قلب وقلم

عبدالهادي عباس يكتب: الذاكرة الصوتية للوطن

عبدالهادي عباس
عبدالهادي عباس


يقولون إن التاريخ يُكتب بالمداد، ويُحفظ فى المجلدات، لكن التاريخ فى مصر له شأن آخر؛ إنه تاريخ يُسمع، ويُرتل، ويُحفر فى وجدان الأمة عبر «حناجر من ذهب»؛ وإذا كانت للوطن ذاكرة بصرية فى مآذنه ومساجده، فإن له ذاكرة صوتية تتجلى فى علاقة مصر الفريدة بالقرآن الكريم، وهى علاقة لم تكن يومًا مجرد أداء؛ بل كانت «سيادة روحية» بسطت مصر بها نفوذها على قلوب العالمين.

تتشابك الأصوات البشرية فى فضاءات الكون الفسيح، وتتناثر الحروف، وتنداح النغمات محمّلة بالأشواق والرسائل فى رحلات وجودية لاختراق القلوب قبل الآذان، فينجح بعضها فى استمالة الأسماع والاستقرار بالوجدان، وينشز الكثير فيضيع فى متاهات الزمن؛ ويبقى الصوت المصرى فريدًا فى بابه، مُخلصًا فى مجاله، ليؤكد رسوخه فى ذاكرة الأذهان ومعارج الأكوان.. ولأن للقرآن الكريم طبقات صوتية مُعجزة، كما يحمل ألفاظًا ومعانى مُعجزة، فإن الطبقات النغمية للقارئ المصرى قد اندمجت مع الأحرف النورانية، لتصنع مشكاة من الجمال الصوتى فى تلاوة القرآن الكريم؛ حيث أسهمت المدارس القرآنية فى التأثير الوجدانى للمسلمين فى كل بقاع الدنيا، وهى الرسالة التى حملها، ولا يزال يحملها «أبناء رفعت».

ربما لأن النية خالصة لوجه الله؛ وربما لأن همَّة وزير الأوقاف تنافس عمامته فى مُطاولة السحاب؛ وربما لأن مصر محروسة بالقرآن الكريم وصدور أبنائها مُستقرّ لآياته، وألسنتهم منذورة لتلهج به آناء الليل وأطراف النهار؛ وربما لكلّ هذه الربمات تبقى مصر سيدة دولة التلاوة القرآنية بلا مُنازع، وستبقى فى هذه المكانة إلى أن يشاء الله.. وقد رأينا كيف أقبل الجمهور العربى والإسلامى على هذا المحتوى الراقى الذى قدّمته وزارة الأوقاف بالتعاون مع «المتحدة» فى برنامج «دولة التلاوة» مما يفتح باب الأمل واسعًا لإعادة إنتاج عظماء الدولة القرآنية المصرية ويُسهم فى بلورة مستقبل يليق بمكانة مصر التليدة بين الأمة الإسلامية. 

تاريخ مصر فى خدمة القرآن الكريم هو قصة حب أبدية، خيوطها من نور، وأصداؤها باقية ما بقى النيل؛ وقد أسهمت تلك الحناجر فى الارتقاء بالوعى القرآنى للأمة الإسلامية كلها، وجعلت من تراب هذا الوطن محرابًا كبيرًا، ومن هوائه صلاة لا تنقطع؛ ومن أفضال الله السَّابغة على مصر أنها تضم بين ترابها ذاكرة متخمة بالأمجاد السالفة التى تفخر بها الأجيال الجديدة؛ ولعل أبرز ما تضمه هذه الذاكرة تلك الأصوات النديّة لكبار القراء والمنشدين الذين شكلوا النواة الأولى للذاكرة السّمعية المصرية التى ضمَّت أصواتًا فريدةً فى بابها، ولم يتم الكشف عن كل مخبوءاتها حتى الآن؛ فلا تزال هذه الذاكرة تحتاج إلى الكثير من الجهد لتخرج إلى النور وتؤرّخ للمراحل الأولى لانبثاق الفنّ الإنشادى المصرى.   

