«سند المواطن» أداة تمويلية جديدة تعمق ثقافة الادخار ..استثمار آمن

أداة تمويلية جديدة تعمق ثقافة الادخار
أداة تمويلية جديدة تعمق ثقافة الادخار


 «سند المواطن» أداة ادخارية جديدة موجهة حصرياً للأفراد أطلقتها وزارة المالية وتُتيح للمرة الأولى المشاركة المباشرة فى تمويل الموازنة العامة للدولة بعيداً عن الوسيط المصرفى التقليدى فى خطوة تُعيد رسم ملامح العلاقة بين الدولة والمواطن وذلك عبر شبكة البريد المصري هذا السند ليس مجرد وعاء ادخارى بعائد شهرى ثابت لمدة 18 شهراً فقط، بل هو تحول هيكلى فى فلسفة إدارة تمويل  الدين العام، إذ تنتقل الدولة من نموذج الاقتراض المؤسسى المركّز على المؤسسات المالية والبنوك، إلى نموذج التمويل الشعبى الذى يُشرك ملايين المدخرين، ويستهدف مدخرات خاملة ظلت تاريخياً خارج الجهاز المصرفى ليتحول المواطن من مراقب للمشهد الاقتصادى إلى ممول وشريك فاعل فى صناعة القرار الاقتصادي.



اقرأ أيضًا | الضرائب تطلق حملة إعلانية للحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية

د. أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، أشار إلى أن الدولة تطرح أداة تمويلية جديدة بعيدا عن القطاع المصرفى وهى «سند المواطن» كأداة تمويلية موجهة مباشرة للأفراد، فى خطوة تبدو للوهلة الأولى امتداد لأدوات الدين الحكومية التقليدية، لكنها فى الحقيقة تحمل أبعاد أعمق تتجاوز مجرد الاقتراض.

وأضاف أن الدولة تعتمد تقليديا على أذون وسندات الخزانة التى تطرح عبر مزادات ينظمها البنك المركزي، وتشارك فيها البنوك والمؤسسات المالية بوصفها الممول الرئيسى لعجز الموازنة أما «سند المواطن»، فهو موجه مباشرة إلى الأفراد، ويستهدف شريحة صغار المدخرين، بحد أدنى منخفض وإجراءات مبسطة وهنا يكمن الفارق الجوهري.

وأوضح شوقى أننا لا نتحدث عن أداة دين جديدة فحسب، بل عن توسيع قاعدة حملة الدين العام لتشمل المواطنين بشكل مباشر، بدلا من اقتصارها على القطاع المصرفى والمؤسسات بمعنى أدق، هو انتقال جزئى من دين بين الحكومة والبنوك إلى دين تشاركى بين الدولة والمواطن بهدف  تنويع مصادر تمويل الموازنة وتقليل درجة الاعتماد على البنوك كممول شبه حصرى للدين المحلي.

وأكد أن «سند المواطن» يأتى ليلبى طلبات العديد من المواطنين واستفساراتهم عن أذون الخزانة لما توفره من عائد مرتفع مع استمرار انخفاض أسعار الفائدة منذ العام الماضى و لتقليل الوقت بالنسبة للمتعاملين فى الاستثمار فى أدوات الدين الحكومية ذات العائد المرتفع والتى تأخذ وقت  وإجراءات عمل مع البنوك  أطول بالنسبة لهؤلاء الأفراد.

3 أهداف

 وفيما يخص طرح سند المواطن عبر الهيئة القومية للبريد، أوضح شوقى أن اختيار البريد لم يكن مجرد إجراء فقط، بل يحمل دلالة استراتيجية  فالبريد يمتلك شبكة انتشار واسعة تصل إلى القرى والمناطق الأقل تغطية مصرفيا، كما يتمتع بدرجة ثقة مرتفعة لدى شريحة من المواطنين الذين قد لا يتعاملون مع البنوك بشكل منتظم وهو ما يعمق  ثقافة الادخار والاستثمار فى أدوات سيادية آمنة، ومنح المواطن فرصة المشاركة المباشرة فى تمويل الدولة بعائد واضح ومنظم.

 واستكمل شوقى أن الطرح عبر البريد يحقق ثلاثة أهداف أولها الوصول إلى مدخرات خارج الجهاز المصرفى وتوسيع وزيادة نسبة الشمول المالى وخفض نسبة الاقتصاد المظلم أو الخفي، بالإضافة إلى تخفيف الضغوط التمويلية على البنوك المحلية من خلال توزيع مخاطر الدين العام على قاعدة أوسع، بما يعزز الاستقرار المالى ويقلل من مخاطر التركز.

تحول هيكلي

من جانبه، أوضح د. محمد علاء الدين، خبير اقتصادي، أن طرح سند المواطن لا يمثل مجرد وسيلة لجمع السيولة، بل هو تحول هيكلى فى فلسفة إدارة الدين العام ومشاركة المواطن فى العوائد السيادية بآلية «التجزئة» يقوم على توسيع قاعدة الدائنين وتعزيز مشاركة المواطن فى تمويل التنمية مقارنة بأدوات الدين الحكومية التقليدية (أذون وسندات الخزانة)  والتى تتركز السندات التقليدية فى حوزة المؤسسات المالية والبنوك بمدد طويلة وتتطلب إجراءات اكتتاب  (Retail Bonds) معقدة.

وأضاف علاء الدين أن سند المواطن مصمم للأفراد بمدة متوسطة تبلغ 18 شهراً، مع ميزة تنافسية تتمثل فى صرف العائد بشكل شهرى ثابت يتناسب مع طبيعة مدخرات الأسر  هذا التوجه يكسر حواجز الدخول للأسواق المالية، ويمنح المدخر الصغير فرصة الاستثمار فى وعاء سيادى آمن تماماً وبأعلى درجات الموثوقية عبر توفير عائد شهرى ثابت ومجزى ليتحول السند إلى أداة لمواجهة أعباء التضخم، مما يجعلها سياسة مالية ذات أثر اجتماعى ملموس ويعزز الثقة فى الأدوات المالية الحكومية.

ثقة تاريخية

وأكد علاء الدين أن اختيار الهيئة القومية للبريد كمنصة حصرية لهذا الطرح هو قرار اقتصادى استراتيجى بامتياز، فالبريد يمتلك القاعدة الأكبر من «الثقة التاريخية» لدى صغار المدخرين، بالإضافة إلى شبكة فروع جغرافية تتجاوز 4500 فرع، مما يضمن وصول الأداة الاستثمارية للقرى والنجوع و هذا الاختيار يحقق مستهدفات الشمول المالى الفعلي، عبر دمج شرائح مجتمعية كانت تاريخياً بعيدة عن سوق الأوراق المالية الحكومية بما يحول الادخار غير الرسمى إلى تمويل منظم ومنتج.

 وحول مستهدفات الطرح أشار علاء الدين الى أن «سند المواطن» يهدف إلى جذب المدخرات «الخاملة» خارج القطاع المصرفي، مما يساهم فى سحب السيولة الزائدة وتوجيهها إلى أوعية سيادية والسيطرة على التضخم بأسلوب أدوات السوق المفتوحة كما تسعى الدولة لتقليل الاعتماد على الاقتراض المؤسسى المركز، والتوجه نحو «التمويل الشعبي» بهدف تقليل الاعتماد النسبى على التمويل الخارجى وتقلباته.