:
الأول: (الخيار الخليجى) عبر تعزيز قدرات (قوات درع الجزيرة) والتى تأسست عام ١٩٨٢، كإحدى نتائج الحرب العراقية الإيرانية، لبناء منظومة ذاتية للدفاع المشترك، وتملك قدرات عسكرية معقولة، القوة الدائمة من ما بين ٣٠ إلى ٤٠ ألف جندى وتتم مضاعفة الأرقام فى حالة الطوارئ، كان لها دور مهم فى إحباط مخطط قلب نظام الحكم فى البحرين، على يد مجموعات مسلحة مدعومة من إيران، فى فبراير ٢٠١١، وقد لا تكون كافية لمواجهة خطر دولى أو إقليمى بحجم ما شاهدته المنطقة مؤخرًا.
الثانى: (الخيار العربى) بالعودة من جديد إلى فكرة (القوة العربية المشتركة) والتى طرحها الرئيس عبد الفتاح السيسى، فى قمة شرم الشيخ فى مارس ٢٠١٥ وأعاد طرحها فى القمم الثلاثية فى مكة المكرمة مايو ٢٠١٩، العربية والإسلامية والخليجية، وكانت مخصصة للبحث فى التهديدات الإيرانية لدول المنطقة، وأظن أن هناك اتصالات مكثفة تقوم بها مصر بهذا الخصوص، عبر الاجتماع الأخير بين وزراء الخارجية لدول الخليج ومصر، وهو الاجتماع الرابع المشترك بين الطرفين، وقد خصص لهذا الموضوع حيث طرح الوزير بدر عبد العاطى رؤية القاهرة، بالتأكيد على استحداث آليات جديدة لضمان أمن وسيادة الدول العربية، ومنها بالطبع الخليجى، وفى مقدمتها البحث فى إزالة أى تحفظات، كان وراء وقف إقرارها.
الثالث: الخيار الإقليمى، وقد يتم البحث فى إطار تعاون يضم مصر دول الخليج وتركيا وباكستان، وكان من الملاحظ زيارة رئيس وزراء باكستان للسعودية الجمعة الماضى، ولقاؤه مع ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان، الذى صحب معه وزير الخارجية وهذا طبيعى، ولكن الجديد هو وجود قائد قوات الدفاع رئيس الأركان الجيش المشير ركن سيد عاصم منير.
وبعد، فمهما كان الأمر ومسار الأحداث فى اليوم التالى لوقف الحرب، فهناك إشكالية تتعلق بوضع إيران فى المعادلة الإقليمية، فمن الصعب تجاوز المرارة التى تشعر بها دول الخليج، بعد كل ما جرى ولايزال، مما يصعب عملية مشاركتها، ولو مؤقتًا، كما أن بقاءها خارج المعادلة، قد يؤدى إلى استمرار حالة عدم استقرار فى المنطقة، وهذه هى المشكلة والأزمة.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







