يوميات الأخبار

حكاية «جرينلاند» وأخواتها

د. محمود عطية
د. محمود عطية


«وهذا ما جعل العالم اليوم يعيش حالة من الكراهية والبغض وعدم تقبل الآخر، واللا انسجام مع أصحاب الأديان المختلفة»
 

 لم يكن شراء الأراضى بين الدول أمرا مرفوضا فى زمن مضى، خاصة بين القوى الكبرى، وتوسل الزعماء بهذا الشراء طريقا للمجد والشهرة، وشكل عند بعضهم هوسا، وحلما، وطموحا شخصيا ظنا منهم أنه يخلد اسمهم عبر التاريخ، وفى ذلك الزمان كانت أمريكا هى أكبر مطور عقارى عقد صفقات لشراء أراضى الغير، بينما روسيا وفرنسا والدنمارك شاركت أيضًا فى صفقات مشابهة.

السبت

حلم «جرينلاند»

لكن يبدو أن العالم قد نسى زمن بيع الأراضى للدول المجاورة، ولذلك فوجئ بما راود الرئيس «ترامب» من حلم شراء جزيرة «جرينلاند» طوعا أم كرها، وعزا ذلك إلى خلفية «ترامب» العقارية قبل تولى سُدة الحكم، متناسين أنه لم يكن الأول فى محاولة شراء تلك الجزيرة، فالنظام الأمريكى حاول شراءها عدة مرات منذ القرن التاسع عشر لأهميتها له، ووجود قاعدة «ثول» الجوية الأمريكية منذ الحرب الباردة 1955 فى شمال الجزيرة يعكس أهميتها له، ويسمح امتلاك أمريكا للجزيرة بمراقبة المجال الجوى الروسي، والصينى فى القطب الشمالي، ويُعتقد أن الجزيرة غنية بالمعادن النادرة والطاقة!.

 لكن الجزيرة بقيت تحت سيادة الدنمارك، ومحاولات أمريكا للاستيلاء على الجزيرة لم تهمد، ففى عام 1867 اقترح وزير الخارجية الأمريكى «ويليام سيوارد» شراءها بعد نجاح صفقة شراء «ألاسكا» من روسيا، لكن لم تلفح المحاولة، ثم أعُيد طرح الفكرة عام 1910 فى أروقة السياسة الأمريكية، وفى محاولة ثانية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1946، ونظراً للأهمية العسكرية للجزيرة خلال الحرب الباردة تجدد النقاش للاستيلاء على الجزيرة عام 1955 لكن سُمح بالقاعدة العسكرية، من تلك الخلفية بادر الرئيس «دونالد ترامب» فى ولايته الأولى بإعلان رغبته فى شراء الجزيرة عام 2019، وقد أثار ذلك أزمة دبلوماسية مع الدنمارك، وقد زاد إصرار «ترامب» فى ولايته الثانية وطرح الشراء أو الاستيلاء معتبرا أنها ذات أهمية استراتيجية للنفوذ الأمريكى فى القطب الشمالي. وقد ردت الدنمارك مؤكدة أن جرينلاند «ليست للبيع»، ومما يثير الدهشة أن تكون أمريكا هى القطب الحامى لحلف «الناتو» وتلوح بالاستيلاء العسكرى على الجزيرة مما يهدد بتفكك الحلف، خاصة أن البند الخامس لدستور الحلف ينص على الوقوف الجماعى لأعضاء الحلف أمام أى غزو خارجى لأى دولة من دوله...!!

الإثنين

أكثرهم شراء

 وقديماً ارتبطت حكاية توسيع نفوذ الدول بشراء أراضى الدول المجاورة إذا تعثرت الحرب، وأمريكا تعد سباقة فى ذلك المضمار، وهى أكثر دولة استخدمت هذا الأسلوب لتوسيع أراضيها، ومن صفقاتها الشهيرة عبر تاريخها شراء إقليم «لويزيانا» من فرنسا عام 1803 بمساحة هائلة بلغت أكثر من مليونى كيلومتر مربع، مقابل 15 مليون دولار. هذه الصفقة ضاعفت حجم أمريكا تقريبًا، كما حصلت عام 1819 على «فلوريدا» من إسبانيا بموجب معاهدة «آدامز- أونيس»، لتعزيز سيطرتها على الجنوب الشرقي، وفى عام 1867 اشترت «ألاسكا» من روسيا بمساحة تقارب 1.5 مليون كيلومتر مربع، مقابل 7.2 مليون دولار فقط، وهى صفقة اعتُبرت لاحقًا كنزًا بسبب النفط والذهب، وفى عام 1917 اشترت الولايات جزر «فيرجن» من الدنمارك (سانت توماس، سانت جون، سانت كروا) مقابل 25 مليون دولار ذهبًا، لتعزيز وجودها فى الكاريبي.

