في ملفات من نوع الإيجار القديم، أخطر ما يمكن أن يحدث ليس قرارًا خاطئًا بل انفلات المعنى، أن يتحول نقاش قانوني/اجتماعي شديد الحساسية إلى موجة خوف تقودها الشائعات، فتسبق النتيجةُ القرارَ، ويصبح الناس في حالة هلع قبل أن يقرأوا أصل الموضوع، لذلك كانت رسالة رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي مهمة، ليس لأنها نفت “إلغاء القانون” فحسب، بل لأنها أعادت الملف إلى مكانه الطبيعي: الدولة لا تتعامل مع الإيجار القديم بمنطق الصدمة ولا بمنطق الشائعات، بل بمنطق بيانات وتدرّج وتدابير.
ملف الإيجار القديم ليس مجرد مادة قانونية تُعدَّل، ولا مجرد “خناقة” تقليدية بين مالك ومستأجر، هو واحد من أخطر ملفات العقد الاجتماعي في مصر، لأنه يمسّ ثلاث شرايين في وقت واحد: حق الملكية، وحق السكن، وثقة الناس في الدولة حين تقترب من ملفات حساسة، لذلك حين خرج رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أمس لينفي ما يتردد عن “إلغاء” قانون الإيجار القديم، كان يدافع عن شيء أوسع من نفي شائعة: كان يدافع عن طريقة إدارة الدولة للملف—بالرقم والتدرج والتدبير—لا بالصدمة والفوضى.
هنا يجب أن نبدأ من سؤال بسيط: لماذا تنتشر الشائعة بهذه القوة تحديدًا في ملف الإيجار القديم؟
لأن الملف يحمل خوفين عميقين ومتقابلين:
خوف المستأجر من أن يُطرد من بيت استقر فيه عمرًا، وخوف المالك من أن تظل ملكيته “معلّقة” بلا عدالة اقتصادية، وعندما يجتمع الخوفان، تصبح الشائعة أسرع من الحقيقة؛ لأنها لا تحتاج دليلًا، يكفيها أن تلمس العصب لهذا كان مهمًا أن يتم ربط الرد بمنهج “البيانات الإحصائية الدقيقة” لا بمنطق الطمأنة العامة.
الأرقام التي ذكرها رئيس الوزراء تغلق باب المبالغة من الطرفين، حين يقول إن إجمالي الوحدات أقل من 40 مليون وحدة وفق التعداد السابق، وإن وحدات الإيجار القديم كانت نحو 1.6 مليون وحدة قبل عشر سنوات وهذا الرقم تراجع بصورة كبيرة جدا ،فهو يضع الملف داخل حجمه الواقعي، معنى ذلك أن الإيجار القديم ليس “مصر كلها”، لكنه أيضًا ليس رقما صغيرًا؛ هو كتلة كبيرة بما يكفي لتصنع أزمة إذا أُديرت بعشوائية، وبما يكفي في الوقت نفسه لتكون قابلة للإدارة إذا أُديرت بالمسار الصحيح.
ثم يأتي حديثه عن التعداد الجديد 2027 وتوقع انخفاض كبير في الرقم، هذه النقطة بالذات تضعنا أمام حقيقة يغفلها كثيرون: جزء من الملف يحل نفسه بالفعل عبر الزمن، وفيات، خروج طوعي، اتفاقات ودية، ترك وحدات أي أن الأزمة ليست ثابتة، بل تتآكل تدريجيًا وهذا يغير السؤال من “هل ننسف القانون؟” إلى “كيف نُدير ما تبقى منه بأقل تكلفة اجتماعية؟” لأن النسف الصادم قد يصنع صدامًا أكبر من اللازم في ملف يتراجع طبيعيًا.
