بالشمع الأحمر

جريمة حب!

إيهاب الحضرى
إيهاب الحضرى


.. وكان السلطان إذا غضب على أحدهم، أمر بتجريسه فى شوارع القاهرة قبل تعذيبه. حدث ذلك مئات المرات فى عصر المماليك، ورغم التطور إلا أن هناك من يستدعون من التاريخ أسوأ ما فيه.
التفاصيل الأولى أشارت إلى أن الشاب دخل البيت من بابه. طلب يد حبيبته مرتين، ولم ينزع الرفض المتكرر لوعة الحب من قلبه. ظلّ على تواصل معها إلى أن اكتشف أهلها الأمر، فتقمصوا دور القاضى والجلاد، وعاقبوا الشاب المتهم بارتكاب «جريمة حب»، وألبسوه بذلة رقصٍ أو جلبابا نسائيا، ليفضحوه وسط الأهالى.
كالعادة ظهرتْ قصة مضادة، اعتمدتْ على أقوال منسوبة للشاب، يوضح فيها أن الفتاة لجأت له تشكو عدم ارتياحها لخطيبها، وطلبتْ عدم الرجوع إلى المنزل فسافرا معا إلى الإسكندرية! والحكاية فى هذا السياق تمنح عائلة الفتاة قدرا من التعاطف، لأنهم واجهوا فضيحة هروب ابنتهم بفضيحة تجريس من ساعدها.. أو حرّضها.
فى الظروف العادية كانت معالجة مثل هذه المشكلات، تجرى بأساليب أخرى تتفادى الفضائح، وتتصاعد من النقاش بالحسنى إلى «علقة» ساخنة، يتلقاها المغضوب عليه كى يمشى بعدها على الصراط المستقيم، رغم أن المنطق السليم يفرض مسارا مختلفا تماما، هو تحرير محضر، تبدأ بعده تحقيقات تكشف تفاصيل ما جرى، بدلا من تهويمات وسائل التواصل، التى تضيع الحقيقة وسط زوابعها.
أعتقد أن القصة الصحيحة سوف تنكشف مع بدء «الجنايات» نظر القضية، لكن بعد أن اختار أهل الفتاة اللجوء إلى التجريس، فأصبحت الفضيحة علنية، وامتدت إلى ابنتهم التى أصبحت جزءا من المشهد، حتى لو ظلت ضميرا مستترا. قد لا تظهر فى الصورة، غير أنها تحولت إلى طرفٍ فاعلٍ فى الحكايتين المتناقضتين، وتداولت سيرتها ألسنة من عايشوا الواقعة على الهواء مباشرة، أو شاهدوها مسجلة بعد فترة.
المشكلة الأكبر أن حكاية «بدلة الرقص»، كشفت مع غيرها من المهازل، أننا صرنا عاجزين عن تحديد موقف ثابت من أية قضية، لأن فوضى وسائل التواصل خلطت الأبيض بالأسود، وأصابتنا بعمى ألوان مزمن، ورغم ذلك يخرج من يتباهون بأنهم يمتلكون اليقين المطلق!