■ ■ ■

يقولون إن التاريخ يُكتب بالمداد، ويُحفظ فى المجلدات، لكن التاريخ فى مصر له شأن آخر؛ إنه تاريخ يُسمع، ويُرتل، ويُحفر فى وجدان الأمة عبر «حناجر من ذهب»؛ وإذا كانت للوطن ذاكرة بصرية فى مآذنه ومساجده، فإن له ذاكرة صوتية تتجلى فى علاقة مصر الفريدة بالقرآن الكريم، وهى علاقة لم تكن يومًا مجرد أداء؛ بل كانت «سيادة روحية» بسطت مصر بها نفوذها على قلوب العالمين.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن يُقال: «نزل القرآن فى الحجاز، وقُرئ فى مصر».. هذه العبارة ليست مجرد مديح؛ بل هى توثيق لظاهرة حضارية، فالمصريون لم يكتفوا بنطق الحروف، بل «مصَّروا» التلاوة، فجاءت نغماتهم صدًى لتدفق النيل، وشموخ الجبال، وصبر الفلاح فى حقله.

منذ عصر الشيخ «أحمد ندا»، الذى وضع حجر الأساس لدولة التلاوة الحديثة، صعودًا إلى «القيثارة» الشيخ محمد رفعت، لم تكن حناجرهم مجرد أصوات؛ كانت «أمنًا قوميًّا روحيًّا»؛ حين كان صوت الشيخ رفعت ينسابُ من المذياع، كان الزمان يتوقف، وكأن مصر فى تلك اللحظة تُعيد تقديم الدستور الإلهى للعالم بلهجةٍ مصريةٍ، فيها من الخشوع ما يُلين القلوب القاسية، ومن القوة ما يزلزل الأركان.

لقد قدَّمت مصر للعالم «خارطة طريق» صوتية للقرآن الكريم، تنوَّعت فيها المدارس وتعددت فيها المشارب: «الحصرى» الذى ضبط ميزان الحروف، فصار مدرسة «السهل الممتنع» والمرجع الأول للأجيال؛ و«محمود علي البنا» الصوت الحنون الخاشع الذى ينساب بهدوءٍ إلى شغاف القلوب فيزيدها خشوعًا؛ و«عبدالباسط عبدالصمد» الذى حلّق بصوته فوق السحاب، فكان سفيرًا نورانيًّا لمصر فوق العادة، يفتح القلوب للإسلام فى الدنيا كلها بجمال صوته قبل جلال هيئته؛ و«المنشاوى» صاحب «الصوت الباكى» الذى أثبت أن التلاوة هى ترجمة للألم الإنسانى حين يلتقى بالوعد الإلهى؛ و«مصطفى إسماعيل» عبقرى النغم الذى طوّع المقامات الموسيقية لخدمة المعنى القرآنى، فكان يقرأ وكأنه يفسِّر القرآن بصوته.

■ ■ ■

الذاكرة الصوتية المصرية لا تزال مخلصة فى خدمة كتاب الله، ولا يُمكن اعتبارها مجرد «تراث قديم»؛ بل هى جزء من القوة الناعمة التى جعلت من «الزى الأزهرى» و«العمامة المصرية» رمزًا للثقة والإتقان؛ وفى كل بيتٍ مسلمٍ فى كل بقاع الدنيا، يرتفع صوت القارئ المصرى ليُعلن أن مصر هى «حارسة الوحى» صوتًا وكتابةً. لقد كانت «إذاعة القرآن الكريم من القاهرة»، التى انطلقت فى الستينيات، هى السد العالى للروح، الذى حمى الهوية من التغريب، وصان الأذن العربية من النشاز.

لقد أسهمت وزارة الأوقاف في بث الوعى بالريادة المصرية في دولة التلاوة التي أسست للذاكرة السمعية للقرآن الكريم، وربطت الأجيال القرآنية ببعضها، وتسعى بقوة لإنبات زهرات قرآنية تقتحم أسماع الدنيا بأصواتها الندية وإحساسها المرهف بالنص القرآني المُعجز؛ ولا تزال جُعبتها ملأى بالمبادرات الثقافية التى سيتم إطلاقها خلال الفترة المقبلة.