قبل دقائق من انطلاق مدفع الإفطار، يتجسد مشهد مصري خالص في الشوارع، حيث تمتزج العجلة بالسكينة، والتوتر بالطمأنينة، في لحظات تسبق أذان المغرب، في هذا التوقيت تحديدًا، تقف منى حامد وفريق من المتطوعين على قارعة الطريق، يحملون أكواب العصير والسندوتشات، في مبادرة تحولت خلال ست سنوات من زجاجة ماء خجولة إلى مائدة ممتدة بطول الشارع، توزع يوميًا 300 كوب عصير و100 ساندوتش على المارة.
القصة ليست مجرد توزيع طعام، بل تعبير حي عن ثقافة التكافل المترسخة في المجتمع المصري خلال شهر رمضان، وبين سائق يحاول اللحاق بأسرته، وعامل توصيل يقف في زحام اللحظات الأخيرة، وطالب تأخر عن منزله، تتدخل مبادرة بسيطة لتمنحهم فرصة الإفطار في موعده، ولو على تمرة أو كوب عصير، هكذا تتحول الشوارع إلى مساحة تضامن مفتوحة، تتكامل فيها جهود الأهالي والمتبرعين والمتطوعين.

◄ فرحة الصائمين قبل الأذان هي الدافع الأكبر للاستمرار
ومن داخل محافظة بورسعيد، تقف منى حامد ويصطف حولها من يشاركها فى الثواب من أبناء المحافظة ليتولوا مهام توزيع ما يعين المارة علي شق صيامهم، تستهدف سائقي الأجرة، وعمال التوصيل «الدليفري»، والطلاب المتأخرين عن منازلهم.
منذ ست سنوات شعرت «منى» برغبة مُلحة داخلها تحثها على توزيع الطعام لإفطار المارة فى الشوارع والطُرقات العامة، لم تكن تعلم من أين تبدأ وظلت الفكرة تراودها كل عام في شهر رمضان المبارك، لكن مع بداية شهر رمضان خرجت من المنزل وحملت على عاتقها زجاجة مياه كبيرة وكوب، ووقفت على استحياء وهى تقدم للمارة كوب المياه ليشقوا صيامهم، لكن المفاجأة أنها عادت لمنزلها والزجاجة فارغة .
تسلسلت الفرحة لروحها وغمرتها السعادة، وظلت تحدق للحظات لتقول بعدها فعلتها ؟ لتعيد فى اليوم الثاني نفس الخطوة، لتجد أنها تخلصت من كافة مشاعر الخجل واستبدلتها بمشاعر الفرحة التى تظهر على الصائمين حين يلتقطون منها ما يشق صيامهم ويعينهم على مواصلة الطريق.

◄ هدفنا أن يفطر كل عابر طريق قبل أذان المغرب
تطور الأمر من زجاجة مياة إلى «كولمان كبير» (حافظة مياه)، ثم إلى طاولة صغيرة من منزلها، حتى وصل طول الطاولة اليوم إلى نحو 180 متراً بفضل دعم الناس ومحبتهم، وباتت توزع حالياً أكثر من خمس حافظات كبيرة من العصير يومياً.
توسعت فكرتها وانضم إليها الخيرين من شباب منطقتها، أقبلوا عليها للمشاركة في الثواب وجذب نحو 27 فردًا من شباب الخير يتواجدون بشكل يومي فى الشوارع والميادين لتوزيع الإفطار على الصائمين.
اقرأ ايضا| «من أرض الحضارات».. كيف يوثق إفطار المطرية جذوره التاريخية؟
تعد "منى" يوميا 300 كوب من العصير والتمر الهندي، ويصبح العدد قابل للزيادة حين تخبرها أحد الجيران بأنها أعدت أكواباً من الخشاف الرمضاني لكنها لا تعلم كيف توزعها لتتولي منى وفريقها رحلة التوزيع على الصائمين. توسعت الفكرة تدريجياً لتشمل توزيع 100 ساندوتش من «الكفتة والبرجر والبانيه والسجق والكبدة» ومثلهم من أطباق المهلبية والأرز باللبن أو الكاستر.

◄ لحظات قبل الإفطار الأكثر توتراً
تصف «منى» أن اللحظات التي تسبق الإفطار هي اللحظات الأكثر توتراً بحيث أن تصبح كافة الأشياء مجهزة تماماً العصائر داخل الحاويات وكذلك إعداد السندوتشات وتغليفها خاصة أن الخبز لابد وان يكون طازجاً حتى يسهل التعامل معه وفى نفس ذات الوقت تقوم بغلي 10 لتر من اللبن يستغرق ساعة كاملاً حتى يصل لمرحلة الغليان لتبدأ بوضعه على التمر.
بالتزامن مع كل ذلك تبدأ بطهي اللحوم، ثم تقوم بتوزيع المتطوعين - كلاً حسب ما يفضله - فهناك من يفضل توزيع الساندوتشات أو العصير وهناك من يفضل أن يقف على الحاويات وتفريغها فى الأكواب وهكذا.
تعودت «منى» علي الترحاب من الصائمين المترددين عليها وكذلك دعواتهم التي تغمرها بالمودة خاصة حين تسمع عبارة «ربنا يزيدكم من فضلة» حيث اعتادت أن تستقبل أى شيء من المتبرعين، وأخبرتها إحدى المتبرعات أن لديها مجموعة من «الاستيكر الرمضاني» ملصقات رمضانية وتريد أن تساهم بهم لكن لا تدري هل يمكن أم لا.
على الفور استقبلت «منى» الأمر بالترحاب ووضعته فوق غلاف الساندوتشات، لتجد أنه أضاف لمسة انسانية وبهجة أثناء توزيع الساندوتشات ليقرأها الصائمون ويبتسموا ليردوا قائلين "مصر بخير وكل سنة وانتوا طيبين .

◄ سندوتشات للمسنين
تتلقى "منى" قبل الفطار هاتف يخبرها بأن تعد أطباق لتوفيرها لبعض المسنين، لتقوم على الفور بتجهيز أطباق من الفويل محملة بعدد كبير من الساندوتشات وتصلهم بنفسها للمسنين، تحكى منى "انها لن تتردد ابداً إذا جاء من يخبرها بأن هناك مسنين يحتاجون للإطعام لتخصص لهم سندوتشات خصيصاً خارج العدد الذي تخصصه للمارة.
تحرص «ابنة بورسعيد» على خلق أجواء رمضانية وحالة من البهجة في الشارع تتجاوز مجرد إعطاء الطعام لتؤسس روح المحبة والإخاء والتطوع في شهر رمضان داخل محافظة بور سعيد.

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







