كلام × السياحة

محمد البهنساوي يكتب: من أمريكا وأوروبا وصولا للمطرية.. ماذا تفعل السياحة المصرية؟!

محمد البهنساوي
محمد البهنساوي


لا شك أن اللحظة الحالية التي تمر بها صناعة السياحة في العالم وليس بمصر فقط، لحظة صعبة، وتخيم بآثارها السلبية على المقاصد السياحية في العالم، خاصة منطقة الشرق الأوسط.. الكل يبحث عن ملاذ آمن يقيه تبعات الحرب من إلغاء رحلات، وتراجع النمو وتقلص العائدات السياحية.

ومصر مثل باقي المقاصد تخشى تلك التبعات وتتحسب لها، لكن هناك بعض نقاط القوة التي تتحصن بها في مواجهة التأثيرات السلبية للحرب الحالية، فرغم أن نفيرها وطبولها تقرع على مقربة من حدودنا، إلا أن بلدنا على الخريطة الأمنية والسياسية وحتى السياحية للمنطقة تشبه نقطة مضيئة ناصع بياضها، وسط عتمة شرقا وغربا وجنوبا وربما شمالا كذلك. وتلك حقيقة واقعة تؤكدها شواهد عديدة وهدايا دولية وداخلية، فهل تحسن استغلالها السياحة المصرية من وزارة وهيئة تنشيط واتحاد وغرف وجمعيات مستثمرين ؟ أم سينتظر الجميع حتى تضع الحرب أوزارها ليبدأوا التحرك فتضيع فرص ونتعرض لخسائر يسهل تجنبها؟.. والسطور القادمة قد تكشف إجابة هذا التساؤل

فور اندلاع الحرب وسط حالة هلع وارتباك، تصدر عدة دول وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية تحذيرات لمواطنيها بمغادرة الشرق الأوسط فورا، بما فيها مصر، بل ووضعت مقاصدنا السياحية ضمن الدائرة الحمراء كمناطق غير آمنة، وعلى الفور جاء التحرك الدبلوماسي المصري سريعا ومقنعا، فما هي إلا ساعات وتلغي كل تلك الدول خاصة أمريكا اية تحذيرات من السفر لمصر، ثم تنهال تعليقات الحكومات المختلفة تشيد بالأمن والأمان التي تتمتع بهما مصر، بل وتحفز مواطنيها على السياحة بمدنها، ومن تلك الدول  "أمريكا - بريطانيا - إسبانيا - كندا - إيرلندا " جميعهم أكدوا في وقت واحد أن مصر لازالت مقصدا سياحيا آمناً ومناسباً للجميع

مواقف قوية للطيران والتأمين

تلى ذلك ثلاث مواقف تؤكد قوة مصر سياسيًا وسياحيًا وأمنيًا.. الأول يخص الحكومات عندما نصحت عدة دول غربية مواطنيها بمغادرة المنطقة سريعا، ويتوجهون لمصر ولهم البقاء بها لحين اتضاح الرؤية، أو العودة لبلدانهم عبر مطاراتها.

الموقف الثاني لشركات الطيران ففي ساعات قليلة تصبح سماء مصر الأكثر " ترافيك جوي" بعد لجوء كافة الشركات لسمائها ومطاراتها باعتبارها الأكثر أمانا، وقررت شركات الطيران أن تصبح المطارات المصرية مكانا لتواجد او بالمعني الدارج "جراج" لطائراتها.

الموقف الثالث الأقوى جاء من شركات التأمين، والتي تفرض رسوما إضافية للسفر لأية دول بها مخاطر، وهو ما فعلته بمجرد اندلاع الحرب مع كل دول الشرق الأوسط تقريبا ماعدا مصر يقينا بأمن وأمان مصرنا الغالية.

مشهد من السماء لشوارع المطرية في حفل الإفطار

هنا المطرية

ووسط ارتباك المشهد بالشرق الأوسط والعالم بسبب الحرب الدائرة، وسيطرة القلق على الجميع يخرج علينا المصريون بإفطار المطرية السنوي، وكأنهم من كوكب أخر! ليتحول هذا الحدث إلى طاقة نورة تشع من قلب القاهرة على العالم، أكبر مائدة إفطار تدخل موسوعة جينيس، ويتحول اليوم لحدث عالمي شهير يحج إليه الراغبون في المتعة والإبهار والاستمتاع بروح وجمال المصريين، حتي في بساطتهم وأحيائهم الشعبية، وإفطار المطرية وحده كفيل بأن تتحول دفة السياحة الدولية لمصر واحة الأمن والأمان

 

سفراء أجانب ومسئولين كبار بالسفارات في مقدمتهم ألمانيا والدنمارك وأوزباكستان يشاركون, عشرات البلوجرز و اليوتيوبرز من أنحاء العالم، سائحون أجانب ومنهم أمريكيين، لتنقسم الشاشات وصفحات السوشيال ميديا عالميا لنصفين، الأول لعرض أحداث الشرق الأوسط والحرب على إيران بينما النصف الآخر يتحدث عن الحدث العالمي لإفطار المطرية، وشهادات دولية لمن حضروا أن مصر واحة الأمن والأمان في العالم بأثره، وبوستات دولية مفادها أن الدولة التي يقام فيها إفطار جماعي لأكثر من 100 ألف فرد من مواطنين وسفراء، وضيوف عرب وأجانب، بلا أخطاء أو تجاوزات، فإنها دولة واثقة بنفسها وقادرة على حمايتها.

