مع كل فاتورة يبدأ الأهالى تحرياتهم، للبحث عن المتهم بالتسبب فى المكالمات الزائدة، ونظرًا لشيوع الجريمة نتيجة عدد الجناة المحتملين، استعان بعض الآباء بـ «قِفْل» صغير يسلب من «قُرص الأرقام» قدرته على الدوران!
مادة خام للحنين!
السبت:
ذات طفولةٍ تشكّلتْ مشاعرنا، ومع الوقت تحولتْ إلى ذكريات نستحضرها عند الضرورة، قد يظل حضورها موسميًا مع كل مناسبة، وربما تداهمنا وسط طواحين مشاغلنا، وفى كل الأحوال تعرف كيف تداعب أحاسيسنا بحلاوتها، وتسحب من ذاكرتنا ما تخلل سعادتها من لحظات ألم. الذاكرة انتقائية، تنتزع من الماضى سلبيته وتُحيله إلى فردوس مفقود.
بعيدًا عن الفلسفة المصطنعة، أعترف بأن اجترار الماضى هو المكتوب على البشر، خاصة فى منطقتنا التى أهّلتنا لإدمان الشجن، وهكذا تتحوّل شوارع المدينة المزدحمة إلى ممرات تقودنا إلى الوراء، ويقودنا بطء حركتها لفرصة الرحيل عبر الزمن، وهى رحلة شبه يومية، نتقن تحويلها إلى مادة خام للحنين.
تكدسات مرورية تسبق حلول رمضان بأيام، وكأن الحياة سوف تتوقف فيه، فيصبح الانتهاء من كل الأمور العالقة فرض عيْن. هنا تفرض أجواء فوانيس «الصاج» نفسها على الذاكرة، مع تفاصيل أخرى قديمة يتداولها الإعلام على مدار الشهر الكريم، لتبعث الملل فى صدور أجيال لم تعايشها، وتهرب من حنيننا إلى شاشات المحمول الأكثر واقعية.
أحيانا أتساءل عن ذكريات الجيل الحالى، التى سوف يجترها أبناؤه بعد سنوات. أشعر بأنها منزوعة المشاعر، بينما يرون هم أن ذكرياتنا منتهية الصلاحية. ليس صراعًا بين الأجيال بل تطور طبيعى للأحاسيس. ذات يوم سوف يقفون فى نقطة مشابهة، ليواجَهوا برفض أولادهم لماضٍ يحاول السابقون فرضه عليهم بقوة الإلحاح!
الوسطاء يمتنعون
الإثنين:
من جديد يظهر «الربع قرن» كوحدة لحساب الوقت فى حياتى! خمسة وعشرون عامًا زمنٌ طويل، لكنه وفقًا لإحساسى بتطور العُمر.. مرّ فى لحظات! عمومًا وباختصار شديد لا يليق بشهوة ثرثرة تتملّكنى، أقول لكم إننى عدتُ إلى المركز الثقافى الروسى بعد كل هذه السنوات الطويلة، للاحتفاء بالأديب الكبير إبراهيم عبد المجيد، فى ندوة نظمتها جمعية «حتحور للثقافة والفنون»، برئاسة صديقى المخرج أحمد رشوان، الذى طلب منى إدارة الندوة فرحّبتُ بشدة، لأنها فرصة لاستعادة جسور الوصل مع الروائى الكبير.
فى زمن آخر كنتُ ألتقيه كثيرًا، بحُكم تفاعلى مع الوسط الثقافى الذى قررتُ بعدها التعامل معه عن بُعد، والاكتفاء بالتعامل مع المنتمين إليه عبر صفحات الكتب، لأسباب قد أذكرها يومًا ما. وهكذا اكتفيت بالتعامل مع الأدباء من وراء حجاب الأغلفة، إلا من أوقعتنى الظروف فى طريقهم. الظروف أسعدتنى بلقاء إبراهيم عبد المجيد عدة مرات فى العامين الأخيرين، لأستعيد فى كل مرة ذكريات المقهى الثقافى بمعرض الكتاب، الذى ظل يشرف عليه لفترة طويلة، أو لقاءات غير مُرتبة لكنها لا تندرج ضمن تصنيف الصدفة، بالإضافة إلى رفقة امتدت أسبوعًا كاملًا فى زيارتنا للمغرب، للمشاركة فى مهرجان أصيلة.
فى السفر تكتسب العلاقات مذاقًا آخر، لأنه يتيح الفرصة لتقارب تحرمنا منه انشغالات الحياة اليومية، وتظل الحكايات مخزونة فى مستودع الذاكرة، يُمكن استدعاؤها بكلمة سرٍ واحدة، قالها أحدنا فاختزلت واقعة كاملة، ذِكر هذه الكلمة يؤدى لانسياب قصص التغريبة المؤقتة. تنطلق ضحكاتنا من القلب، إما لكون القصة القديمة تُعبر عن مواقف ساخرة بالفعل، أو لأنها قادمة من ماضٍ «يُطبطب» على أرواحنا فتنتعش.
يبدو إبراهيم عبد المجيد وكأنه قادم من زمن آخر، بهدوئه الذى يتحدى صخب الحاضر، وإبداع يخترق الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال، ويقتحم الفانتازيا ويستخدمها فى السخرية من ماضيه الذى كان حاضرًا وقت الكتابة، وحاضرنا المتحول بعد حين إلى تاريخ. إنه الزمن يعبرنا، غير أن عبد المجيد يقتنص ما تيسر منه، ويحفظه بين صفحات نصوصه ليصبح فى المستقبل تأريخًا لحياتنا الاجتماعية.
