يوميات الأخبار

ريشة ومحبرة

د. محمد أبوالفضل بدران
د. محمد أبوالفضل بدران


 أهدانى الصديق الدكتور يوسف حميتو العالم والمفكر المغربى المجدّد فى حقول المعرفة والدراسات الاسلامية- أهدانى ريشةً ومحبرة لأنه يعرف أنى لا أكتب إلا بأقلام الحبر ولا أستطيع الكتابة بأقلام الجاف المنتشر عالميا اليوم، ولا أدرى كيف يكتبون به؛ لأن سِنّه مدوّر بينما الريشة وقلم الحبر مشطوف سِنّهما ولذا يتحكم الكاتب فى تجويد الحروف وترقيقها وتفخيمها وهذا ما لا يستطيعه مُمسِك قلم الجاف حيث تدور يده كيفما تدور دائرة سِنّ القلم الذى يتحكّم فى صاحبه وليس العكس؛ وقد عادت بى الذاكرة للمرحلة الأولى الابتدائية حيث كنا نكتب بالريشة وأمامنا محبرة حُفِر لها ثقب فى المناضد «التختة» توضع فيه ونغمس الريشة فى المحبرة لنكتب بها فى كراساتنا ونجوّد الخط فى كراس الخط حيث نتدرّب على خطوط النسخ والرقعة والثلث والديوانى وغيرها.. ولا أدرى لماذا اختفت حصة الخط فى المدارس؛ من الريشة والمحبرة بدأ عشقى للخطوط ولأقلام الحبر، وكم يفرحنى أصدقائى بأقلام الحبر هدايا لي، فقد أحضر ابن عمى الأستاذ سعيد على عتمان قلم حبر من اليمن عندما كان مُبتَعثا للتدريس بها، ولا أنسى عندما ودّعنى أستاذى الألمانى البروفيسور اشتيفان فيلد وقد أقام لى حفل توديع بمنزله فى بون وفاجأنى بقلم حبر جميل نفيس من شركة كبرى أرى أقلامها فى توقيع الرؤساء للمعاهدات والاتفاقيات الدولية الكبرى، وقد حفر اسمى على القلم المُهْدَى منه، كما أن ابن اختى د. مصطفى بدران عندما كان فى مهمة علمية باليابان عاد ومعه هدية قلم حبر أزرق بديع ذكرنى بقلم أستاذنا الدكتور الطاهر مكى الذى كان لا يستخدم إلا أقلام حبر، قبل يومين أهدانى العلَّامة المجتهد الشيخ الدكتور محنّد مشنان المفكر الجزائرى المرموق قلم حبر رأيتُه بَرَكةً منه فله كل الشكر والمحبة، وبالأمس كنتُ فى محل يبيع أقلام الحبر وجدتُ شركة عالمية متخصصة فى الأقلام تبيع شكلا جديدا لقلم حبرعليه نقوش مصرية قديمة وكأنه قلم توت عنخ آمون وبسعر باهظ وتساءلت: لماذا لم نقُم نحن بذلك، فالكتابة الهيروغليفية والحروف العربية بها من الفنون والجمال ما يزيّن الأقلام والقلوب؟ فشكرا لأخى الدكتور يوسف حميتو على المحبرة والريشة التى أكتب بها هذه اليوميات.    