أين السياحة؟

هنا السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة أين السياحة مما سبق؟ وأقصد بالسياحة هنا كافة مكوناتها وليست الوزارة أو هيئة التنشيط فقط؟ فأهل الصناعة أدرى بأوجاعها، وعلاجها أيضا، ويدركون جيدا أن الدعاية والتنشيط والتسويق السياحي يقوم أساسا على تحسين الصورة وإظهار الأمن والأمان والاستقرار والاستمتاع! وكل هذا توافر كله بإفطار المطرية.

لا ندري ماذا فعل القطاع مع إلغاء تحذيرات السفر لمصر والتصريحات الدولية للحكومات عن أمن وأمان مصر وسياحتها، ولم تخبرنا الوزارة أو الهيئة كيف استغلوا كل هذا إيجابيا في الدعاية لمصر، ولم نر لافتة أو فيديو شاشة في الجناح المصري ببورصة برلين أهم ملتقى سياحي في العالم عن أي من تلك التصريحات!

لكن المؤكد أن هناك شبه غياب غير مفهوم للسياحة بكامل تشكيلاتها وهيئاتها وغرفها وجمعياتها عن إفطار المطرية، لا ندري لماذا؟.. سيقول المخلفون من السياحيين ومالنا بإفطار المطرية فليس حدثا سياحيا ولن يفيد السياحة، وهذا التضليل بعينه، فكما قلت فإن إفطار المطرية في الظروف العادية وسيلة دعاية وتسويق سياحي مهمة، تتضاعف أهميتها بالظروف الحالية، فهل هناك أهم منه إثباتا عمليا على الأمن والأمان والاستقرار والإبهار والاستمتاع بمصر ؟!

وهل يعقل أن الجميع يتسابق على المشاركة بالإفطار والحضور والمساندة والدعاية وغيرها إلا السياحة؟.. فطوال عمر إفطار المطرية الإثني عشر لم نري مسؤولا سياحيا، ولا مائدة تتبعهم، ولا مشاركة تنظيمية ولا مشاركة لفعاليات الإفطار دوليا، أو حتى تصريح أو إشادة من الوزارة أو الهيئة والاتحاد والغرف وجمعيات الاستثمار بالمنظمين، رغم أن السياحة كما قلت أول المستفيدين!

 اللوم علي مين ؟

نلوم الجميع لكن نختص هيئة تنشيط السياحة، المنوط بها كل ما سبق، وخلق أحداث سياحية أهم اختصاصاتها، فكيف لا تستغل حدثا جاهزا ناجحا؟ لماذا لم نراها تدعو مشاهير السوشيال بالأسواق الرئيسية للسياحة المصرية، ولماذا لم تنظم رحلات تعريفية للمطرية لممثلي الإعلام السياحي الدولي وحتى ممثلي كبار منظمي الرحلات ليتأكدوا بأنفسهم من أمان ومتعة مصر وأهلها، لماذا يتواري الحدث الذي أشعل السوشيال ميديا بالعالم والوطن العربي، ولم نر حتى إعادة مشاركة لتغريدات السفارات المختلفة خاصة الألمانية والدنماركية وغيرهما حول مشاركتهم بالحدث، وكأن الهيئة تقاطع وترفض الدعاية المجانية السهلة فهل تجيد الصعب المكلف؟!.. ولعل الأمر يتطلب تدخل وزير السياحة والأثار بنفسه للتحقيق في الأمر وتحديد سبب هذا الغياب الغريب.

مبادرة رائعة

وهنا نشيد بمبادرة قامت بها مجموعة من شركات السياحة المصرية بالتنسيق مع غرفة السياحة، حيث قامت تلك الشركات بتسجيل وبث فيديوهات حية للسائحين من مدننا السياحية مشاركين سعادتهم ومؤكدين أمن وأمان مصر.

المبادرة أكدت الوزارة في بيان صحفي اهتمام وزير السياحة والآثار بها وحرصه على مشاهدة تلك الفيديوهات بنفسه، شيء جميل بالطبع، ونتمنى أن تستمر مثل تلك المبادرات وتتعدد وتتنوع بكافة الأنشطة والأماكن السياحية لنؤكد أمن واستقرار مصر سياحيا وسياسيا. 

منتج سياحي

وإذا كانت دول سياحية كبرى تقوم على الأحداث المحلية بها وحسن استغلالها، فإن المطرية جاهزة بالفعل لأن تكون منتجا سياحيا متكاملا خاصة بهذا اليوم، الذي يحج إليه الآلاف من مختلف دول العالم، فلماذا لا يتحول 15 رمضان حدثا سياحيا بالمطرية بصفتها صاحبة أكبر إفطار جماعي؟! ولا ننسى أن المطرية منطقة أثرية مهمة حيث مسلة سنوسرت الأول الأثر الوحيد الباقي من حضارة أون و(هليوبوليس) عاصمة الحضارة المصرية في الدولة الوسطى وبقايا معابد الشمس، وشجرة مريم التي استظلت بها العذراء والمسيح عليه السلام، وقصر الأمير محمد وحيد، كل هذا والمحصلة التسويقية للحدث والمنطقة صفر.. فهل يرضى ذلك أحد قلبه على مصر وسياحتها؟! ندرك أن الإفطار والمنطقة بحاجة للكثير حتى تصبح منتجا سياحيا لكن ما لا نستطيع إدراكه هذا الغياب التام والصمت الغريب !!