لن أفاجأ إذا ظهر الجزء الثالث من مذكرات السيد أحمد أبو الغيط عن سنوات عمله كأمين عام للجامعة العربية، فى الأشهر القليلة المقبلة، ليستكمل بها شهادته على تاريخ عاشه، بدأه دبلوماسيًا صغيرًا، أول يونيو ١٩٦٥، حتى الآن.
مَن يكتب التاريخ؟ سؤال يحتاج إلى إجابة، خاصة أنه يتعلق بذاكرة الأمم والشعوب، والحفاظ عليها لأجيال قادمة، لم تعش تلك الأحداث وهذه الوقائع.
وقد يفسر هذا أهمية كتابة السير الذاتية للقادة وكبار المسئولين، حيث كانت البداية- كما تشير العديد من التقارير- مع القديس سانت أوغسطس، الذى خصصها لتأثير الدين فى حياته، ثم تطورت مع جان جاك روسو صاحب الكتاب الأشهر «اعترافات»، ودخل القادة السياسيون على الخط، فهم صناع أو شهود على أحداث مهمة ووقائع حقيقية، شكلت جزءًا من التاريخ، بشرط الالتزام بالموضوعية والدقة والصدق، دون انحياز لجهة أو الدفاع عن شخص، وقد يكون ذلك وراء اهتمامى الشخصى، بمضمون مذكرات وزراء الخارجية فى مصر، وكلهم كتبوا مذكراتهم، من الدكتور محمود فوزى حتى أحمد أبو الغيط، الأول وضعها فى كتاب حرب السويس، والأخير استفاض فجاءت فى جزءين مهمين، الأول (شاهد على الحرب والسلام) والثانى (شهادتى، السياسة الخارجية المصرية من ٢٠٠٤ إلى ٢٠١١) وهما معًا مزيج من محاولة للتأريخ وطرح الرؤية الشخصية، مرورًا بمذكرات محمود رياض (البحث عن السلام والصراع فى الشرق الأوسط من عام ١٩٤٨- ١٩٧٨) وكذلك الدكتور عصمت عبدالمجيد (زمن الانكسار والانتصار.. مذكرات دبلوماسى عربى عن أحداث مصرية وعربية ودولية عن نصف قرن من التحولات الكبرى)، واهتم الدكتور نبيل العربى بدوره التاريخى فى عودة حق مصر فى طابا، وكذلك مساهمته التى لم تكتمل فى مباحثات كامب ديفيد فحملت مذكراته اسم (طابا.. كامب ديفيد الجدار العازل صراع الدبلوماسية من مجلس الأمن إلى المحكمة الدولية) وهناك المذكرات الأشهر (كتابية) للسيد عمرو موسى، وأثارت مذكرات محمد إبراهيم كامل (السلام الضائع فى كامب ديفيد) الجدل حول حقيقة ما جرى، وعلى دربها جاءت (مذكرات التفاوض فى الشرق الأوسط) والتى قدم فيها الوزير إسماعيل فهمى رؤيته للأحداث، حيث تم تعيينه فى نهاية شهر أكتوبر من عام ١٩٧٣ حتى زيارة الرئيس السادات للقدس، وأظن أن الفرصة ما زالت متاحة أمام الوزيرين سامح شكرى ونبيل فهمى، أمد الله فى عمرهما، ويظل الاستثناء بين وزراء الخارجية، هم محمد حسن الزيات وأحمد ماهر السيد، والأخير كان عزوفه، سببًا قويًا لحرص أبو الغيط على إخراج كتابيه، وهو ما صرح به أكثر من مرة، بعد أن تزاملًا معًا فى بداية حياتهما فى مكتب محمد حافظ إسماعيل، مع إشادة منه بقدراته الدبلوماسية والسياسية.
