لا سيادة لإسرائيل على أرض عربية.. القاهرة تجهض محاولات شرعنة الاحتلال

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


◄ تحرك مصري عاجل يتصدى لمخطط الضم.. ويفضح الانحياز الأمريكي للاحتلال

◄ خبراء: بين قمة واشنطن وتصريحات السفير الأمريكي.. مصر تضبط البوصلة الدولية

بينما يتصاعد التوتر على الأرض الفلسطينية المُحتلة، وتزداد الانتهاكات الإسرائيلية ضد المدنيين فى قطاع غزة، خرجت تصريحات مُثيرة للجدل من مايك هاكابي سفير الولايات المتحدة بإسرائيل، أثارت موجة من الإدانات العربية والدولية، وأعادت طرح تساؤلات مركزية حول التوجهات الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، وحدود الدعم غير المشروط لتل أبيب.

تلك التصريحات، التى تحدثت عن “أحقية إسرائيل في أراضٍ عربية”، لم تقتصر آثارها على رد الفعل المصري فقط، بل امتدت إلى قلب النظام الإقليمي بأسره، لتؤكد مرة أخرى الدور المحوري الذي تلعبه مصر في الدفاع عن الحقوق العربية والإسلامية، وفي السعى لحل الأزمة الفلسطينية ضمن إطار القانون الدولى وقرارات الأمم المتحدة.

وقد تصدر المشهد السياسى والدبلوماسى الدور المصري في التعامل مع تداعيات الأزمة، من خلال مواقف واضحة، وقيادة مُبادرات دولية رائدة، بينها مُشاركة رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى فى الانعقاد الأول لمجلس السلام بواشنطن، والذى شهد ثناء الرئيس الأمريكى دونالد ترامب شخصيًا على الموقف المصرى.

وأدانت مصر بشدة التصريحات المنسوبة للسفير الأمريكى، والتى وردت فى أحد البرامج الحوارية، وأشار فيها لوجود أحقية لإسرائيل فى أراضٍ عربية، واعتبر البيان الرسمى لوزارة الخارجية هذه التصريحات تمثل خروجًا سافرًا على مبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، مؤكدًا أن إسرائيل لا تملك سيادة على الأرض الفلسطينية المُحتلة أو أى أراضٍ عربية أخرى، ورفض محاولات الضم أو فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة.

وفي بيان مشترك أعربت وزارات خارجية كل من: مصر، والسعودية، والأردن، والبحرين، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر، وجمهورية إندونيسيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وتركيا، وسوريا، وفلسطين، والكويت، ولبنان، وعُمان، وأمانات مجلس التعاون لدول الخليج العربى، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامى ـ عن إدانتها الشديدة وقلقها البالغ إزاء التصريحات الصادرة عن السفير الأمريكي، مؤكدة رفض دولها القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التي تُمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المُتحدة، وتُشكل تهديدًا جسيمًا لأمن المنطقة واستقرارها، مُشددة على أنّ هذه التصريحات تتعارض بشكل مُباشر مع الرؤية التى طرحها الرئيس الأمريكى دونالد ترمب، وكذلك مع الخطة الشاملة لإنهاء النزاع فى غزة، والتى تقوم على احتواء التصعيد وتهيئة أفق سياسي لتسوية شاملة تكفل للشعب الفلسطينى إقامة دولته المُستقلة.

◄ اقرأ أيضًا | حماس: القصف المتواصل لقطاع غزة استخفاف بجهود الوسطاء وتجاهل لمجلس

◄ تحولات عميقة

ويرى السياسيون والمحللون أن هذه التصريحات ليستœ أكثر من مُجرد زلة لسان؛ بل انعكاس لتحولات عميقة في المواقف الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وبشكل خاص تجاه القضية الفلسطينية، حيث يُشير المُستشار حسين أبو العطا عضو مجلس الشيوخ رئيس حزب «المصريين» عضو المكتب التنفيذى لتحالف الأحزاب المصرية إلى أن هذه التصريحات ليست حادثة معزولة، بل مؤشر على صراعات أوسع داخل السياسة الأمريكية بين اتجاهات مُتشددة تدعم التوسع الإسرائيلى، وأخرى تؤكد ضرورة احترام القانون الدولى وقرارات الأمم المُتحدة.

