فى زمن تتضخم فيه جيوب البعض بسرعة، بينما تتقلص إنسانيتهم بنفس السرعة، خرج من قلب كمبوند فاخر مشهد كاشف، كأنه مرآة قاسية تعكس وجوه من ظنوا أن المال يمكن أن يشترى حتى الأخلاق. لم تكن الواقعة مجرد شجار عابر، بل درس قاسٍ فى الفرق بين من يملك المال ومن يملك الإنسانية.
فرد أمن بسيط، يقف على بوابة لا يملك منها سوى شرف العمل، وجد نفسه هدفًا لوابل من الضرب والإهانات على يد أحد ملاك الفيلات. لم تكن مشكلته أنه ضعيف الجسد، بل إنه كان قويًا بما يكفى ليتحمل الإهانة حتى لا يخسر لقمة عيشه. صمت، بينما كان الاعتداء يتحدث بصوت الطبقة التى توهمت أن الثروة تمنحها حق البطش.
انتشرت الواقعة على مواقع التواصل كفضيحة أخلاقية قبل أن تكون فضيحة قانونية. المشهد لم يزعج الناس بسبب الضرب فقط، بل لأنهم رأوا فيه صورة متكررة لنمط جديد من البشر؛ بشر يظنون أن البوابات الحديدية خلفها بشر من درجة أقل.
ألقى القبض على المعتدى وأحيل للتحقيق، لكن محاولات احتواء الفضيحة لم تتوقف. خرج محاميه بعروض مالية لإغراء فرد الأمن بالتنازل عن شكواه، وكأن الكرامة بند يمكن التفاوض عليه، وكأن الألم يمكن شراؤه بسعر السوق، وكأن العدالة مجرد خدمة VIP لمن يملك المال.
لكن المفاجأة جاءت من الشارع نفسه. تعاطف المصريون مع الرجل البسيط، ليس شفقة عليه، بل رفض لهذا النموذج المتغطرس من الثراء. ثم جاءت المبادرة التى حملت رسالة أشد قسوة من أى حكم قضائى؛ ثلاثة من أصحاب محلات الذهب عرض كل منهم مليون جنيه على فرد الأمن، لا ليصمت، بل ليقاوم الإغراء، وليثبت أن الكرامة لا تخضع لأسعار البورصة.
لم يكن المشهد انتصارًا لرجل واحد، بل صفعة اجتماعية فى وجه من يظن أن المال درع يحميه من القانون ومن الناس. فالثروة حين تفقد الأخلاق تتحول إلى أداة قمع، ومحدثو النعمة حين ينسون جذورهم يتحولون إلى عبء على المجتمع قبل أن يكونوا جزءًا منه.
المجتمع المصرى ربما يرهقه الغلاء، وربما تؤلمه التحولات الاقتصادية، لكنه ما زال يرفض أن تتحول البلطجة إلى أسلوب حياة، أو أن تصبح كرامة الفقراء مادة للمساومة. من ظن أن المال يمنحه حصانة من الحساب، اكتشف متأخرًا أن المجتمع نفسه قد يتحول إلى قاضٍ قاسٍ لا يرحم. فالثروة قد تشترى قصرًا، لكنها لن تشترى احترامًا، والإنسان بلا أخلاق، حتى لو كان مليارديرًا، يظل فقيرًا مهما امتلك.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