 أما روسيا فقد اشترت فى القرن الثامن عشر أراضى من السويد مثل: «إستونيا وليفونيا» وأجزاء من «فنلندا» بموجب معاهدة «نيستاد» عام 1721، مقابل مليونى فضة، حتى فرنسا فقد اشترت مدينة «دونكيرك» من إنجلترا عام 1662 مقابل خمسة ملايين جنيه فرنسي، واشترت فى عام 1733 جزيرة «سانت كروا» من الدنمارك- النرويج مقابل 750 ألف فضة.

هذه الصفقات لم تكن مجرد تبادل أموال مقابل أراضٍ، بل كانت نتيجة ظروف سياسية وعسكرية واقتصادية مُعقدة، وفى معظم الحالات، البائع كان مضطرًا بسبب ضعف أو أزمة، والمشترى كان يستغل الفرصة لتعزيز نفوذه!.

الأربعاء

صفقات خابت

وأضابير التاريخ تحكى لنا قصصاً عن فشل بعض الصفقات فمثلاً « نابليون بونابرت» كان يخطط لاستخدام المستعمرات الفرنسية فى الأمريكيتين لدعم إمبراطوريته، لكن بعد خسائر فرنسا فى «هايتي» وصعوبة الدفاع عن «لويزيانا» قرر بيعها، حتى أمريكا كانت تريد فقط شراء ميناء «نيو أورلينز» لضمان حرية الملاحة فى نهر المسيسيبي، لكن نابليون فاجأهم بعرض بيع كامل الإقليم.

وقبلت فوراً واشنطن ودفعت 15 مليون دولار، وحصلت على مساحة تعادل ثلث الولايات المتحدة الحالية. الصفقة اعتُبرت «أكبر صفقة عقارية فى التاريخ».

وفى عام1867عانت روسيا من أزمة مالية بعد حرب «القرم»، ورأت أن «ألاسكا» بعيدة جدًا وصعب الدفاع عنها أمام بريطانيا، واستغلت ذلك أمريكا وبدأ وزير خارجيتها «ويليام سيوارد» مفاوضات لشرائها، وتم الاتفاق بسرعة مقابل 7.2 مليون دولار، والمثير أن كثيراً من الأمريكيين سخروا من الصفقة وسموها «حماقة سيوارد»، لكن لاحقًا اكتُشف أن «ألاسكا» مليئة بالذهب والنفط والموارد الطبيعية.

الجمعة:

 رسائل نفسية

لم تخلُ عمليات شراء أراضى الدولة المجاورة من رسائل نفسية للعالم لإظهار القوة الاقتصادية والسياسية، ومجرد تقديم عرض شراء يُعتبر رسالة نفسية للبائع وللعالم: «نحن نملك القدرة على التوسع بلا حرب»، كما تمثل الهيبة الوطنية وتعزز الشعور بالفخر القومي، مثلما حدث مع أمريكا بعد صفقة لويزيانا وألاسكا.

لكن بالنسبة للبائع رفض البيع أحيانًا يكون بدافع الحفاظ على الكرامة الوطنية، حتى لو كانت الأرض عبئًا اقتصاديًا، والشعوب التى تعيش فى الأراضى المعروضة للبيع غالبًا تشعر بتهديد نفسي، لأن البيع يعنى فقدان جزء من الهوية والانتماء، ورفض «جرينلاند» لفكرة البيع كان مرتبطًا بالهوية الثقافية للشعب «الجرينلاندي»، وليس فقط بالسيادة الدنماركية. كما أن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل مرتبطة بالذاكرة والتاريخ والدين، ولذلك حتى لو كان العرض مغريًا ماليًا، يُنظر إليه نفسيًا كـ «بيع جزء من الروح الوطنية».

الأحد

النرجسية الدينية

 للأسف يعانى كثير من المنتمين للأديان من النرجسية والتعالى على الآخرين،ومن احتكارهم الحقيقة المطلقة، وهذا ما جعل العالم اليوم يعيش حالة من الكراهية والبغض وعدم تقبل الآخر، واللا انسجام مع أصحاب الأديان المختلفة ، وحالة اللا انسجام أعطت الحق للنرجسى الدينى فى ادانة واستحقار وتقليل من الآخرين، ويصل الأمر فى بعض الأحيان إلى القتل كما حدث مع «أوريجانوس» الذى قتلته الكنيسة القبطية بعدما أشُبع تعذيباً، وكما حدث مع «أرخميدس» التى اضطهدته الوثنية الرومانية وسقراط الذى تجرع السم تنفيذًا للإعدام جراء اتهامه بالكفر بالعقيدة الوثنية اليونانية، وكما حدث مع نجيب محفوظ صاحب نوبل من محاولة قتله من نرجسى دينى، وكذا المفكر فرج فودة، وفى النهاية لا سبيل أمام العالم سوى تقبل الآخر واحترام جميع الأديان دون تفرقة أو استعلاء، ويأتى ذلك عن طريق التربية السليمة بالقدوة، والتعليم الجيد، ووسائل الاتصال المُنزهة عن التدجين وبث النعرات. 

كلمات:

● قالوا للبغل مين أبوك قال الحصان خالي.

● اللى باعك بالفول بيعه بقشره.

● أقبح أنواع الفقر أن يفتقد المرء روح المرح.