فى قلب ولاية فيرجينيا الأمريكية، وعلى بعد آلاف الأميال من شوارع مصر، يسطع نور حكاية مصرية خالصة بطلتها دينا دانيال، سيدة مصرية صعيدية من أسيوط.. قررت أن تحمل «قدرة الفول» من مواقد الوطن إلى أرقى أحياء المهجر، مطعمها الفريد الذى يحمل اسم «قدرة فول» ليس مجرد مكان للطعام، بل هو رائحة ذكريات ودفء هوية، يختلط فيه عبق الفول والتوابل المصرية بألوان جدران تزينها صور أم كلثوم وعبد الحليم ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وزويل وغيرهم، ليصبح أشبه بمتحف ثقافى مصغر يخطف أنظار الأمريكيين قبل أذواقهم.
اقرأ أيضًا | فيديو| رسائل غير مباشرة.. ماذا قال ترامب للجيش الأمريكي في خطابه الأخير؟
مئات الزبائن يقبلون يوميًا على مطعم «قدرة فول»، من عرب يشتاقون لطعم البيت، إلى أمريكيين يبحثون عن تجربة شرقية أصيلة، دينا دانيال لم تكتف بنقل المذاق، بل نقلت الروح، وجعلت من المطعم مساحة يلتقى فيها الشرق بالغرب على مائدة واحدة، ليتحول «قدرة فول» إلى نموذج جديد للدبلوماسية الشعبية، فالطعام ليس مجرد وجبة تنساها فور أن تشبع، بل هو ذاكرة وهوية وحكاية تُروى دون كلمات، هكذا وصل الطعام المصري، بثقله الحضارى ودفئه الإنساني، من قلب القاهرة إلى ولاية فرجينيا الأمريكية، على يدى امرأة آمنت بأن الفول والطعمية قادران على كسر المسافات، وأن المطبخ الشعبى يمكن أن يكون جواز سفر لا تنتهى صلاحيته.
تلك المرأة هى دينا دانيال، صاحبة مطعم Fava Pot قدرة الفول، التى حوّلت وصفات البيت المصرى إلى لغة عالمية، وجعلت من ساندويتش الفول رسالة، ومن رائحة الطعمية السخنة مشروع حياة.
بدأت حكاية دينا دانيال الصعيدية الأصل فى أوائل التسعينيات بالقاهرة حيث أسست شركة تسويق عقاري، ثم خاضت تجربة مختلفة بافتتاح مطعم لبنانى فى مصر الجديدة، وبين إدارة المكان والوقوف فى المطبخ، تعلّمت أسرار المهنة، مستفيدة من خبرة طاهٍ لبنانى عمل معها، ومن دروس أعمق جاءت من مطبخ والديها، حيث كان الطعام يُطهى بالحب قبل النار.
عام ٢٠٠٤، اتخذت دينا القرار الأصعب..الهجرة إلى الولايات المتحدة، لم يكن الطريق مفروشًا بالفرص، بل بالقلق والعمل الشاق، لكن الفكرة ظلت تنضج فى رأسها، لماذا لا يكون للمطبخ المصرى مكانه المستحق فى أمريكا..وبالفعل وفى عام ٢٠١٣، خرج الحلم إلى العلن فى صورة عربة طعام بولاية فرجينيا تحمل اسم «قدرة فول»، كانت دينا تعمل بنفسها يوميًا، من الخامسة صباحًا وحتى التاسعة مساءً، تطهو، وتقدّم، وتشرح للزبائن ما هى حكاية الفول، ولماذا الطعمية ليست مجرد فول مهروس وبصل.
لم تكن العربة مجرد مشروع تجاري، بل اختبارًا للإيمان بالفكرة. ومع الوقت، بدأت الروائح تجذب الفضوليين، ثم العائدين، ثم المخلصين، شيئًا فشيئًا، تحوّل الطعام المصرى من تجربة غريبة إلى عادة محببة.
حين ازدحمت العربة بالزبائن، أدركت دينا أن الوقت قد حان للخطوة التالية، فى يوليو ٢٠١٧، افتتحت أول مطعم ثابت يحمل الاسم نفسه Fava Pot قدرة الفول فى فرجينيا، دون أن تتخلى عن العربة التى كانت شاهد البداية المكان لم يكن فخمًا بقدر ما كان دافئًا. فلسفة دينا كانت واضحة، مطعم يُشعرك أنك دخلت بيتًا مصريًا، لا صالة طعام باردة.
بمجرد دخولك المطعم، تستقبلك صور عباقرة مصر نجيب محفوظ، فاتن حمامة، وعبدالحليم حافظ، ليسوا للزينة فقط، بل لكل صورة حكاية مكتوبة بالإنجليزية، تعريفًا بمن هؤلاء ولماذا يمثلون مصر، هكذا يصبح الطعام بوابة لثقافة كاملة.أما القائمة، فهى احتفال بالمطبخ الشعبى المصري، حيث ضمت مع الفول والطعمية الكشرى والملوخية والحمام والسمان المحشى بالفريك، الكفتة، الكباب، والمكرونة بالبشاميل، أطباق حملت نكهة البيت المصري، فوجدت طريقها إلى قلوب الأمريكيين.
تقول دينا إن الزبائن من الأجانب الذين زاروا مصر من قبل يأتون بحثًا عن الفول والطعمية وكذلك الكشرى الذى يعرفونه ويحنّون إليه.. ومع الوقت، ازدادت شعبية المشويات، خاصة الكباب والكفتة، حتى باتت من أكثر الأطباق طلبًا.
لم يتوقف النجاح عند حدود الزبائن، مطعم «Fava Pot» لفت أنظار الإعلام، وكتبت عنه صحف وتقارير عديدة. كما فاز بجائزة أفضل صاحب مطعم ضمن جوائز RAMMYS، وهى جائزة تُمنح بتصويت الجمهور.
فى رسالة مؤثرة بعد الفوز، اعترفت دينا بأنها كانت تمر بلحظات شك وإرهاق، وأن الجائزة جاءت فى توقيت حاسم، لتؤكد لها أنها على الطريق الصحيح، وتمنحها دفعة جديدة للاستمرار.
اليوم، يتواجد «قدرة فول» فى أكثر من موقع، بينها منطقة دوبونت سيركل فى قلب واشنطن دى سي، مع استمرار تشغيل عربة الطعام، لكن الأهم أن المشروع لم يعد مجرد مطعم مصرى فى أمريكا، بل مساحة للحنين، وجسر ثقافي، ودليل على أن الهوية لا تذوب حين تسافر، بل قد تلمع أكثر.
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







