على مائدة التاريخ : أمين الزاوي في مواجهة سيرفانتيس

أمين الزاوي أثناء حواره مع سيد علي
أمين الزاوي أثناء حواره مع سيد علي


 ليس التاريخ ما حدث فقط، بل ما نتمنى لو أننا سألنا عنه في حينه وفي رمضان، حين يهدأ الزمن قليلًا، تخيّلنا أن نمد مائدة للكلام، لا للأكل، وأن نستدعي من التاريخ من لا يزال صوته حاضرًا في أسئلتنا.

ليس كل كاتب يملك شجاعة استدعاء الكبار إلى طاولة المساءلة بعضهم يكتفي بالإعجاب، وبعضهم يلوذ بالصمت لكن الكاتب الجزائري أمين الزاوي يختار المواجهة.

في هذه الحلقة من «على مائدة التاريخ»، لا يجلس الزاوي إلى ميغيل دي سيرفانتيس بوصفه رمزًا مقدسًا في تاريخ السرد، بل بوصفه كاتبًا يمكن مساءلته: لماذا صمت عن الجزائر؟ ولماذا لم يمنحها روايتها التي تستحق؟ وماذا لو كتب الأندلس كما عاشها؟ وماذا لو اختار مسافة أبعد عن السلطان؟



اقرأ أيضًا | الكينج عالم شعبي تحكمه القوة والمصالح

هنا يتحول بطل دون كيشوت من فارس يحارب طواحين الهواء إلى سؤال أخلاقي عن علاقة المثقف بالسلطة، وعن حدود الحب حين يتقاطع مع الحرب، وعن التاريخ حين يكتبه المنتصرون ويصمت عنه الشهود إنه حوار لا يبحث عن المجاملة، بل عن الحقيقة المؤجلة إلي نص الحوار:

إذا عدت إلى التاريخ، من تختار أن تجلس معه على مائدة واحدة؟

الكاتب ميغيل سرفانتيس (1547-1616) صاحب رواية "دون كيشوت دي لا مانتشا".

لماذا هذه الشخصية تحديدًا؟ وماذا تمثل لك الآن؟

لأنه أبونا جميعًا في فن السرد، فقد جمع في أسلوب حكيه الدهشة المستمدة من تراثات متعددة، من الغرب والأندلس والشرق وتمكن من التوليف بينها في نص بديع لا يشيخ ولا تدمر أسارير وجهه لا الزمن ولا توالي الكتابات.

ما أهم سؤال تريد أن تسأله؟

لماذا لم تفصل الحديث عن الجزائر في روايتك الشهيرة "دون كيشوت" مع أنك بدأت كتابتها في مغارة بأعالي مدينة الجزائر العاصمة وأنت أسير قراصنتها، والتي عشت فيها محنة الحب والسجن والحرب؟

أين أخطأ من وجهة نظرك؟

كنت أتمنى لو أنه كتب رواية عن الأندلس تحت حكم المسلمين العرب والأمازيغ، وهو الذي كان متأثرًا ولو بشكل غير مباشر بآثار هذا الوجود، وهو أيضًا الذي انشغل بالقضية الدينية والعلاقة ما بين المسيحية والإسلام في مسرحيته "محابس الجزائر" « Los baños d’Argel » التي كتبها عن تجربة أسره في الجزائر.

هل كان يمكن أن يختار طريقًا آخر؟

كان يمكن لسرفانتيس أن يكتب أشياء مدهشة عن مدينة الجزائر ووهران التي زارها لاحقًا، لأننا نحتاج إلى نص أدبي قوي من شاهد للتاريخ ومشارك مباشر في صناعته عن الجزائر تحت الاستعمار العثماني. إن خطأ سرفنتيس بالنسبة لي ككاتب جزائري هو أنه كان يمكن أن يغير من خلال كتابة شهادته ويومياته من موقف الجيل الجديد في قراءته لتاريخ الجزائر في العصر العثماني الذي ظل غامضًا.

ما الذي تود أن تعرفه عن ضعفه؛ عن خوفه؛ عن لحظة شكه؟

كان سرفانتيس مغامرًا في الكتابة والأسفار على سنة وعلى طريقة مواطنه كريستوف كولومب، حتى أنه فقد ذراعه في أحد الحروب بالقرب من شواطئ تونس، ومثلما اكتشف كريستوف كولومب أمريكا اكتشف سرفنتيس فن الرواية المعاصرة، لكنه لم يقدم لنا، على الرغم من تلك المغامرة والشجاعة الأدبية والسياسية التي كان يملكها، قراءة لبنية النظام الملكي الإسباني بعد سقوط الأندلس، بإيجابياته وسلبياته، خاصة ما يتصل بحوار الأديان وهو موضوع انشغل به سرفانتيس كثيرًا في مسرحيته "أحباس الجزائر" التي أشرنا إليها سابقًا.

ماذا ستسأله عن عالمنا اليوم؟

أعرف بأن سرفانتيس قد ترك جزءًا من قلبه معلقًا في أعالي مدينة الجزائر العاصمة، ونحن نتقفى آثار حبه لامرأة تدعى حليمة في مسرحيته "أحباس الجزائر" من بنات هذه المدينة التي عاش فيها فترة أسيرًا، لذا أسأله عمَّاذا كان يمكنه أن يكون غير سرفانتيس الروائي الكبير لو أنه ظل في الجزائر، وهل كانت هذه المرأة العشيقة المسلمة أن تُغيِّر من حياته لو أنها سافرت معه إلى إسبانيا بعد الإفراج عنه، وما حدود العلاقة ما بين الحب والحرب؟

ما النصيحة التي قد يأخذها منك؟ وما الفكرة التي سترفضها منه؟

مراتٍ أتساءل: أما كان لك يا سرفانتيس أن تتعلم لغة أهل مدينة الجزائر وتكتب بها، وكان يمكن لك أن تُحدِث بطلك ثورةً في الأدب الجزائري وتواصل ما قام به أبوليوس صاحب "الحمار الذهبي" قبلك بقرون وهو من أبناء هذا البلد؟

وما أريد أن أقوله لسرفانتيس أيضًا: ألا تعتقد يا سرفانتيس بأن الاقتراب من القصر ومن السلطان لا يخدم الأدب؟ لذا أعتقد لو أن سرفنتيس ظل محافظًا على مسافةٍ أكبر بينه وبين القصر لكان قد متع البشرية بنصوص أدبية أخرى أكثر إدهاشًا من كتابه "دون كيشوت".

سؤال واحد خارج السياق، صادم، إنساني، أو أخلاقي؟

كلما قرأت دون كيشوت، أشعر بين الحين ولآخرَ، بإحساس الانزعاج من تبعية المبدع المثقف للسلطان والبحث عن فتات موائده، وهو في ذلك يشبه ابن خلدون.

ماذا سيبقى معك بعد هذا اللقاء؟

الكتابة تتنفس من رئتين: المغامرة، وأن الشجاعة الأدبية نسبية وتاريخية.