بينما كانت شمس القاهرة تميل نحو المغيب، تاركةً ظلالها على جدران «الحى الحكومى بالعاصمة الإدارية الجديدة»، كانت الحقيبة الوزارية تنتقل من يدٍ إلى يد، حاملةً معها إرثاً يمتد لآلاف السنين من المعنى. تدخل د. جيهان زكى «ديوان الثقافة» لا كمسئولة تكنوقراط، بل كابنة شرعية للحضارة، تحمل فى حقيبتها «ترمومترا» يقيس نبض الشارع الثقافى الذى أرهقه الانتظار.
التحدى اليوم ليس فى إدارة المكاتب، بل فى إعادة الروح إلى «المادة»، أن تتحول الوزارة من مبانٍ صامتة إلى خلايا نحلٍ تضج بالحياة، نحن لا ننتظر من الوزيرة الجديدة مجرد تسيير أعمال، بل ننتظر بعثاً ثقافياً يعيد للمصريين ثقتهم فى قوتهم الناعمة، ويحول الثقافة من رفاهية للنخبة إلى خبز يومي للقرى والنجوع.
فى قراءة عميقة للمرحلة، يضع الشاعر أحمد الشهاوى محددات حاسمة للدور الذى يجب أن يضطلع به الوزير، مؤكداً على أن فلسفة منصب وزير الثقافة تبنى على أنه ليس موظفًا فى دفتر الدولة، بل حارس للروح. والمطلوب منه أن يُنصت طويلًا إلى صوت الناس وهم يتهجوْن الثقافة خارج العاصمة، فى القرى والنجوع، فى المسارح المغلقة، وفى المكتبات التى نام فيها الغبار أكثر مما نامت الكتب.
اقرأ أيضًا| «ما زلت هنا» بقصر ثقافة شرم الشيخ ضمن موسم نوادي المسرح
الهيئة العامة لقصور الثقافة: المطلوب أن تعود القصور بيوتًا لا لافتات. أن تُفتح النوافذ للهواء، وأن يُرفع الحصار عن الخيال. لا نريد أنشطة تُؤدّى كما تُؤدّى الصلوات الجافة، بل نريد حياةً تمشى على قدمين: شاعرًا يقرأ، طفلًا يرسم، امرأةً تكتشف صوتها، ومسرحًا لا يخاف من السؤال. المطلوب أن تتحول الثقافة من برنامج إلى علاقة، ومن جدولٍ رسمى إلى نارٍ صغيرة تُدفئ الأطراف البعيدة.
المركز القومى للترجمة: هو معبر الأرواح بين اللغات. والمطلوب أن يترجم الوزير العالم إلى العربية، وأن يترجم العربية إلى العالم، بلا خوفٍ ولا وصاية. أن نقرأ الفلسفة كما تُكتب الآن، والعلوم الإنسانية كما تُفكّر اليوم، والأدب كما يُقاوم العزلة. فالترجمة ليست نقل كلمات، بل إنقاذ وعى، وتوسيع أفق، وينبغى اختيار مدير للمركز لأن المنصب مازال شاغرا.
الهيئة المصرية العامة للكتاب: المطلوب «عدالة الورق»؛ أن يصل الكتاب إلى القارئ بسعرٍ يشبه راتبه، وبجودةٍ تشبه حلمه. وأن يُفسَح مكانٌ للأصوات الجديدة، لا أن تظل الأرفف رهينة الأسماء نفسها، وأن تستمر تجربة «حقيبة كتب للأسرة» التى بدأت فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، وكذا تواصل إصدار الأعمال الكاملة للكتَّاب والمفكرين والمترجمين.
المجلس الأعلى للثقافة: هو العقل الذى يجب أن يفكر بحرية، والمطلوب مجلسٌ يسأل، ويختلف، ويقترح، ويُقلق السلطة بالمعرفة؛ مجلسٌ يشتبك مع قضايا اللحظة: الهوية، والحرية، واللغة، ومستقبل الإنسان فى زمنٍ سريعٍ وقاسٍ.
واختتم باختصارٍ لا يُخل بالحلم؛ المطلوب من وزيرة الثقافة الجديدة أن تعرف أن الثقافة ليست ترفًا، بل مقاومة هادئة ضد القبح، وأن مصر لا تحتاج خطابات عن قوتها الناعمة، بل تحتاج من يوقظ هذه القوة.
من جهته يرى د. شريف شاهين أن وزارة الثقافة المصرية تقف على عتبة تحول اقتصادى ومعرفى ضخم، ملخصاً رؤيته فيما يلي: اقتصاد المعرفة: تتمتع الوزارة بأصول مادية وفكرية وتراث ثقافى نادر يميزها ويحدد شخصيتها على مدار التاريخ، يصلح تماماً لبناء اقتصاد قائم على المعرفة يصنف ضمن أهم مصادر الدخل القومى ينافس دخل قناة السويس ومصلحة الضرائب، وإيرادات الصناعة، والتجارة، وغيرها..
اقرأ أيضًا| فعاليات توعوية وفنية استعدادا لشهر رمضان بثقافة العريش
بالاضافة إلى الأصول والكنوز.. تمتلك الوزارة أعداداً من القوى البشرية من أصحاب الخبرات والشباب، ومئات قصور الثقافة والمكتبات والمسارح، إضافة إلى كنوز من التراث الثقافى الوثائقى الذى يعكس كافة العصور التاريخية، ويشبع احتياجات المثقفين والمؤرخين من كافة أنحاء العالم باختلاف دياناتهم (اليهودية، المسيحية، والإسلام).
أما فيما يخص التراث الرقمي: يشدد شاهين على ضرورة التمييز بين التراث (غير المنقول) التابع لوزارة الآثار، والتراث الثقافى المادى (المنقول) كالخرائط والمخطوطات والصور والتسجيلات المبعثرة بين المؤسسات. هذا التراث بحاجة ماسة للإدارة الوطنية والتوثيق الرقمى وفق المعايير الدولية لضمان حفظه للأجيال القادمة.
كما يضع د. زين عبد الهادى مجموعة من النقاط الجوهرية التى تمس هيكل الصناعة الثقافية، منها المؤسسات الموازية: ضرورة قراءة المشهد الثقافى والفنى بشكل شامل، وربط المنشآت الجديدة (كالمتحف الكبير ومدينة الفنون والثقافة) بالوزارة، والبحث فى إنشاء هيئات موازية ذات زخم دولى.
صناعة الثقافة: تحرير صناعة السينما والكتاب، والاهتمام بالمؤتمرات الدولية والإقليمية الكبرى، عودة «أضواء المدينة» بشكل شهرى لإعادة البهجة للمصريين، وتفعيل التعاون مع وزارة التعليم فى مسابقات الفنون والمدارس.
إلى جانب الإصلاح الهيكلى والمبدعين، فض الاشتباك بين قطاعات النشر التابعة للوزارة، ترجمة الأعمال المصرية الحائزة على جوائز، الاهتمام بالمبدعين المصريين المهاجرين، وإحياء ذكرى المبدعين الراحلين.
إن المهمة جسيمة، لكنها ليست مستحيلة، الدكتورة جيهان زكى اليوم أمام فرصة تاريخية لتكون الوزيرة التى لم تكتفِ بالجلوس على كرسى الوزارة، بل مشت فى «أزقة» الوعى المصرى لترمم ما تهدم من جسور الجمال.
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







