أنشودة الليل: المسحراتى بريشة ممدوح عمار

ممدوح عمار
ممدوح عمار


يُعدّ المسحراتى واحدًا من أكثر الرموز الشعبية التصاقًا بالذاكرة الرمضانية فى الوجدان العربى، فهو ليس مجرد شخصية تقليدية توقظ النائمين للسحور، بل حامل لإيقاع الليل وروح الجماعة، وصوتٌ يربط الأزقة بالسماء فى لحظة سكون شفافة.

عبر قرون طويلة ظلّ المسحراتى عنصرًا بصريًا وسمعيًا فى آنٍ واحد، يجمع بين الإيقاع الموسيقى والحضور الإنسانى، ولذلك وجد طريقه إلى الفنون التشكيلية بوصفه رمزًا للزمن الطقسى والفرح الروحى معًا.

اقرأ  أيضًا | الفانوس والمسحراتي وبائع الكنافة.. تفاصيل رمضان تتجدد في فن محسن أبو العزم

فى لوحة الفنان ممدوح عمار (1928-2012) يتجسد المسحراتى لا بوصفه شخصية واقعية فحسب، بل كأيقونة تشكيلية مكثفة الدلالة، يعتمد الفنان على معالجة تعبيرية واضحة فى بناء الوجه، إذ تبدو الملامح مُختزلة، حادة الخطوط، ومائلة إلى التبسيط البنائى، وهو أسلوب يمنح الشخصية طابعًا إنسانيًا عامًا بدلًا من فرديتها، فالوجه هنا ليس «بورتريه» لشخص بعينه، بل يُعد قناعًا دلاليًا يرمز إلى كل المسحراتية الذين مرّوا فى ليالى رمضان.

لون البشرة المائل إلى الأحمر الدافئ لا يُقرأ باعتباره لونًا طبيعيًا، بل كاختيار تعبيرى يوحى بالحياة والنبض والإيقاع الداخلى. هذا التوظيف اللونى يخلق توترًا بصريًا مقصودًا بين حرارة الوجه وبرودة الخلفية، حيث تنقسم الخلفية إلى مساحاتٍ لونية متجاورة.. الأزرق، والأصفر، والوردى فى توزيع أقرب إلى الحقول التجريدية، وهذا التقسيم لا يؤدى وظيفة زخرفية فحسب، بل يعمّق الإحساس بأن الشخصية تتحرك فى فضاء رمزى لا مكانى، وكأن المسحراتى يعبر طبقات الليل لا شوارع الحى.

أما الطبل، وهو العنصر الأيقونى فى التكوين، فقد منحه الفنان مركز ثقل بصرى واضح.. فاليد الممسكة بالعصا مرسومة بخطوط حادة ومُختصرة، توحى بالحركة دون أن ترسمها فعليًا، وكأن الضربة الصوتية ستقع بعد لحظة.. هنا ينجح الفنان فى تحويل الصوت إلى صورة، إذ نشعر بإيقاع الطبل رغم صمت اللوحة تلك القدرة على ترجمة الحاسة السمعية إلى بنية بصرية تُعد من أهم إنجازات العمل.

يمكن القول إن ممدوح عمار لا يرسم المسحراتى بوصفه موضوعًا تراثيًا جامدًا، بل يعيد صياغته داخل لغة تشكيلية معاصرة تمزج بين التبسيط والتكثيف التعبيرى، فاللوحة تنجح فى الجمع بين الروح الشعبية والبناء الحداثى، وتؤكد أن الرموز التراثية قادرة على الاستمرار حين تُقرأ بعينٍ فنية جديدة.