على مائدة التاريخ ..«شقرون» يحاور «ابن المقفّع» عن الشكّ والعقل

نزار شقرون أثناء حواره مع سيد علي
نزار شقرون أثناء حواره مع سيد علي


ليس التاريخ ما حدث فقط، بل ما نتمنى لو أننا سألنا عنه فى حينه وفى رمضان، حين يهدأ الزمن قليلًا، تخيّلنا أن نمد مائدة للكلام، لا للأكل، وأن نستدعى من التاريخ من لا يزال صوته حاضرًا فى أسئلتنا. 

اقرأ أيضًا| «نزار شقرون»: جائزة نجيب محفوظ تتويج للتجريب في الرواية العربية


فى زاويةٍ تتقاطع فيها الأسئلة الكبرى مع ظلال التاريخ، نجلس مع الروائى التونسى نزار شقرون، الفائز بجائزة نجيب محفوظ للأدب فى دورتها الأولى بمعرض القاهرة الدولى للكتاب 2026.

فى هذا الحوار يختار «شقرون» أن يدعو إلى مائدته واحدًا من أكثر العقول إشكالًا وتأثيرًا فى التراث العربى: عبد الله بن المقفع.

من خلال هذه المائدة المُتخيَّلة، تتقاطع أسئلة العقل والسلطة، والشكّ واليقين، ومصير الثقافة فى عالم عربى مأزوم، فى محاولة لقراءة الماضى بوصفه مرآةً للحاضر، وربما بوصفه أيضًا طريقًا لفهم المستقبل.

وجاء هذا الحوار:

إذا عدت إلى التاريخ، من تختار أن تجلس معه على مائدة واحدة؟

- دعوة كاتب إلى تقاسم المائدة ليست أمراً هيّناً، لذلك أدعو عبد الله بن المقفّع ليقتسم معى فضاء تفكيرى، بوصفه أديباً جمع بين الفكر والأدب، وكان مؤسّساً لنثر فنّى عربى من السهل الممتنع. نحن نحتاج إلى تجربته، ومساءلة طريقة كتابته من جديد، نحتاج حقّاً إلى المراجعات.

لماذا هذه الشخصية تحديدًا؟

- نحتاج اليوم إلى العقل، ولم يكن ابن المقفّع غير واحد من الكتّاب الذين وطّنوا العقلانيّة فى كيان الأدب العربى وقد غلّف جرأته بذكاء فى سياق سياسى استبدادي، فكان مثال المثقّف الذى وظّف تجربته الحياتيّة فى دواوين السّاسة لتكون كتابته مرآة تفكيره. ويُعدّ كتابه «كليلة ودمنة» معيناً للقراءة المستمرّة والدراسة بأدوات المناهج الحديثة.

وماذا تمثل لك الآن؟

- لا تزال سيرة ابن المقفّع لغزاً. ولا تزال كتابته مفتوحة على النقد والمراجعة إنّه كاتب خطير لأنّه نجح فى بثّ رسائل تُهدّد معبد الثقافة السائدة آنذاك على لسان الحيوانات. إنّه مراوغ بامتياز. أعود دائماً لدراسته، لأنّنى أدرك بأنّ أدبه حمّال أسرار.

ما أهم سؤال تريد أن تسأله له؟

- أورد ابن المقفّع حكاية انتقال كتاب «كليلة ودمنة» من بلاد الهند إلى بلاد فارس، لكنّه سكت عن حكاية انتقال المخطوط إلى بلاد العرب أسأله عن سبب هذا السكوت؟ ألا يدلّ ذلك على خديعة القول بترجمة الكتاب إلى العربيّة؟ أليس ابن المقفّع هو مؤلّف الكتاب؟

أين أخطأ من وجهة نظرك؟

- سار ابن المقفّع إلى الموت بوعى المنتحر. فقد كان يحدس ما كان ينتظره من خصمه سفيان بن معاوية المهلبى والى البصرة.

هل كان يمكن أن يختار طريقًا آخر؟

كانت لابن المقفّع خيارات أخرى، ومنها بقاؤه مطارَداً، لكنّه فضّل المخاطرة أحياناً ينبغى تأجيل الموت لأنّ حياة الكتابة ليست أمراً شخصيّاً.

ما الذى تود أن تعرفه عن ضعفه؟

- ثمّة هشاشة ما فى الحياة النفسيّة لابن المقفّع، إنّه فى نهاية الأمر إنسان، لكنّ تلك الهشاشة ولّدت أدبه المقنّع ما كان يحيّرنى هو موقفه من المرأة تخصيصاً.

وعن خوفه؟

- أعتقد أنّ مساحة الخوف محدودة فى حياته، لعلّ ذلك بدا واضحاً فيما تعلّق بموقفه الاعتقادى خاصّة.

عن لحظة شكّه؟

- استخدامه للعقل مرّ دائماً من مجال الشكّ، لكنّه شاحب فى كتابته، حيث كانت الحكمة أسلوباً يخفى الشكوك ويلّوح باليقين.

ماذا ستسأله عن عالمنا اليوم؟

- هل يمكن للعقل أن يستفيق من سباته فى عالمنا اليوم؟ ألا ترى يا ابن المقفّع بأنّنا نعيش ما عشته من ضعف العقلانيّة وسيادة البداهات فى زمن ثقافى عربى مغلق؟

ما النصيحة التى قد يأخذها منك؟

- لا أمان للسياسة، فهى مستنقع أحلام المثقفين، أمّا الثقافة فهى الطريق الذهبيّة للخلاص.

وما الفكرة التى سترفضها منه؟

- أرفض موقفه من المرأة، حتّى وإن كنت أتفهّم سياق الجذب التاريخى الذى عاشه. وأتلمّس فى الوقت نفسه كيف وهبها خفيةً دوراً رئيسياً فى إدارة شأن الدولة من خلال تدخّلها فى توجيه قرار الأسد بمحاكمة وزيره.

سؤال واحد خارج السياق، صادم، إنسانى، أو أخلاقى؟

- فى «كليلة ودمنة» يُقتل الثور، وهو رمز للوزير الفارسى وللثقافة الوافدة، هل كان ذلك مجرّد إدانة للنظام السياسى العربى، أم تسليم بمستقبل ذوبان الثقافة الفارسيّة فى الثقافة العربيّة؟

وماذا سيبقى معك بعد هذا اللقاء؟

- شوق متجدّد لمطارحة فكر وأدب ابن المقفّع، ذلك أنّ استضافته نوع من التدرّب على قبول الاختلاف وتوسيع رقعة محبّة المعرفة.