شاهد على العصر
وأتوقف فى هذه اليوميات، عند مذكرات أحمد أبو الغيط ، خاصة أننى شاركت فى العديد من المناسبات، التى أقيمت للحوار حولها، آخرها ندوته على هامش فعاليات معرض الكتاب الأخير الشهر الماضى، ومن قبلها دعيت لاحتفال الجامعة العربية فى أكتوبر الماضى، بترجمة كتابيه إلى ثمانى لغات: الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية والإيطالية والروسية والصينية والرومانية، كما سبق أن تحاورت معه بشكل مطول حولها فى أكتوبر عام ٢٠٢٣، بمناسبة مرور نصف قرن على الانتصار العظيم، وقمت بنشره فى (الأخبار)، حيث كشف لى بعض الجديد عن تلك المرحلة العظيمة من تاريخ مصر، ورد بعنف على الذين هاجموا الرئيس السادات بوصف أكتوبر بأنها حرب (تحريك) وليس (تحرير)، وقال يومها مشيرًا إلى الأستاذ محمد حسنين هيكل، (أنا من المعجبين به وتأثرت بكتاباته)، وأضاف (للأسف الشديد كان هناك خلط بين العداء الشخصى والنظرة والحكم الموضوعى على وقائع التاريخ)، واعتبر ذلك الحديث سفسطة ممجوجة لا معنى لها أو التوقف عندها وافتقادًا للرؤية الصائبة لتوازن القوى على الصعيدين الإقليمى والدولى، وتحدث بشكل مطول عن رسائل كسينجر المباشرة وغير المباشرة، والتى ساهمت فى حسم قرار الحرب، بعد حديثه عن أنه ليس لديه وقت يضيعه، على أزمة تمثل جثة هامدة صعب العمل على إحيائها من جديد، خاصة أن مصر ترفض دفع ثمن هزيمة يونيو ١٩٦٧، كما ربط بين الماضى والحاضر، عندما وصف الجيش بأنه (نواة الدولة الصلب وحصن مصر المنيع).. ويعود ذلك إلى أنه نشأ فى بيت عسكرى، فوالده اللواء طيار على أبو الغيط، كما كانت بداية حياته المهنية فى مكتب مستشار الأمن القومى المصرى الأشهر محمد حافظ إسماعيل، والتى مثلت بوتقة وتجميعًا للمعلومات الواردة من القيادة العامة للقوات المسلحة، وبقية مؤسسات الدولة منها وزارة الخارجية.
معلومات موثقة
ولعل أهمية كتابى أحمد أبو الغيط، أنهما نجحا فى وضع القارئ كما لو كان داخل الفيلّا الخاصة التى تم تخصيصها لمكتب مستشار الأمن القومى، لتكون قريبة من القصور الرئيسية فى مصر الجديدة والقبة، لتتابع تفاصيل الاتصالات التى تتم على مدار الساعة، فالعمل لا ينقطع مع كل مؤسسات الدولة ووزاراتها خاصة الدفاع والخارجية وإعداد التقارير والبرقيات التى سيتم إرسالها إلى مكتب الرئيس الراحل السادات، كما حرص على إضافة نوع من السرد الإنسانى الذى يميل إليه القراء، لاحظ ما جاء فى كتابه «شهادتى» طريقة معرفته بتعيينه وزيرًا للخارجية، فى التاسع من يوليو ٢٠٠٤، وكيف بكت زوجته السيدة ليلى، من تبعات التكليف الجديد، والمسئولية العظيمة التى ستأخذ من استقرار حياتهما ورغبتهما فى الاستقرار، كما تكشف المذكرات البعد عن الذاتية أو الشخصنة، أو الدفاع عن النفس، بل خرجت برصد موثق لأحداث مرت بها مصر، اعتمد فيها على تسجيل الأحداث، فى مفكرة صغيرة لا تفارقه، نجح خلالها فى تقديم سرد مفصل ودقيق ومتكامل لحرب أكتوبر، فى كتابه شاهد على الحرب، وتمكن بهذا الأسلوب من امتلاك حجم ضخم من المعلومات، شملت مرحلة الحرب وما بعدها، من فترة السلام والمفاوضات الطويلة، وفى الكتاب الثانى، استفاد من التحول التكنولوجى فى وزارة الخارجية، الذى أشرف عليه، حيث سلمه مدير مكتبه فى آخر يوم له فى الوزارة وحدة تخزين كاملة عن سنواته السبع، تحتوى على كل شىء، حتى أبسط الملاحظات اليومية، قام بتفريغ محتوها فى حوالى ألف صفحة بخط اليد، اختار منها ما يمكن كشفه، دون الإضرار بمصالح الدولة وأمنها القومى.
