كسب الفنان باسم سمرة رهانه مع نفسه، عندما اكتفى خلال الموسم الرمضانى الجاري، بمسلسل «عين سحرية»، ولم يدخل المنافسة بعضلات صوتية أو بانفعالات حادة، بل خاضها بهدوء واثق، كمن يدرك أن المعركة الحقيقية تُحسم فى الداخل لا فى العلن، لذلك لم يكن أداؤه لشخصية «زكى غانم» مجرد دور ناجح، بل حالة تمثيلية متكاملة تضعه فنيًا فى صدارة أفضل ممثلى النصف الأول من رمضان.
سمرة هنا لا يمثل بقدر ما يتقمص، منذ ظهوره الأول، تتبدى شخصية المحامى زكى غانم ككتلة من التناقضات: عقل بارد يحسب خطواته بدقة، وروح مثقلة بصراعات خفية، اللافت أن الممثل لا يشرح هذه التناقضات ولا يصوغها فى جمل مباشرة، بل يتركها تتسلل عبر تفاصيل صغيرة: نظرة تتأخر نصف ثانية، تنهيدة مكتومة، أو صمت يمتد قليلًا أكثر من المعتاد، وهذا ما يمكن تسميته بالأداء الداخلي؛ حيث تتحرك الشخصية أولًا فى منطقة الإحساس، ثم ينعكس ذلك على الجسد، جلسته محسوبة، وطريقته فى الإمساك بالقلم أو الملف مدروسة، وحتى لحظات الصمت تبدو جزءًا أصيلًا من النص، لا حركة زائدة، ولا انفعال مجانيا؛ كل شيء خاضع لاقتصاد تعبيرى صارم.
زكى غانم ليس المحامى النمطي، بل أقرب إلى لاعب شطرنج هادئ يراقب خصمه طويلًا قبل أن يحرك قطعة واحدة. هذه الفكرة انعكست بوضوح على الأداء؛ إذ منح سمرة الشخصية دهاءً باردًا قائمًا على التركيز والصراع الداخلى أكثر من المواجهة الصريحة.
كثير من الممثلين يؤدون أمام الكاميرا، لكن باسم سمرة يؤدى معها، فى اللقطات القريبة يتحول وجهه إلى مساحة سرد كاملة؛ عيناه تحكيان ما لا يقوله الحوار، حين تقترب العدسة لا يهرب منها، بل يتركها تغوص فى تفاصيله، وحين يحتاج إلى خلق غموض يشيح بوجهه فى اللحظة المناسبة، هذه العلاقة الحميمية مع الكاميرا منحت الشخصية عمقًا إضافيًا، وجعلت المشاهد شريكًا فى فك شفراتها.
ومن أهم أسباب تميّز سمرة أنه لا يكرر نفسه، صحيح أن له بصمة واضحة كرجل مأزوم أو غامض، لكن فى «عين سحرية» ثمة مسحة رقة جديدة وهدوء أكثر تأملًا؛ كأننا أمام نسخة أكثر نضجًا من ممثل يعرف تاريخه جيدًا، لكنه لا يركن إليه.
فى هذا العمل، يقدّم باسم سمرة خلاصة خبرة ممتدة، مصقولة بوعى وسيطرة وثقة بالنفس، أداء يعتمد على العمق لا الاستعراض، وعلى الصمت لا الضجيج، وعلى الصدق لا الادعاء، لذلك يمكن القول بثقة إنه لم يقدّم أحد أفضل أدواره فحسب، بل حسم معركة النصف الأول من رمضان فنيًا؛ لأنه ببساطة اختار أن يكون صادقًا، والصدق دائمًا أعلى من أى صوت.

شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»
التعامل مع البنوك بالتليفون ممنوع