مُشيدًا بالبيان الصادر عن مصر، مؤكدًا أن الرد المصرى على السفير الأمريكى لدى إسرائيل جاء ليُعيد وضع النقاط على الحروف فى لحظة إقليمية فارقة، حيث لم تكن الإدانة مجرد رد فعل تقليدى، بل قراءة دقيقة لمخاطر الانزلاق نحو شرعنة الاحتلال عبر تصريحات غير مسئولة. موضحًا أن القاهرة وضعت يدها على مُفارقة صادمة؛ فبينما كان العالم يترقب مخرجات مؤتمر مجلس السلام بواشنطن، وتعهدات الإدارة الأمريكية بإنهاء الحرب عبر النقاط العشرين، جاءت تصريحات السفير هاكابى لتُغرد خارج السرب، مؤكدًا أن هذا الاستغراب المصرى هو رسالة لوم ذكية لواشنطن، تُطالبها بضبط إيقاع مُمثليها وتوحيد خطابها السياسى.

أبو العطا أوضح أن الرد المصرى استند لمرجعية صلبة وهى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولى، وتشديد مصر على عدم وجود سيادة لإسرائيل على الأراضى العربية المُحتلة وهو تذكير بأن الحقوق التاريخية والجغرافية ليست عرضة للمساومة أو التغيير بناءً على هوية السفير القادم أو الإدارة الحاكمة. مؤكدًا أن البيان المصرى حمل موقفًا حاسمًا تجاه قضيتين وجوديتين؛ أولاهما ضم الضفة والذى اعتبرته مصر إنهاءً رسميًا لفرص السلام المتمثلة فى حل الدولتين، والقضية الثانية فصل غزة والذى اعتبرته القاهرة طعنة فى وحدة الكيان الفلسطينى وتهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري.

لطالما كانت مصر فى قلب الجهود الإقليمية والدولية للتعامل مع الملف الفلسطينى، خصوصًا بغزة منذ اندلاع الأزمة الأخيرة، القاهرة لعبت دور الوسيط الأساسى بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، سعيًا لإنهاء القتال وحماية المدنيين، وإيجاد حلول لقضايا مثل تبادل الأسرى وإدخال المساعدات الإنسانية. وخلال مجلس السلام الذى عقد فى واشنطن، شاركت مصر بفعالية، وقدم رئيس الوزراء كلمة مؤثرة أحاطت بضرورة احترام سيادة الدول وضرورة الالتزام بالقرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، وهو ما حظى بإشادة من القادة المشاركين، بمن فيهم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، كما أسهمت مصر بشكل فعال فى دفع آلية عمل دولية لدعم إعادة إعمار غزة وتخفيف المعاناة الإنسانية عن المدنيين فى ظل القصف والانتهاكات المستمرة التى يشهدها القطاع، فى إطار جهود تضامن عربى ودولى.

◄ انتهاك صارخ

وكما يُشير الدكتور أحمد سيد أحمد خبير العلاقات الدولية فإن وجود مصر فى مجلس السلام يمثل أهمية كبيرة فى تحقيق السلام فى المنطقة، ويُسهم فى حل الصراع، وتثبيت وقف إطلاق النار وحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مُستقلة، مُشددًا على أن استمرار الخروقات الإسرائيلية، وكذا التصريحات غير المسئولة يُشكل انتهاكًا صارخًا لسلسلة من قرارات الأمم المتحدة، ويضع المُجتمع الدولى أمام مسئولياته القانونية والأخلاقية، وقال إن تصريحات ترامب تؤكد أن جهود مصر السياسية والإنسانية والأمنية ركيزة أساسية فى منع اتساع دائرة الصراع، والحفاظ على استقرار المنطقة، وتهيئة المناخ لإطلاق مسار إعادة الإعمار.

موضحًا أن الإعلان عن تخصيص مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة يمثل تحولًا نوعيًا من مرحلة احتواء الحرب لمرحلة إعادة البناء، وهو ما يتطلب ضمانات سياسية واضحة تحافظ على حقوق الشعب الفلسطينى، وفى مقدمتها حق تقرير المصير، ورفض أية محاولات لتصفية القضية أو فرض واقع جديد بالقوة، مُضيفًا أن دعم مصر لأى رؤية دولية للسلام يظل مشروطًا بثوابت الدولة المصرية التى تقوم على حل الدولتين، ورفض تهجير الفلسطينيين، والحفاظ على الأمن القومى العربى. مؤكدًا أن القاهرة تتحرك من منطلق مسئوليتها التاريخية، وليس من حسابات ظرفية.

