رحيق السطور من «سالومى» إلى «حمالة الحطب»| عندما يتواطأ الجمال والسلطة على قتل الحقيقة

كتاب «حبلٌ من مسَد»
كتاب «حبلٌ من مسَد»


ليست القراءة فى التاريخ استعادةً لأحداثٍ مضت فحسب، بل مواجهة للأسئلة التى تتكرّر كلّما تشابهت النفوس وإن تبدّلت الأزمنة، فى كتاب «حبلٌ من مسَد»، الصادر عن «دار دوّن» للنشر،  تقدّم الكاتبة والمذيعة رولا خرسا، عملًا يتجاوز الحكاية إلى مساءلة جذور الشرّ حين يتحالف الطموح والغيرة والنفوذ ضدّ الحقّ، عن نساء اخترن طريق الأذى؛ فكيف كانت العاقبة؟ من «سالومى» إلى أروى بنت حرب «حمالة الحطب»، يمتدّ السرد من عصور ما قبل الميلاد إلى بدايات البعثة النبوية، كاشفًا كيف يمكن للكلمة ـ كما للسيف ـ أن تكون أداة أذى، وكيف يبقى أثر الحقّ حاضرًا مهما اشتدّت مقاومته.

اقرأ أيضًا| تسريبات «كلينتون»| البرادعي حصان طروادة.. وتوكل كرمان «حمالة الحطب»

يعيد الكتاب قراءة لحظاتٍ مفصلية من التاريخ الإنسانى بوصفها اختباراتٍ أخلاقية، لا مشاهد عابرة، فهو لا يكتفى بعرض الوقائع، بل يفكّك دوافعها ومساراتها، ويُظهر كيف تصنع الاختيارات الفردية نتائجها فى الذاكرة الدينية والإنسانية، من خلال حكايتين، الأولي: يحيى وسالومي، والثانية: حمالة الحطب.

إعادة ترتيب الحقائق

فى الحكاية الأولى ينطلق الكتاب إلى ما قبل الميلاد، متناولًا قصة أسرة نبيّ الله زكريا عليه السلام وزوجته وابنه يحيى عليه السلام، والبيئة السياسية والدينية التى أحاطت ببنى إسرائيل وأسر الحكم فى ذلك الزمن، ومن خلال بحث موثّق من مصادر علمية وتاريخية متعددة، ترصد «رولا خرسا» الأجواء التى سبقت الحدث المركزى فى الحكاية: مقتل النبى يحيى بن زكريا، والدور الذى لعبته سالومى ابنة القصر فى هذه المأساة، مع تحرير للروايات الشائعة من الخرافة والخلط، وإعادة ترتيب الحقائق فى سياقها التاريخى والإنساني، فى هذا المسار، تكشف المؤلفة كيف يمكن للجمال حين يُوظَّف بالدهاء والطموح أن يتحوّل إلى أداة قتل، وكيف يُواجَه الحقّ حين يصطدم بمصالح السلطة.

 أم جميل

فى الحكاية الثانية؛ ينتقل السرد إلى مرحلة ما قبل الهجرة وبدايات البعثة النبوية فى مكة، حيث يتناول قصة أبو لهب عمّ النبى محمد  وزوجته أروى بنت حرب؛ أم جميل «حمّالة الحطب»، كما وردت فى كتب التراث الإسلامي، يستعرض الكتاب ما تعرّض له محمد  والمسلمون الأوائل من أذى وتعذيب، ويُبرز دور أبى لهب وزوجته فى التحريض والعداء، مقابل صور الصبر والثبات، وكيف دافع الله عن نبيّه وصحابته الكرام، وكيف انتهت مصائر أعدائهم ،فى صور مكملة للمشهد الأول حين تتحوّل القرابة والنسب إلى أداة أذى، وحين يُستَخدم اللسان والتحريض الاجتماعى لإشعال الفتن.

فى ختام «حبلٌ من مسَد» تطرح الكاتبة رولا خرسا عدداً من الأسئلة تحت عنوان: لماذا؟ تعقد من خلالها مقارنة بين امرأتين من عالمين مختلفين: هيروديا من الغرب وأم جميل من الشرق. رغم اختلاف البيئة والسياق الديني، تتكشف أوجه التشابه النفسى والسلوكى بين المرأتين: الدهاء، القسوة، الطموح الأعمى، وتوظيف الإنوثة فى التحريض وعداوة الحقّ. فهيروديا، القادمة من بيئة رومانية يهودية متأثرة بالسلطة والمال والمظاهر، حرّكت زوجها هيرودس أنتيباس ودفعت نحو قتل نبى الله يحيى، واستخدمت ابنتها «سالومي» أداةً للضغط والإغواء السياسي، وفى المقابل، عاشت حمالة الحطب فى بيئة قبلية جاهلية تقدّس النسب والسطوة، واستخدمت اللسان والتحريض والسخرية والإيذاء المعنوى والمادى فى مواجهة النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، محرّكةً زوجها فى طريق العداء.

اقرأ أيضًا| الفوز الكبير.. الليلة رغم حمالة الحطب!

كلا النموذجين لم يرفع سيفًا، لكنهما أشعلا نارًا: الأولى قتلت نبيًا بكلمة ورقصة، والثانية آذت نبيًا بالكلمة والتحريض، ومع ذلك، يبقى الحقّ أثره حيًّا، ولو غاب أصحابه، فمن يحاول إطفاء نور الله يسقط قبل أن يطفئه.