د. سعيد سّلام يكتب: السياسة العنصرية وعقيدة الإبادة

د. سعيد سّلام
د. سعيد سّلام


■ بقلم: د. سعيد سّلام - مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية

 

◄ الاستباحة الاستئصالية لجسد الضحية و"الفاشية البيولوجية" في المنظومة الصهيونية

 

إن القراءة المتأنية في بنية الكيانات الاستعمارية، لا سيما تلك التي تتأسس على عقيدة "الإحلال الاستيطاني"، تكشف عن وجه شديد القتامة يتجاوز حدود السيطرة الجغرافية والمادية، ليصل إلى استباحة الجسد البشري في أعمق تجلياته، محولاً إياه إلى مجرد مادة خام قابلة للاستغلال لخدمة سردية التفوق التكنولوجي والعلمي المزعوم، حيث يتجلى هذا المنطق الاستئصالي بوضوح صارخ في ملف ما يسمى "بنك الجلود" لدى سلطات الاحتلال، والذي لا يمثل مجرد واقعة عابرة، بل هو تجسيد منهجي لما يمكن وصفه بـ "الفاشية البيولوجية" في المنظومة الصهيونية، تلك التي تمارس "الاستباحة الكلية" ضد الإنسان الفلسطيني، مما يطرح إشكاليات أخلاقية وسياسية واستراتيجية عميقة لا يمكن القفز فوقها تحت مسميات التنوير، فالمسألة هنا تلامس جوهر الصراع الوجودي، حيث يتحول الجسد المستعمَر إلى ساحة حرب تُنتزع منها الحياة والكرامة، في سياق أوسع لـ "عقيدة الإبادة" التي تمنح كيان الاحتلال سلطة مطلقة على حياة وموت "الآخر" واستباحة رفاته وتحويله إلى أداة للمساومة، مما يؤكد أننا أمام نموذج لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يمتد ليمتلك الجسد والروح والتاريخ معاً.

 

وتشير المعطيات الموثقة، ومنها ما أوردته عالمة الأنثروبولوجيا الإسرائيلية "مئيرة فايس" في مؤلفها "على جثثهم"، إلى أن المخزون الهائل من الجلود البشرية، والذي يُعد الأكبر عالمياً، لم يكن نتاج ثقافة تبرع طوعية، بل كان ثمرة لعمليات نزع ممنهجة لأعضاء وجلود الأسرى والشهداء، وهو ما يكرس مفهوم "الاستباحة الاستئصالية" لجسد الضحية كجزء لا يتجزأ من الاستراتيجية الحيوية للكيان. وقد تعززت هذه الحقائق باعترافات الدكتور "يهودا هيس" حول نزع القرنيات والجلود والعظام دون موافقة ذوي الشهداء، واصفاً تلك الممارسات بأنها كانت "غير رسمية" لكنها اتسمت بالمنهجية.

 

وقد تعمقت هذه الفظائع بشكل مروع في سياق حرب الإبادة الجماعية الأخيرة على قطاع غزة، حيث وثقت الهيئات الدولية لحقوق الإنسان قيام جيش الاحتلال بمصادرة عشرات الجثامين ونبش المقابر الجماعية، في حين أفاد أطباء ميدانيون بوجود شواهد سريرية مقلقة على سرقة أعضاء حيوية، وهو ما يمثل ذروة السياسة العنصرية التي تلغي حرمة الجسد الفلسطيني، خاصة مع استمرار احتجاز الجثامين وتجميدها، وصولاً إلى استخدام "مقابر الأرقام" السرية لدفن الرفات المشوه بعيداً عن الرقابة.

