بالشمع الأحمر

سحر الأرض وأصحابها

إيهاب الحضرى
إيهاب الحضرى


عندما يكون الواقع حاضراً بقوة، يتحول الخيال إلى مناورة غير مأمونة، لأن المقارنة لن تكون غالباً لصالحه، خاصة أن جرعات الألم التى نتابعها عبر الشاشات، ستظل أقوى من أية محاولة لتجسيدها درامياً من هذا المنطلق لم أتحمّس لمشاهدة «صحاب الأرض»، وفضّلتُ أن أكسر حدة الوجع الحقيقى بمسلسل كوميدى، لكننى استسلمتُ أمام ضغط ابنى وشاهدت الحلقة الأولى، لأتأكد من جديد أن الأحكام سابقة التجهيز آفة تلازمنا.

تابعتُ الحلقات الأولى على مستويين، الأول: تسلسل أحداثٍ يقدم رؤية درامية لمجازر دامية، تعاملنا مع ضحاياها باعتبارهم مجرد أرقام، أما المستوى الثانى فركّز على متابعة ردود فعل زوجتى وابنى، اللذين انتفضا مع كل انفجار أو قصف، وكأننا نعيش فى غزة المنكوبة، بعد أن ظللنا نتابع أخبارها عبر نشرات أخبار جافة، وتقارير مراسلين لا تنقل لنا أحاسيس الألم، رغم الجهد الكبير الذى يبذلونه وسط تهديدات قد تسلب أرواحهم.

من هنا تحديداً تنبع قيمة الدراما، لأن صنّاعها لو أخلصوا، فسوف يتمكنون من خدمة أية قضية، بتأثير يفوق بكثير مفعول مئات الحقائق المجردة، وهذا ما نجح فيه مسلسل «صحاب الأرض»، وجعلونا نشعر أننا نعيش بالفعل وسط أرضٍ يصارع أبناؤها من أجل البقاء وحق الحياة، رغم أن كل المؤشرات تنتصر للموت والدمار.

لم يكن هذا النجاح هو الوحيد، فهناك إنجاز أكبر، تمثّل فى تساؤلات طرحها ابنى عن القطاع والضفة والصراع الأزلى مع العدو، وهى أسئلة امتدت إلى الكثيرين من أبناء جيله، مما يعنى أن الدراما أيقظت وعى شباب نظنهم منعزلين عن الأحداث الكبرى، والمهم أن ذلك تحقق دون اللجوء إلى خطابيات تهدد المسلسل بالسقوط فى فخ المباشرة، وربما يكون ذلك هو السبب فى انجذاب الجيل الجديد إليه، لأن التوعية المباشرة فقدت صلاحيتها لدى أبنائه.

الحكم على أى عمل درامى من حلقاته الأولى أمر صعب، غير أن ما تحقق حتى الآن على مستويى الدراما وتحفيز الذاكرة يثير الإعجاب، فشكراً لصنّاعه الذين نقلوا لنا سحر الأرض وأصحابها، وأحرزوا انتصاراً جديداً فى معركة الوعى.