شعوان جبارين صوت فلسطين بالمحاكم الجنائية: تحويل أراضينا لـ«أملاك دولة» جريمة حرب

شعوان جبارين رئيس مؤسسة الحق الفلسطيني
شعوان جبارين رئيس مؤسسة الحق الفلسطيني


■ كتبت: سمر صلاح الدين

في ظل تسارع وتيرة الاستيطان وتحويلها من «قضم» تدريجي للأراضي إلى «ضم» ممنهج جاء قرار تحويل مساحات واسعة من الضفة الغربية إلى ما يسمى «أملاك دولة» كأحد أخطر التحولات القانونية والإدارية في تاريخ الصراع، وبينما تطفو على السطح تسريبات تكشف كواليس السجال الإسرائيلي الداخلى حول كيفية شرعنة هذا السطو كان هذا الحوار لـ«آخرساعة» مع شعوان جبارين المحامي الفلسطيني والحقوقي البارز، مدير مؤسسة «الحق» الفلسطينية، عضو اللجنة التنفيذية لهيئة الحقوقيين الدوليين.

الرجل الذي وضعه الاحتلال على قوائم الاستهداف لسنوات، لا لشيء لأنه نجح فى تحويل الوثائق والأوراق الثبوتية إلى صرخات قانونية تدوي في المحكمة الجنائية الدولية، لنفكك معه الأبعاد القانونية لهذه الخطوة، وكيف يمكن للمسارات الدولية أن تتحول من مجرد إدانة ورقية إلى أدوات ملاحقة جنائية حقيقية.

◄ نواجه العدوان بالقانون الدولي.. ونتصدى للاستيطان والضم الممنهج

◄ «الاحتلال» ليس «سيدًا» في إقليم محتَل

◄ السلطة مطالبة بدور وطني لتثبيت الناس.. وبناء منظومة داخلية ذات ثقة

◄ تستخدم إسرائيل مصطلح «أملاك دولة» كغطاء محلي، فهل يوجد من وجهة نظر القانون الدولي أصلا ما يسمى «أملاك دولة» لقوة احتلال في أرض محتلة؟ وكيف يتم تفنيد هذا الادعاء أمام المحاكم الدولية؟

ـ أولا يجب أن نضع الأمور فى إطارها، عند الحديث عن إسرائيل كدولة احتلال.. فى شهر يوليو عام 2024 أعطت محكمة العدل الدولية رأيا استشاريا أمام السؤال الذى كان مطروحا عليها بشأن وضع الأراضى المحتلة وسلوك دولة الاحتلال، فأجابت أن هذا الاحتلال غير قانونى وغير شرعى ويجب على كل الأطراف الثالثة «يعنى كل الدول الأخرى» ألا تساعد هذا الاحتلال بأسرع وقت ممكن.. وقالت هذا الشيء وهى تعلم أنه لا يوجد هناك فى القانون الدولى شيء قطعى اسمه الاحتلال «غير قانونى وغير شرعى»، لكن كانت هذه سابقة وتطويرا للقانون الدولى، معتمدة على هذه الحالة فى فلسطين لأنها تجاوزت ما عرف وتم التعريف فيه فى إطار القانون الإنسانى الدولى تحديدا فى اتفاقية جنيف الرابعة، ولوائح لاهاى التى تحكم قوة الاحتلال فى الأرض المحتلة.. وقوة الاحتلال هى ليست سيدة فى إقليم محتل.. هى إدارة مؤقتة ويجب أن تنتهى وسوف يكون هناك يوم للانتهاء.. لذلك ليس لدولة الاحتلال أن تتعامل كأنها دولة سيد، فليس لها سيادة مطلقة وهذه مسألة أساسية. الأمر الآخر هذه الأرض هى أرض الشعب الفلسطينى وأرض دولة فلسطين سواء كان المسمى «أراضى دولة أو هذه للمصلحة العامة أو مؤسسات عامة أو غيره».. هذه للشعب الفلسطينى. والاحتلال فقط مسموح له بالتصرف فى حالتين، الأولى إذا ارتبط الأمر بالأمن وتصرفت قوات الاحتلال فى الإقليم المحتل بشكل لا لبس فيه أن الموضوع واضح وصريح وليس لأغراض سياسية وإنما لغايات ما يسمى «عسكرية أو أمنية فى هذا الجانب».. الثانية وهى الأهم فى الموضوع وهى الأساس مصلحة الشعب والسكان المدنيين تحت الاحتلال «وهو ما يسمى بالسكان المحميين»، فعندما يذكر الفلسطينيون فنحن السكان المحميون وليس «المستوطنين». المستوطنون وجودهم يشكل جريمة حرب، لذلك الحالة هنا مهمة جدا للتفريق.. فالاحتلال بمعيار القانون الدولى الإنسانى والقانون الدولى العام غير شرعى وغير قانونى، وكل ما يقوم به ليس له أساس قانونى مطلق.. أكثر من ذلك، ما يقوم به يرتب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.. لذلك لا يوجد ما يسمى «أملاك دولة أو أملاك شخصية» هذه أملاك الشعب الفلسطينى، فدولة الاحتلال ليست دولة سيد ولن تكون بمفهوم القانون الدولى، كذلك لا يوجد إمكانية للادعاء لقوة الاحتلال أن يريد ويرغب فى السيطرة على الأراضى لمنع الفلسطينيين بالانتفاع بها أو الاستفادة منها، لذلك ما يحدث هو توسيع للاستيطان والاستعمار وبالتالى هو تعميق وتوسيع لجريمة حرب.. الأمر الآخر ما يحدث هو لحظر ومنع ممارسة الشعب الفلسطينى الحق فى تقرير المصير فى فلسطين، وبالتالى هذا مساس آخر ودرب آخر فى موضوع ميثاق الأمم المتحدة.. وهذا حق أساسى وبالتالى الحيلولة دون ممارسته هى تشكل جريمة دولية وترتب على الجميع اتخاذ إجراءات بشأنها.