الفقرة الأكثر حساسية في حديث رئيس الوزراء، في رأيي، ليست الأرقام الكبيرة بل الرقم الصغير: 70 ألف فقط سجّلوا طلبات لوحدة بديلة رغم تمديد المهلة، هذا الرقم يفتح باب تحليل أعمق من القانون نفسه:
هل يعني ذلك أن شريحة “المتضررين الفعليين” أقل مما تضخمه الشائعة؟ أم يعني أن هناك فجوة ثقة أو فجوة معلومات تجعل من يحتاجون لا يسجلون؟
في الحالتين، نحن أمام مشكلة إدارة لا مشكلة نص فقط، لأن الحكومة قد تضع آلية عادلة، لكن إذا لم تصل الآلية لمن يحتاجها، ستتحول العدالة إلى “كلام على ورق”، وتعود الشائعة لتملأ الفراغ.
وهنا نصل إلى جوهر القضية: الإيجار القديم ليس قضية عدالة طرف واحد، عدالة المالك واضحة: لا يمكن أن تبقى قيمة الإيجار مجمدة لعقود بينما تتغير كل أسعار الحياة، وعدالة المستأجر أيضًا واضحة: لا يمكن دفع الناس إلى الشارع تحت شعار السوق، الدولة إذن لا تملك رفاهية الانحياز الفج لأي طرف؛ لأنها لو فعلت ستكسر الاستقرار الاجتماعي، وستصنع موجة خصومات مجتمعية طويلة لهذا يصبح “التدرج” الذي تحدث عنه دكتور مدبولي (قبل نهاية السبع سنوات) ليس مجرد ترتيب زمني، بل صمام أمان سياسي واجتماعي: يمنح الدولة وقتًا لتوفير البدائل، ويمنح المجتمع وقتًا للتكيف، ويمنح الأطراف وقتًا للاتفاقات الودية، وهي غالبًا أفضل حل لأن “الود” يقلل تكلفة الدولة ويقلل تكلفة الصراع.
لكن التدرج وحده لا يكفي إن لم يكن معه شيء واحد: ضمانات واضحة، الناس لا تخاف من القانون بقدر ما تخاف من “التنفيذ غير العادل” وفي هذا الملف تحديدًا، التنفيذ غير العادل يمكن أن يحدث بأشكال كثيرة: شخص يملك بدائل كثيرة لكنه يطالب بوحدة بديلة، وآخر لا يملك بديلًا لكنه لا يعرف كيف يسجل، أو أسر تترك وحدات مغلقة منذ سنوات بينما آخرون يبحثون عن سكن لذلك نجاح الدولة في هذا الملف يتوقف على قدرتها على بناء معيارين في نفس الوقت: معيار للاستحقاق (من يستحق البديل فعلًا)، ومعيار للشفافية (كيف يطمئن الناس أن المعيار يُطبق على الجميع).
في رأيي، الرسالة الأهم التي حاول رئيس الوزراء تثبيتها هي أن الدولة لن تتحرك في هذا الملف تحت ضغط “الترند” لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تُدار السياسات العامة بمنطق الإشاعة: اليوم شائعة عن الإلغاء، غدًا شائعة عن الطرد، بعده شائعة عن تعويضات فتدخل الدولة في دوامة ردود فعل بدل أن تقود المسار لذلك نفي الشائعة كان ضروريًا ليس فقط لتهدئة الناس، بل لحماية فكرة أن الدولة تُدار بالقرار لا بالهتاف.
نحن أمام ملف لا يحتمل الجمل الكبيرة ولا التحريض ولا التخويف، الإيجار القديم اختبار لقدرة الدولة على أن تصنع عدالة مزدوجة دون أن تكسر المجتمع: تصحيح ظلم تاريخي للمالك، وحماية هشاشة اجتماعية لدى المستأجر، وتوفير بدائل قبل التنفيذ، وإغلاق سوق الشائعات بالبيان والرقم والمسار الواضح وإذا نجحت الدولة في ذلك، ستكون قد نجحت في أصعب شيء: أن تجعل القانون يمرّ كحل لا كصدام.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