 

إن محاولة تسويق هذا النموذج كواجهة للحداثة والمدنية تعكس خللاً بنيوياً في فهم طبيعة الصراع الاستراتيجي، حيث يتم عزل العلم عن سياقه الأخلاقي ليصبح أداة لتبييض وجه الاحتلال. فمن يمتدح "بنك الجلود" إنما يمارس نوعاً من السقوط المعرفي الذي يضعه في خندق المدافعين عن أبشع الممارسات الاستعمارية، فالذاكرة الاستراتيجية تستحضر هنا تجارب الاستعمار الأوروبي التي كانت تتخذ من جسد المستعمَر مختبراً لتجارب "السادة" تحت غطاء العلم الزائف. واليوم نرى تكراراً لهذا النمط في المعتقلات السرية مثل "المعتقل 1391"، الذي يمثل ثقباً أسود يغيب فيه الإنسان ليخضع لتعذيب يؤسس لـ "الاستباحة الاستئصالية".

 

وقد أشارت تحقيقات دولية رصينة إلى أن الكيان يمثل مركزاً رئيسياً للتجارة غير القانونية بالأعضاء البشرية، حيث يُستغل الجسد الفلسطيني في مختبرات الجامعات لأغراض التدريب، وهو ما ينسجم مع عقيدة الكيان التي تحاول تحويل أجساد المقاومين إلى "قطع غيار" في منظومته الطبية، مما يعكس تغلغل الفاشية البيولوجية في مفاصل الدولة العبرية.

 

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الوعي الذي يربط بين الوقائع الميدانية والخطاب السياسي، فالدفاع عن هذه الجرائم تحت لافتة "العلم" هو خيانة للعقل، إذ لا يمكن للتنوير أن يقوم على أنقاض كرامة الإنسان، وسيبقى "بنك الجلود" وصمة عار وجودية، تؤكدها الشهادات الحديثة بعد أكتوبر 2023 التي أظهرت جثثاً تحمل آثار تعذيب وحشي، مما يعزز فرضية الاستباحة الكلية وتحويل الإنسان إلى "مورد بيولوجي" ضمن "عقيدة الإبادة" التي لا تنتهي بالقتل، بل تمتد لاستباحة الرفات كعقاب جماعي.

 

فالمحتل يمد سلطته إلى الأموات محولاً احتجاز الجثامين إلى ممارسة لـ "السيادة المطلقة" التي تجرد الفلسطيني من حقه في الموت بكرامة، ليكون الجسد الفلسطيني في الفكر الصهيوني "جسداً مستباحاً" يمكن استنزافه لخدمة "الجسد القومي" المتفوق، وهي رؤية استعلائية تشرعن تبييض السرقة تحت مسمى "البحث العلمي" ضمن ممارسات السياسة العنصرية التي تفرق بين قيمة جسد وأخر بناءً على الهوية العرقية والدينية.

 

وختامًا، يبرز "عنف الرفات" كأداة للردع الاستراتيجي وخلق حالة من "الفقد المعلق" لدى العائلات، في إطار تعذيب نفسي جماعي يسعى لكسر الحاضنة الشعبية، مما يعكس تحول الجسد إلى "رهينة" في عقيدة قتالية باتت تعجز عن حسم المعارك عسكرياً فتلجأ للانتقام من الرفات. تتكامل هذه الممارسات مع حملة "الهسبارا" العلمية التي تروج للكيان كمركز للتقدم الطبي، متناسية أن هذا التقدم يرتكز على الاستخراج الاستعماري للأعضاء.

 

إن استباحة الجسد في معتقلات الاحتلال تمثل "مناطق استثناء" قانوني يختفي فيها الإنسان ليتحول إلى مادة خام، مما يؤكد انتقال الكيان من مرحلة الاحتلال التقليدي إلى مرحلة الإبادة الشاملة المدفوعة بـ "الفاشية البيولوجية".

 

فنحن أمام "دولة جنائزية" تعيش على استنزاف حياة وموت الآخر، مما يجعل الصراع معها صراعاً وجودياً يتجاوز السياسة إلى جوهر الكرامة البشرية، ويفرض على الضمير العالمي مسؤولية تاريخية لوقف هذه الممارسات التي تتجاوز كل حدود الإنسانية والقانون الدولي والقيم الأخلاقية العليا.