◄ كُشف مؤخرا عن تسريبات وتسجيلات لمسئولين إسرائيليين مثل «سموتريتش» تتحدث عن تغيير الحمض النووى «للإدارة في الضفة». بصفتكم خبيرا قانونيا، كيف يمكن توظيف هذه «الاعترافات المسجلة» كدليل على نية ارتكاب جريمة حرب «الضم الفعلى» أمام المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية؟

الإسرائيليون يعلنون بشكل يومى جهارا نهارا لا يخجلون ولا يقلقون من إعلاناتهم. ما يقام اليوم فى الضفة هو ورشة ضخمة جدا يشارك فيها آلاف المعدات من حفارات وجرافات وغيرها لتوسيع بنية تحتية لا تخدم الفلسطينيين وإنما لغايات خدمة المستعمرين فى الأرض الفلسطينية، نتحدث اليوم عن عشرات الآلاف من الدونمات تصادر لغايات فتح وشق طرق واسعة جدا وأنفاق تغير جغرافيا المكان بشكل كلى ويقولون بشكل صريح إنه للحيلولة دون إقامة دولة فلسطينية ومنع ممارسة الشعب الفلسطينى أى شكل من أشكال حق تقرير مصيره.. وهذه التسريبات تشكل إدانة، لذلك «لن أخوض كثيرا فى هذه النقطة» لكن أقول هناك ما هو قادم بشأن هذه الشخصيات وبشأن ملاحقتها وإصدار مذكرات توقيف بحقها.. وقد يسأل السؤال عن أى مذكرات توقيف تحدث وإمكانية تنفيذها واحترامها وهو ما يضعنا أمام عجز المؤسسة الدوليـــة وعجــز موضــوع التنفــيذ والتطــبيق وغــياب الإرادة السياسية لدى الدول «الأطراف الثالثة».. لكن أقول انتظروا وليس ببعيد.. وباعتقادى وتقديرى «ولا يوجد لدىّ معلومات» أن الأمر سيتجاوز حدود هذه الشخصيات كوزراء أو غيرهم.. سيتجاوز لجميع من يشارك فى مثل هذه الأعمال غير القانونية.. سيأتى يوم وباعتقادى ليس ببعيد..

◄ هل تتجاوز المسئولية هنا الحكومة الإسرائيلية ككيان، لتصل الملاحقة للموظفين والمهندسين والمديرين المدنيين الذين ينفذون قرارات تحويل الأراضى؟ وكيف تعمل مؤسسة «الحق» على بناء ملفات فردية لهؤلاء؟

