الجوامع تحكى سيرة القاهرة

سلطان شيّد جامعًا ليخلّد مجده وولىّ أقام زاوية للمريدين
سلطان شيّد جامعًا ليخلّد مجده وولىّ أقام زاوية للمريدين


فى القاهرة، بين المآذن والقباب، لا تتكلم الأسماء فقط، بل تتكلم الحجارة أيضًا. بين سلطان شيّد جامعًا ليخلّد مجده وولىّ أقام زاوية للمريدين، فكل جامع يحمل فى جدرانه سيرة سلطان مرّ من هنا، أو ولىّ ترك أثره فى القلوب قبل أن يتركه فى الحجر. وعند الفجر، حين تخفت ضوضاء المدينة وتسبق المآذن الشوارع إلى اليقظة، تبدو القاهرة القديمة وكأنها تفتح دفاترها العتيقة.

اقرأ أيضًا| مسجدا الرفاعي والسلطان حسن في ثالث الزيارات التثقيفية لملتقى المرأة الحدودية

اقرأ أيضًا| من الخديوي إسماعيل إلى فاروق الأول.. أسرار المدخل الملكي في مسجد الرفاعي

الأزقة التى عبرها السلاطين والدراويش، والقباب التى ارتفعت فوق رءوس الأولياء والعلماء، لا تزال تحفظ فى حجارتها حكايات قرون طويلة.

هنا، فى ظل مآذن مثل جامع أحمد بن طولون ومسجد السلطان حسن، لا تبدو الجوامع مجرد أماكن للصلاة، بل صفحات مفتوحة تحكى سيرة مدينة كاملة.

فى كتابه «سيرة أصحاب الجوامع من سلاطين وأولياء القاهرة»، الصادر عن بيت الحكمة للثقافة، يكشف الباحث عادل موسى عن الوجه الإنسانى والروحى لمدينة ظل تاريخها مكتوبًا على الجدران بقدر ما هو محفوظ فى ذاكرة أهلها. يقترب من هذه المدينة كما يقترب قارئ من مخطوط قديم؛ يقلب صفحاته بين جامع وزاوية.

فى تقديمه للكتاب يشير المؤلف إلى أن رحلته مع القاهرة لم تكن مجرد نزهة فى الأزقة أو الميادين، بل عبورًا بين عصور تتراكم كطبقات الحجر، حيث تنطق كل طبقة بلسان أصحابها.

فالجوامع التى شيدها السلاطين، والأضرحة التى احتضنت الأولياء، والزوايا التى أنارت للمتصوفة لياليهم، ليست فى نظره سوى فصول متتابعة من كتاب كبير يروى تاريخًا إنسانيًا عميقًا.

ولا يقتصر مفهوم الجوامع على المساجد الكبرى وحدها، بل يستخدمه المؤلف رمزًا أوسع لكل مكان اجتمع فيه الناس على الذكر والعبادة والعلم سواء كان جامعًا مهيبًا أو زاوية صغيرة فى أحد أحياء القاهرة القديمة. ومن هنا تتسع دائرة السرد لتشمل سِيَر من ارتبطت أسماؤهم بهذه الأماكن، من سلاطين وحكام إلى أولياء ومتصوفة وعلماء.

ويكشف الكتاب أن الحديث عن أصحاب الجوامع والزوايا لا يمكن فصله عن ظروف زمانهم، فالعوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لعبت دورًا حاسمًا فى تشكيل مصائرهم ومصائر ما تركوه من آثار.  ويرى المؤلف أن القاهرة ربما تكون من أكثر مدن العالم الإسلامى ثراءً فى هذا الباب فهى مدينة لا تكتفى بأن تكون متحفًا للحجر، بل تبقى مسرحًا حيًا للحكايات.

ففى كل حى قصة، وفى كل جامع أو زاوية حكاية بعضها عن سلاطين وحكام، وبعضها عن أولياء وعلماء، وبعضها عن بسطاء التفوا حول هؤلاء وأولئك. وهكذا تصبح المدينة ذاكرة متجددة لا مجرد مكان. كما يلفت الكتاب إلى أن الأثر التاريخى لا يقتصر على العمارة وحدها، فالأولياء الذين يتناولهم المؤلف لم يتركوا حجارة فحسب، بل خلّفوا أورادًا ومجالس ذكر وكتبًا فى الفقه والتصوف لا تزال تُقرأ حتى اليوم. وفى المقابل ترك السلاطين مدارس وكتاتيب وأوقافًا.

بل أحيانًا قوانين وسياسات صاغت حياة الناس، فبقى أثرهم ممتدًا فى العمران كما فى الذاكرة. ومن خلال هذه الرؤية يستعرض الكتاب نماذج متعددة من جوامع القاهرة وسير أصحابها.

من بينها جامع أحمد بن طولون، وجامع المؤيد شيخ المحمودى، وجامع السلطان حسن، وجامع محمد أبى الذهب، وجامع السلطان الغورى، وجامع الناصر محمد بن قلاوون، وجامع الرفاعى، وجامع عبد الوهاب الشعرانى، وجامع سيدى أحمد الدردير، وجامع سيدى أبى السعود الجارحى، وجامع عبد القادر الدشطوشى (الطشطوشى).

وهكذا يروى الكتاب تاريخ عدد من جوامع القاهرة وزواياها، ويعيد إحياء الوجوه التى مرّت بها والقصص، والتى تراكمت فى ظلال مآذنها. ويذكّرنا بأن القاهرة القديمة ليست مجرد آثار صامتة، بل ذاكرة حيّة ما زالت تتنفس فى الأزقة والقباب، ما يجعل المدينة قادرة على أن تروى حكايتها جيلًا بعد جيل.