بمجرد أن تطأ قدماك حارة أحمد حسين المتفرعة من شارع الجيش بمنطقة باب الشعرية، يستوقفك مبنى صغير قديم للغاية تعلوه لافتة صغيرة من الرخام مدون عليها «مطعم فاروق الخيري»، قد لا تلفت اليافطة انتباه الكثيرين، ولكن فى واقع الأمر خلف اليافطة قصة عمل خيرى رمضانى تستحق أن تروى.
المطعم افتتحه الملك فاروق (أمير الصعيد وقتها) فى شهر رمضان من عام ١٩٣٢ لتقديم وجبات للفقراء، وإمعانا فى الخير اختار له مجموعة من أمهر الطهاة يترأسهم أحد أفضل طهاة القصر الملكي، وكان الطهاة يتقاضون مرتباتهم من قصر عابدين مباشرة.. ناهيك عن سعادتهم بالمساهمة فى فعل الخير، وكان الملك حريصًا على تعيين طاقم خدمة خاص يتميز بحسن المعاملة للمحتاجين وعدم جرح مشاعرهم.
اقرأ أيضًا | جميع أنواع الطعام بالمجان.. حكاية مطعم الملك فاروق الخيري| صور
ولحفظ ماء الوجه كان المطعم يقدم الوجبات (تشمل الأرز والخضراوات مع الدجاج أو اللحوم) بمبلغ رمزى للمرتادين من أبناء الشعب المصري، غالبا بقرش أو تعريفة وهو مبلغ زهيد جدًا بالنسبة للوجبة حينها، وأحيانا أخرى مجاناً لمن لا يملك المال، وكان يأتى إليه كل صباح الفقراء من كل حدب وصوب للحصول على وجبة ساخنة بأرخص سعر.
كان المطعم يقدم الوجبات الساخنة طوال العام بمختلف أنواعها، ويطبخ وجبات إفطار رمضانية وأحيانا يوزعها على الفقراء فى منازلهم، وفى عام ١٩٤١ نشرت جريدة المصور قصة مصورة عن عائلة قادمة من حى سكنى بسيط منذ وصولهم إلى المطعم فى شهر رمضان الكريم، وهم يتناولون الطعام، وبحسب ما ذكرته المجلة أن الأسرة تناولت الطعام، ثم أخذوا بعض الطعام من اللحوم والأصناف الأخرى معهم للعودة به إلى المنزل.
يقول الباحث الأثرى محمد عبد الحميد رضوان «اهتم المطعم بناء على أوامر الملك، بتقديم أجود الوجبات والطعام للفقراء، وخاصة فى شهر رمضان، وتنوعت الوجبات فيه من اللحوم والفراخ وكلها بالمجان لغير القادرين من المصريين وأبنائهم، كما كان هناك طاقم، تم تعيينه خصيصًا لخدمتهم وتقديم الوجبات لهم بأفضل طريقة.. أما من يستطيع الدفع، فكان يقدم لهم المطعم، الوجبات بأسعار زهيدة، فكانت الفرخة كاملة بالرز والخضراوات والسلطات سعرها تعريفة، وكان لا يخلو من موائد الطعام التى تفرد بطول ساحة المطعم لكل عابر سبيل».
وبعيدًا عن الرواية التى تم تداولها عن سبب قيام الملك فاروق بإنشاء المطعم، فإن أغلب المؤرخين يرجعها إلى لقائه بأحد الفقراء ليلا فى إحدى الليالى الشتوية الباردة أثناء تجوله بسيارته الخاصة بصحبة أحمد حسانين باشا، وعندما تبادل الحديث مع الرجل القروى القادم من إحدى قرى صعيد مصر للقاهرة لقضاء مصالحه، وعلم أنه لم يأكل منذ الصباح حزن الملك لحال الرجل ووضعه، تبادر إلى ذهنه إنشاء مطعم خيرى للفقراء يكون ملاذا لمثل هذا الشخص وغيره من زائرى القاهرة، وخاصة من غير القادرين من أبناء الشعب.
وقبل حوالى عامين زار الملك أحمد فؤاد الثاني اخر ملوك مصر، ابن الملك فاروق، عددًا من المواقع الأثرية والمتاحف فى مصر، وبعض المحافظات، ولم ينس زيارة مطعم والده الخيري.. وحرص على التقاط صورة تذكارية أمام المطعم.
وظل المطعم يعمل حتّى عام ١٩٥٢م، وتم تحويله إلى مقر حكومى للشئون الاجتماعية، ليُستخدَم كمنفذ لصرف المعاشات، وبعدها تم نقل المنفذ إلى مبنى آخر.
ذهب الملك فاروق وذهب الطهاة ورواد المطعم، وبقيت اللافتة شاهدة على المطعم ومؤسسه وطهاته ومرتاديه، وشاهدة على خير كان هنا يوماً.
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