ويصف باسل عادل عضو مجلس الشيوخ  رئيس حزب الوعى تصريحات السفير الأمريكى بأنها تُمثل تجاوزًا واضحًا لمُقتضيات العمل الدبلوماسى وحدوده، مؤكدًا أن منصب السفير لا يمنح صاحبه تفويضًا لإطلاق أطروحات سياسية ذات طابع توسعى تمس سيادة دول وشعوب المنطقة، والسفير الأمريكى لدى إسرائيل تجاوز حجمه ودوره إضافة لحدود وظيفته.

وقال: “ننتظر موقفًا واضحًا ومسئولًا من الإدارة الأمريكية بشأن سفيرها المُشار إليه، وكذا تصرف أمريكى واضح يضع هذه التصريحات فى إطارها الصحيح، ويؤكد الالتزام بالقانون الدولى واحترام استقرار المنطقة”، مُشددًا على أن المزاعم التى استندت لتأويلات دينية وسرديات غير قانونية تتعارض مع ثوابت الشرعية الدولية، وتطعن فى الحقوق التاريخية للشعوب فى تقرير مصيرها، ومن غير المقبول أن يتحول ممثل دبلوماسى لدولة كبرى لمنصة لإعادة صياغة واقع جغرافى وسياسى خارج إطار القانون الدولى أو إرادة الشعوب، موضحًا أن العمل الدبلوماسى يجب أن يكون أداة لتعزيز السلام العادل والمُستدام، القائم على أساس حل الدولتين، واحترام القانون الدولى وقرارات الأمم المُتحدة باعتبارها المرجعية الوحيدة لأى تسوية سياسية عادلة. مُعربًا عن ثقته فى الموقف المصري الراسخ والثابت فى دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى، مؤكدًا أن الحفاظ على استقرار المنطقة يقتضى التزامًا صارمًا بالقانون الدولى وأعراف الدبلوماسية، بعيدًا عن أى أطروحات أيديولوجية أو تفسيرات تُعيد إنتاج الصراع بدلًا من احتوائه. مُختتمًا بأن الطريق نحو السلام لا يُبنى عبر تأويلات سياسية أو دينية، وإنما عبر إرادة سياسية جادة تحترم السيادة والحقوق، وتُعيد الاعتبار للشرعية الدولية كإطار مُنظم للعلاقات بين الدول.

◄ يقظة دبلوماسية

الإدانة المصرية لتصريحات السفير الأمريكى لدى إسرائيل، تعكس يقظة الدبلوماسية المصرية تجاه أى محاولات لتكريس واقع جديد خارج إطار الشرعية الدولية، وهذا الموقف لا يُعبر فقط عن رفض عابر، بل هو خط أحمر يُعيد التأكيد على الثوابت العربية فى مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ المنطقة، بحسب المُهندس إيهاب محمود الأمين العام المُساعد لحزب الجيل الديمقراطى بالإسكندرية، والذى أوضح أن مصر وضعت إصبعها على عطب دبلوماسى واضح؛ فبينما يطرح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب رؤية لإنهاء الصراع عبر النقاط العشرين ومؤتمر مجلس السلام بواشنطن، تخرج تصريحات سفيره لتنسف هذه الجهود، مُشيرًا إلى أن هذا الاستغراب المصري هو رسالة مباشرة لواشنطن بضرورة توحيد الخطاب السياسى وضبط الإيقاع الدبلوماسى بما يتماشى مع التزامات السلام، لافتًا إلى أن البيان المصري استند لميثاق الأمم المُتحدة، مؤكدًا أن الأرض المُحتلة لا تكتسب شرعية بالمزاعم أو بفرض الأمر الواقع، موضحًا أن التشديد على عدم سيادة إسرائيل على الضفة الغربية أو أى أراضٍ عربية أخرى هو تذكير للعالم بأن الحقوق التاريخية والجغرافية لا تسقط بالتقادم أو بتغير الإدارات، منوهًا بأن الموقف المصرى جاء حاسمًا فى رفض سيناريوهين خطرين؛ الأول يتمثل فى محاولة ضم الضفة الغربية، وهو ما يُنهى تمامًا حل الدولتين، والثانى يتمثل فى محاولة فصل غزة عن الضفة، وهو ما تراه القاهرة طعنة فى وحدة الكيان الوطنى الفلسطينى وأمن مصر القومى. مؤكدًا أن صدور البيان عقب يومين فقط من مؤتمر مجلس السلام بواشنطن يعكس سرعة الاستجابة المصرية لإجهاض أى محاولة لتمييع نتائج المؤتمر أو الالتفاف على مسار التهدئة بغزة.