ماذا قد يحدث إن لم نُحكم السيطرة؟
يتساءل العالم فى حيرة وهو يتابع التطور المتسارع، ولا أبالغ إذا قلت المخيف، للذكاء الاصطناعى؛ قوة صاعدة، مذهلة، مبهرة، لكنها محاطة بهالة من الغموض تثير القلق والتوجس.
نحن أمام ثورة علمية لا تُعيد تشكيل القدرات التكنولوجية فحسب، بل وهو الأخطر تُعيد تعريف معنى الدولة، وحدود السيادة، ومفهوم الشرعية، بل وطبيعة الإدراك الإنسانى ذاته.
يعترف الحائز على جائزة نوبل جيفرى هينتون، الذى تطلق عليه أوساط عديدة لقب «عراب الذكاء الاصطناعى»، بأنه فى وقت ما خلال السنوات الخمس إلى العشرين القادمة، ستُصنع أنظمة ذكاء اصطناعى أذكى من البشر، وربما ستصبح أذكى بكثير منهم، ونحن لا نفهم تمامًا كيف تصل هذه النماذج إلى قراراتها، فالعلم أسرع من الفهم.
هذا الاعتراف ينبئ عن خطر متصاعد مع زيادة الاعتماد على هذه الأنظمة وتطورها وخروجها عن السيطرة، والأخطر وقوعها فى أيدى تنظيمات إرهابية تسعى للتدمير والسيطرة.
السباق المحموم نحو الذكاء الاصطناعى الشامل تقوده شركات عابرة للحدود، بينما التنظيم يسير بخطى أبطأ، حتى إن سام ألتمان، رئيس شركة OpenAI، مالكة البرنامج الأشهر ChatGPT، أقر بضرورة وضع أطر تنظيمية عالمية، لكن الواقع يكشف فجوة واضحة بين الابتكار والتنظيم، وعبر هذه الفجوة تتسلل المخاطر على الدول، مثل ظهور حملات التضليل مدعومة بالذكاء الاصطناعى، والتزييف العميق القادر على تقويض الثقة العامة فى الدولة واستهداف مؤسساتها الحيوية بخوارزميات خبيثة. والحديث هنا ليس عن دولة بعينها، ولكن خطر تتشارك فيه كل الدول، وذلك التنظيم دور أصيل للأمم المتحدة، لكنها تتحرك فيه ببطء شديد ووهن أشد.
على الجانب الآخر، بدأت تظهر شركات عسكرية على تطوير أنظمة قتالية ذاتية بالذكاء الاصطناعى تعزز الردع وتقلل الخسائر البشرية، وهو أمر لا غبار عليه، لكن هل يمكن الثقة فى تأمين آلة صماء بلا عقل إذا ما تم اختراق أنظمتها وتضليلها ببيانات مزيفة؟ وهل هناك ما يضمن ألا نرى سيناريو فيلم هاريسون فورد الشهير Blade Runner حينما يسيطر فى النهاية الروبوت على البشر؟
هذه ليست نبوءات تشاؤمية، بل تحذير استباقى لمعضلة السيطرة، وسؤال معلق فى أروقة علمية عديدة تتساءل عن حدود السيادة الرقمية فى عالم تتطور فيه أدوات تكنولوجية خارج سيطرة الدولة، بل وقد تمثل فى أوقات كثيرة خطرًا عليها. فكيف ستتعامل أى دولة إذا ما فقدت السيطرة على خوارزمياتها، أو اعتمدت على بنى تحتية رقمية خارج حدودها؟ وأتصور أن السيادة فى عصر البيانات لا تقل أبدًا عن سيادة الدولة على حدودها الجغرافية.
الحرب الحديثة لم تعد فقط صراع إرادات، بل صراع خوارزميات. تخيل مقطعًا مزيفًا لقائد سياسى، بيانًا ملفقًا، أو حملة تضليل موجهة تُحدث ارتباكًا واسعًا، خاصة فى لحظات التحول والإصلاح. خاصة فى عصر تتشكل فيه القناعات عبر الشاشات، يصبح الدفاع عن الحقيقة دفاعًا عن الأمن القومى.
والردع فى هذه الحالة لا يتطلب سلاحًا تقليديًا، بل منظومة ذكاء اصطناعى محمية من الاختراق.