رمضان العُوَيْضات

كان أبى -رحمه الله تعالى- يصوم ثلاثة أشهر متواليات (رجب وشعبان ورمضان) هذا بجانب يومين أسبوعيا فيما تبقى من شهور العام، وكنا نشفق عليه ونلحّ عليه أن يفطر أياما فى شهريْ رجب وشعبان لكنه لم يكن يستجيب لنا، ويُقنعنا أنه لا يرى مشقة فى هذا الأمر وأن الله يعينه على تحمّل ذلك؛ وقد حذَتْ حذوَه أُختاى الكُبريان عطيات وسعاد فقد استمرَّتا فى صيام الشهور الثلاثة حتى وفاتهما رضوان الله عليهما.. كان رمضان يأتى أحيانا فى أشد الشهور حرارة، ولا كهرباء فى القرية آنئذ ومن ثَم فلا مراوح كهربائية ولا تكييفات، لكنه يشعر بالرضا والطمأنينة ولم أره يشكو أبدا. وكنا نذهب إلى صلاة التراويح على أذان الشيخ خليل أَبْ جلال رحمه الله الذى كان يبدع أشعارا وابتهالات وتوحيشًا ويرتجل ما يأتى على خاطره من أبيات فوق المئذنة المظلمة التى يتسلقها وهو يتمتم بأسماء الله الحسنى، وكان عمنا الشيخ عبدالحليم الطاهر يؤمُّنا فى صلاة التراويح بمسجد العويضات بمركز قفط بمحافظة قنا ويقرأ القرآن الكريم فى خشوع وإتقان وفهم وكأنه يفسره من خلال صوته وجمال مقاماته، كنا نصلى التراويح عشرين ركعة، وعندما ظهر التخفيف إلى ثمانى ركعات فى بعض المساجد الأخرى ظلت عشرين ركعة بمسجد العويضات والمسجد العمرى بقفط ومساجد القرى حولنا، وبعد التراويح نذهب إلى مجلس الخلوتية لنقرأ القرآن والأدعية والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم وننشد منظومة الإمام الدردير فى أسماء الله الحسنى ونذْكر الله تعالى على أصوات المنشدين مُرددين أشعار ابن الفارض وابن عربى والسهروردى والحلّاج والبرعي؛ هذه الأجواء الرمضانية أتذكرها كل عام وأحنُّ إليها، كيف انطبعت فى ذاكرة الطفل الذى كُنتُهُ وجعلتنى أحنّ إلى زمان رمضان القُرى، وعندما أرى شبابنا يشكون من طول النهار فى رمضان وهم جالسون فى التكييفات أتذكر كيف كان أبى يصوم الشهور الثلاثة.. نعم،  هم رجال وأى رجال!