ـ مؤسسة «الحق» ومؤسسات حقوقية أخرى تقوم بكل ما تستطيع القيام به فى تقديم المعلومات وترتيب الملفات ولا يقتصر الأمر على المحكمة الجنائية الدولية الذى يقع الأمر والجرائم المرتكبة فى إطار اختصاصها ولكن سيتجاوزها إلى تفعيل القضاء العالمى فى هذا الجانب، تحديدا قضاء الدول «الأطراف الثالثة» التى لها اختصاص بموجب توقيعها على اتفاقية جنيف وارتكاب جرائم الحرب مثل هذه المسائل للعديد من الدول لها اختصاص عليها، ويمكن أن ترفع قضايا أمام محاكم وطنية وسنرى.. نعم الأمر يتجاوز حدود الرسميين كوزراء وغيرهم كذلك هناك فى مجالس المستوطنات يقف أشخاص على رأسها لهم دور في هذه الجرائم فى الاستيلاء على الأراضى وفي موضوع التهويد وتوسيع المستوطنات والبنية التحتية المتعلقة بالاستيطان.. المحكمة العليا في إسرائيل كانت دائما تتهرب وتقول «هذا موضوع سياسي» موضوع «الاستيطان»، وكانوا يختبئون خلف اتفاقيات أوسلو التى أرجأت إلى أجل غير مسمى ما يسمى بـ«قضايا الحل النهائى» ومنها موضوع الاستيطان والموارد الطبيعية والقدس وغيرها.. فكانوا يتحججون ويهربون ولكن هذا غير قانونى.. واتفاقية أوسلو لا تشكل أى حق للمستعمر بالاحتلال فى فلسطين نهائيا، حتى وإن كانت هناك نصوص فالفلسطينيون وقعوا بفخ بل أفخاخ مختلفة، لكن بحسب القانون الدولى الأمر كان واضحا تماما.. وما قالته المحكمة الجنائية الدولية في إطار مداولاتها ورأيها الواضح أن اتفاقية أوسلو ليست قواعد قانونية دولية ملزمة وحاكمة.. ما يحكم هو القواعد الآمرة وقواعد القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة وقواعده بعدم استخدام القوة للاستيلاء على أراضى الغير. كل هذه المعايير هى الحكم.. ولننتظر ماذا ستقرره المحكمة الجنائية الدولية فى هذا الشأن عندما تكون هناك دفعات أخرى من مذكرات التوقيف..

◄ ما هو مصير آلاف العائلات الفلسطينية التي تعيش الآن على أراض أصبحت فجأة «أملاك دولة».. هل نحن أمام موجة تهجير قسري «قانوني»؟

ـ هذا الموضوع ليس بقوة قانون عادل ولا بقوة قانون دولى، يقوم الاحتلال بنزع ملكية أراضى دولة والسيطرة عليها، وكما قلت سواء أعلنوها أراضى دولة أو أى مسمى آخر هو لا يشكل نهائيا حقا، أما بموجب قانونهم هؤلاء مجموعة من اللصوص ومستعمرون لا يقيمون وزنا لا لقيم إنسانية ولا قيم قانونية بشكل كامل.. الهدف الأساسى الذى يسعى إليه الاحتلال هو تفريغ الأرض من سكانها، لذلك هذا الاحتلال يختلف عن كل أنواع الاحتلال فى العالم وكل أنواع أنظمة الأبرتهايد والفصل العنصرى، هذه الطبيعة الاستعمارية التى تستهدف الناس وجودا، والتى تحول دون الإنسان والأرض، هذه مسألة غير مسبوقة فى أشكال الاستعمار القديم والحديث.

◄ هل ما زال حل الدولتين ممكنا من الناحية الجغرافية بعد هذه المصادرات؟ أم أن الخريطة انتهت فعليا؟

ـ حل الدولتين منذ زمن شبه انتهى على أرض الواقع، لكن بالمعنى السياسى والنظرى يمكن أن يكون واقعا، إذا فرضت العقوبات على دولة الاحتلال بكل المعانى سواء أكاديميا وسياسيا ودبلوماسيا وعسكريا أيضا بعدم تزويد الاحتلال والمتاجرة معه سواء بالمعدات العسكرية من طائرات وغيره.. المسألة الآن كيف نحول هذا الاستعمار إلى جسم خاسر لأنه ما زال رابحا على الأرض وعلى الموارد الطبيعية وعلى كل شيء.. الملاحقة مسألة مهمة، وعى الناس على مستوى العالم مسألة مهمة وقد حصلت.. شعبنا سيبقى لكن ستزداد معاناته بشكل كبير وهناك خوف وخطر على الجيل الجديد الذى يعانى البطالة وغياب المشاركة فى الحياة العامة، يعاني الحصار والقتل وعدم السماح بحرية الحركة، كل هذه عوامل طاردة وتدفع بالفلسطينيين إلى خارج بلدهم، الفلسطيني اليوم يتحمل أكثر مما تتحمله البشرية، هو باقٍ ويفضل الموت على أرضه أكثر من أن يغادر، لا كل هذه المصطلحات لا تفى بما هو مطلوب.. إضافة لأطماع هذا الاستعمار الأيديولوجية على مستوى المنطقة وهو ما يصرح به ويقوله صراحة..