إذا كان الخطر عابرًا للحدود، فإن المواجهة يجب أن تكون مؤسسية ومنظمة. مركز قومى للذكاء الاصطناعى والسيادة الرقمية، فالخطر على الأبواب، والتطورات فى هذا المجال مخيفة لأبعد الحدود. وأتصور أن الدولة المصرية منتبهة ويقظة للخطر، واهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسى بمبادرة مثل «رواد رقميون»، وتكليف الأكاديمية العسكرية المصرية بها، دليل على اهتمام القيادة السياسية بمسألة الذكاء الاصطناعى وإعداد جيل جديد محترف يتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعى، والاعتماد على الكفاءات المصرية فى التعامل مع تطوراته وتطوير نماذج وطنية يمكن الاعتماد عليها فى التصدى لخطر النماذج العابرة للحدود.
وأتصور أنه من المهم البحث عن أطر مؤسسية مصرية تتعامل مع هذا التطور بشكل منظم، ولذلك أقترح على الحكومة والسادة نواب مجلس النواب اقتراحًا بإنشاء مركز وطنى للذكاء الاصطناعى تكون مهمته تقييم المخاطر الاستراتيجية للذكاء الاصطناعى، واختبار واعتماد الأنظمة قبل استخدامها حكوميًا، وتطوير نماذج وطنية آمنة، وتدريب الموظفين الحكوميين عليها، ويتضمن هيكله وحدة متخصصة لكشف التزييف العميق تكون مهمتها الكشف السريع والإعلان عنه، فالموضوع فى جوهره البحث عن السيادة الرقمية وردع ذلك التطور المخيف الذى يحذر صانعوه يوميًا من توحشه وخروجه عن السيطرة.
على الجانب الآخر، يمكن تطوير الجهاز الإدارى للدولة المصرية عبر توظيف الذكاء الاصطناعى بوصفه أداة لإعادة هندسة الأداء المؤسسى، عبر بناء منظومات تحليل بيانات مركزية قادرة على قراءة مؤشرات الأداء الحكومى لحظيًا، وربط قواعد البيانات الحكومية فى إطار تكاملى يمنع الازدواجية ويحد من الهدر. كما يمكن اعتماد خوارزميات التنبؤ لتحسين إدارة الموارد، سواء فى مجالات الدعم الاجتماعى، أو توزيع الخدمات الصحية والتعليمية، وتوجيه الإنفاق وفق احتياجات فعلية لا تقديرات بيروقراطية جامدة.
وفى مستوى ثانٍ، يسهم الذكاء الاصطناعى فى تبسيط الإجراءات عبر أتمتة المعاملات الحكومية، وإطلاق مساعدين رقميين لخدمة المواطنين على مدار الساعة، بما يقلل زمن الحصول على الخدمة ويغلق منافذ الفساد الإدارى المرتبط بالاحتكاك المباشر. أما فى المجال الرقابى، فيمكن تطوير أنظمة ذكية لرصد أنماط الفساد أو التعثر المالى مبكرًا، استنادًا إلى تحليل البيانات الضخمة واكتشاف الشذوذ الإحصائى، بما يحول الرقابة من فعل لاحق إلى آلية استباقية، ويرتبط نجاح هذا المسار بتأسيس بنية تشريعية تحمى البيانات الشخصية، وبناء كوادر بشرية قادرة على إدارة النظم الذكية لا الخضوع لها.
الذكاء الاصطناعى ليس شرًا مطلقًا ولا خيرًا خالصًا، ونحن أمام قوة تاريخية كبرى، شبيهة بالثورات الصناعية، لكنها تختلف عنها فى أمر جوهرى: أنها المرة الأولى التى يصنع فيها الإنسان كيانًا قد يتفوق عليه ذكاءً.
وفى تقديرى، أن الدول التى تتعامل مع الذكاء الاصطناعى باعتباره مجرد أداة تقنية ستفاجأ يومًا بأنه أصبح مهددًا ومصدرًا مستدامًا للقلق والتوتر.
أما الدول التى تُحسن القراءة، وتبنى مؤسساتها، وتحصّن سيادتها الرقمية، فستحول هذه الثورة من مصدر قلق إلى أداة استقرار.

نوال مصطفى تكتب: صباح الأحد
التغيير للأفضل
المركز الطبى العالمى