كيف يبدأ محافظ قنا؟

غادر الدكتور خالد عبدالحليم محافظ قنا السابق منصبه بعدما اجتهد فله كل الشكر والتقدير، وجاء اللواء مصطفى الببلاوى محافظا جديدا لقنا ويحتاج أى مسئول إلى وقت كى يفهم أوليات عمله، سيواجه من المشكلات ما يحتاج إلى تدخل سريع ومؤجّل، ولا شك أن الطرق بها حوْج سريع إلى إصلاح وترميم وازدواج ولا سيما طريق قنا/الأقصر، شرق النيل وغربه، وأما طريق قفط/ القصير فلا ينتظر حتى الغد، وتكفى الأرواح التى تُزهق على أسفلت وحُفَر هذه الطرق؛ ولديك جامعة قنا بأساتذتها فى جميع التخصصات فهى بيت خبرة فانهل منها؛ كما أن المستشفيات فى حاجة إلى كوادر وإمكانات وكَم من العيادات الصحية الحكومية مغلقة لعدم وجود أطباء بها، كما أن استقبال المرضى اليومى الموزَّع على المستشفى العام فى أربعة أيام ومستشفى الجامعة فى ثلاثة أيام أخرى أسبوعيا جعل المواطن فى حيرة، هل هذا يوم المستشفى العام أو الجامعي؟، وهو نظام غريب مُحيّر؛ فالمستشفيات الجامعية لم تُنشأ لهذا وإنما لتُحَال إليها الحالات الحرِجة التى تتطلب أساتذة متخصصين، ولذا فتقسيمُ الأيام بين المستشفيين مُربِك، وينبغى أن يتوقف وأن يعود الاستقبال إلى المستشفى العام بينما تعالج الحالات الكبرى بالمستشفى الجامعى، وهذا التقسيم فرضته حالة كورونا التى انقشعت ولله الحمد؛ ويضاف إلى هذه الأولويات ضرورة توظيف شباب المحافظة فى مشروعات المثلث الذهبى حيث انتشرت البطالة بين الشباب؛ كما أن من الواجب شُكر وزارة الداخلية على جهودهم للقضاء على تُجار المخدرات ولاسيما الشابو الذى قضى على شبابنا ودمَّرَ أُسرا كاملة، وهذا الجهد لا ينبغى أن  تقوم به وزارة الداخلية وحدها بل تتضافر جهود وزارات التربية والتعليم العالى والشباب والثقافة وغيرها فى مواجهة هذه الظواهر الدخيلة على مصر؛ وعلى المجتمع أن يقف بدوره فى مواجهة هذه العصابات، وقد رأينا كيف استُشهِد عدد من رجال الشرطة البواسل فى حربهم ضد المخدرات؛ فيا محافظ قنا المحترم هذه بعض مطالب المحافظة ولك أن تتخيل أن قرى لا تصل إليها المياه الصالحة للشرب وأن مشروعات الصرف الصحى والغاز لم تصل إلى معظمها.. لا تقرأ الاحصائيات وانزل بقدميك دون مواكب حتى تواكب الأحداث عن قرب، وأثق بأن نائبك المحترم المجتهد الدكتور حازم عمر سيكون صادقا فى عرض مشكلات المحافظة التى اجتهد محافظوها السابقون فى تطويرها ولا سيما  اللواء صفوت شاكر واللواء عادل لبيب واللواء مجدى أيوب واللواء عبدالحميد الهجان، ولن أحدثك عن نظافة الشوارع ولا عن معاناة المواطنين فى بعض المصالح الحكومية فهذه أمور ستكتشفها بنفسك وكلنا أمل فى تطوير هذه المحافظة التى عانت كثيرا. وتذكّر قول جرير:
إِنّى لَآمُلُ مِنكَ خَيرًا عاجِلا
 وَالنَّفسُ مُولَعَةٌ بِحُبِّ العاجِلِ
الحَكَوَاتى وليد السيسى
ضابط شرطة سابق نجح فيما فشلت فيه معظم قنواتنا الإعلامية، وأعاد لنا دور (الحكواتي) الذى يحكى فلا تملّ من سرده المبدع عن أيامه الخوالى بالشرطة وعلى الحملات التى قام بها لمحاربة الجريمة، لديه ذاكرة قوية وخيال مبدع وطريقة حَكْى آسِرة للقلوب، وتنغيم صوتى يشدّك لمتابعته، ووقفات ولوازم سرد وكأنه خرج من كتب التراث ليعيد لنا الأمالى التراثية والحكّائين العظام، وكأنه يروى سيرة شعبية جديدة، حبَّذا لو أفردَتْ له قناة تلفزيونية برنامجا أسبوعيا حتى يصل إلى الشباب الذين لا يشاهدون وسائل التواصل الاجتماعي، قد يقال إنه لواء بوزارة الداخلية ويريد أن يُجَمِّل صورتها بين الناس ولِمَ لا؟ ألا يقول ويسرد وقائع شارك فيها وخاطر بحياته فيها؟ ألا يستحق هؤلاء الأبطال أن يحكوا مآثرهم؟ بعضهم يُستشهد فى مأمورية لا نعرف تفاصيلها إلا بعد استشهاده؟ هؤلاء بشرٌ منا ولديهم أولاد وأُسر، قد يخطئ بعضُهم وهذا وارِد لكنَّ لجانًا منهم تتابع المنحرف وتؤدبه تأديبا مُوجِعا.. أعود إلى اللواء الحكواتى وآمل من الوزارات الأخرى أن تتعلم منه كى تصل إلى الناس بسهولة ويُسر وتشويق.. احكِ يا وليد السيسى ولا تحذف أسماء المجرمين، ورسائلك وصلت؛ ولو أن ما تقوله لم يفد سوى فى تنبيه الشباب إلى خطر المخدرات والأسلحة والبلطجة لكفى. شكرا أيها الأديب الحكواتى.
فى النهايات تتجلى البدايات
قال الإمام أحمد الدردير:
تباركتَ يا الله ربِّى لكَ الثَّنــــا
فحمدًا لِمَولانا وشُكرًا لِرَبِّنا
بأسمائِكَ الحُسنى وأسـرارِها الَّتي
أقمتَ بِها الأكوانَ مِن حَضرةِ الفَنا