طبعًا لم أقل كل هذا فى الندوة، لأننى فضلتُ أن تمضى فى مسارات الاحتفاء بأعوامه الثمانين، وهى مناسبة ملائمة للبهجة لا للقراءات النقدية، لأن النقد يقطع أحيانًا حبال الود بين المبدع وقرائه، خاصة بعد أن تحوّل إلى أحد أسباب انسداد شرايين الوصل بين طرفى المعادلة، مع أنه كان قديمًا يساهم فى فك شفرة الأعمال الأدبية. أعتقد أن القليلين ممن لا يزالون يقبضون على جمْر القراءة، أصبحوا أكثر وعيًا واحترافية، حتى إنهم رفعوا بالفعل شعار «الوسطاء يمتنعون»!
سمّاعة تليفون!
الثلاثاء:
قال معاتبا: «لم ترفع سماعة التليفون لتطمئن عليّ». ورغم أنه مُحقٌ إلا أننى لم أعترف بخطيئة عدم الاطمئنان عليه فى مرضه، ليس تعاليًا، بل لأن عبارته قادتْ تفكيرى إلى منعطف آخر. كثيرًا ما تستوقفنى كلمات أحالها مجتمعنا للتقاعد، ومصطلحات خرجت من الخدمة، طبعًا بخلاف أسماء أماكن وأدوات لم يعد لها وجود إلا فى ذاكرة كبار السن. فكرتُ ذات مرة فى إعداد كتاب عنها وتراجعت، لأنه يحتاج لجهد بحثى مكثف، ولن يجد بين الأجيال الجديدة صدى، وبالتالى لن يتحمس له أى ناشر. لكن لا مانع من اقتناص أحدها كل فترة، وفرضه على القراء بسطوة الأمر الواقع.
مصطلح «سماعة التليفون» لا يزال دارجًا على ألسنة من تزيد أعمارهم على الثلاثين عامًا، يفرض حضوره بقوة القصور الذاتى لآلة استخدموها فى طفولتهم، ثم أصبح استعمالها بالغ الندرة مع انتشار الهواتف المحمولة، رغم ذلك لا يزال الهاتف الأرضى ضروريًا فى المنازل، لأنه وسيط أساسى حتى الآن فى استخدام شبكة الإنترنت، ولولا ذلك لذهب بغير رجعة. أدفع اشتراكه دوريًا دون أن أستعمله، بل إننى لا أذكر أين استقر حاليًا، فقد اختفى الجهاز تمامًا ولم يبق من ذكره إلا رسالة شهرية تحذرنا من تأخرنا فى دفع الرسوم. على الفور نهرول للسداد، كى لا تنقطع حرارته فنفقد الاتصال بالعالم عبر الإنترنت.
«اقفل انت الأول»!
ظل «التليفون الأرضى» خير رفيق فى الزمان، عبر سنوات صبانا وشبابنا. شهد على غرامياتنا السرية، وتحمّل همساتنا وخلافاتنا كما عاش معنا أفراحنا، وجلب لنا عقوبات متكررة. مع كل فاتورة يبدأ الأهالى تحرياتهم، للبحث عن المتهم بالتسبب فى المكالمات الزائدة، ونظرًا لشيوع الجريمة نتيجة عدد الجناة المحتملين، استعان بعض الآباء بـ «قِفْل» صغير يسلب من «قُرص الأرقام» قدرته على الدوران، ولأن الحاجة أم الاختراع، فقد تحايلنا عليه وابتكرنا طرقًا مختلفة لتجاوز سطوته، ثم ظهرت الأجهزة ذات الأرقام فرفع الأهل راية الاستسلام، واعتمدوا العقوبات الجماعية وسيلة لإجبار المتواطئين على الوشاية بالجانى. وفى كل الأحوال لم تنخفض فاتورة التليفون لأن سقف نزواتنا زاد ارتفاعًا!
فى ذلك الزمان ابتكرنا أساليب لتوفير الخصوصية، وتحديدًا فى مرحلة «اقفل انت الأول.. لأ اقفلى انتى الأول»! صحيح أن الفتى العاشق ظل آمنًا نسبيًا من ردة فعل أهل حبيبته، فخاصية «إظهار رقم الطالب» لم تكن قد دخلت الخدمة بعد، لكن وجود جهاز وحيد فى كل منزل أمر يولّد مخاطر عديدة، خاصة إذا ردّ والدها، أو تعرض أحد الطرفين لحملة تفتيش مفاجئة، تُسفر عن ضبطه متلبّسًا بالغرام، فضلًا عن إمكانية وجود أكثر من شخص فى نفس المنزل يرغب فى ممارسة حقه الفطرى فى الكلام.
مع كل مشكلة تظهر كانت قدرتنا على اختراع الحيَل تتنامى، وفى الوقت نفسه تسارعت وتيرة لعبة «القط والفأر»، خاصة فى بيوت البنات، فقد كنا أسعد حظًا كشباب، لأن الذكر فى بلادنا مشمول بالتسامح، وسُمعته ليست محل تهديد فى كل الأحوال.
فى ذلك الزمن كان «رفع السماعة» يجرى فى حيز محدد، يرتبط بمدى طول سلك التليفون. شخصيًا لم أشعر بالأمان لتليفونات اللاسلكى، فرغم انبهارى بها فى البداية، إلا أننى اكتشفت أن مكالماتها تتسلل أحيانًا إلى هواتف أخرى، لتصبح غرامياتنا مذاعة على الهواء مباشرة.
أفقتُ من تأملاتى، ونظرت إلى زميلى وقلت له: «عندك حق هرفع السماعة واطّمن عليك فى مرضك القادم».. لم يسمعنى لأنه انشغل بحوار هامس عبر جهاز المحمول!

حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين
سفارى قتل البشر