محطة الجامعة العربية
وأجزم أن الجزء الثالث من مذكرات أحمد أبو الغيط عن سنواته كأمين عام للجامعة العربية قد تكون جاهزة للنشر خلال الأشهر القليلة المقبلة، ليستكمل بها شهادته على التاريخ، وكان من حظى أننى تابعته منذ الجلسة الماراثونية فى العاشر من مارس ٢٠١٦، انتهت بتوافق عربى عليه، وحتى الآن، غطيت صحفيًا قممًا عربية أدارها فى عواصم عربية مختلفة، واجتماعات وزراء الخارجية العديدة العادية والطارئة، وأشهد له أنه من مدرسة الدبلوماسية الهادئة، كجزء من سماته وطبيعته الشخصية، يختار تصريحاته بعناية شديدة، وتعامل مع العديد من المتغيرات الصعبة التى مرت بها المنطقة العربية خلال فترتى عمله، والتى قاربت على الانتهاء، تداعيات العدوان الإسرائيلى على الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة منذ أكتوبر ٢٠٢٣، منها الدراما السورية التى بدأت بالجهود الخاصة بإعادة سوريا للجامعة العربية والتى تمت بالفعل فى مايو ٢٠٢٣، مفاجأة سقوط النظام برمته فى ديسمبر ٢٠٢٤، وكذلك حالة عدم الاستقرار التى ما زالت تعيشها دول عربية عديدة ومنها السودان الذى دخل حربًا أهلية منذ أبريل ٢٠٢٣ ولم يتم التوصل إلى حل سياسى لها، كل ذلك يجعلنا نؤكد أن الجزء الثالث المنتظر لن يقل عن سابقيه، ونحن فى الانتظار.
ضوء القمر
أنحاز إلى نماذج عديدة من أصدقاء نجحوا فى تنظيم أوقاتهم، رغم أننى لست منهم، تجد انجازهم المهنى متعددًا ومتنوعًا، ولا يقتصر فقط على تخصصهم بل يمتد إلى مجالات أخرى، ومنهم الدكتور محمد هانى حافظ الذى تجاوزت صداقتنا أكثر من ١٥ عامًا، والذى رغم انشغاله الشديد بعمله كطبيب متميز فى مجاله الذى يتجاوز النطاق المصرى، إلا أنه على نفس المستوى حريص على تسجيل إبداعاته، والتى يخرجها فى كتاب يصدر فى بداية كل عام، وصلت إلى سبعة كتب، وآخرها كتابه ضوء القمر، ولعل الدكتور محمد هانى حافظ جزء من ظاهرة قديمة، لأطباء مارسوا العمل وتمسكوا بالأدب.. وتشير القراءة السريعة لكتابه الأخير (ضوء القمر) إلى أنه ينتمى إلى أدب الرحلات، حيث سجل فيها رؤيته من خلال اكتشافه لعوالم أخرى ودول مختلفة، وبدأها من رحلته من مكة إلى المدينة، حيث كان ضى القمر هو الذى ينير الطريق، وينهيها بالشعر الذى حركه وجوده أمام أستار الملتزم فى الكعبة المشرفة، حول الزهد، وأشار إلى أنه ليس معناه ألا تملك أى شىء، ولكن أن تستغنى عن أى شىء فى أى وقت، دون أن تكون أسيرًا لأى شىء، وتستمر فصول الكتاب، ليكشف عن دول أخرى جديدة لم يسبق له زيارتها، زارها بحكم العمل، للمشاركة فى مؤتمرات وفعاليات طبية، وأخيرًا فإن الدكتور محمد هانى حافظ نموذج فريد فى الكفاءة المهنية، والحرص على الكتابة، يملك سمات شخصية أبرزها القرب من الله والشعور بالرضا.

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







