أن تحيا فى عالم كانط

إيمانويل كانط
إيمانويل كانط


ترجمة: ياسمين يحيى


أصدر فيليكس هايدنرايش رواية بعنوان «خادم الفيلسوف» فى الذكرى السنوية لكانط، يتعرف القرّاء من خلالها على الفيلسوف الكبير من زاوية جديدة، كما يلتقون بالأشخاص المقرّبين منه آنذاك، وفى هذا الحوار يتحدث هايدنرايش عن كانط بوصفه مدمنًا لوسائل الإعلام، ويتناول روتينه الصباحى، وكذلك أفكار التنوير التى نحن فى أمسّ الحاجة إليها فى عامنا هذا.

فيليكس، كتابك ممتع لكل من لديه معرفة واسعة بكانط، أو حتى لأولئك الذين لا يملكون أدنى معرفة مسبقة عنه، فلنفترض أن هناك شخصًا لا يعرف شيئًا عن كانط، فكيف تشرح له فكر كانط فى بضع عبارات؟ ما هو أهم ما يمكن قوله؟

عادة ما يُقدَّم لنا كانط بوصفه الفيلسوف النموذجى للعصر الحديث، ومن هذا المنطلق يمكننا أن نقول إننا نعيش فى «عالم كانطى»، لأننا نعلق آمالنا على العقل –العقل الكونى– الذى يفترض أن يكون قادرًا على تجاوز جميع الحواجز اللغوية والثقافية، عقلٌ بإمكانه أن يقودنا إلى مستقبل يسوده السلام والصحة والحرية، هذه نقطة.

أما النقطة الأخرى، فهى أن شخصية كانط تعد رمزًا لتصور معين عن الفلسفة؛ فقد كان يتبع نمطًا منظمًا للغاية، وطريقة متماسكة جدًا فى خوض الحياة، وظل يوجه حياته وفقًا لمبادئ فلسفية وعملية، وكان يرى أن الحياة لا بد أن تشهد على صحة العمل الفلسفى، وبهذا المعنى يتحول هو نفسه إلى بطل، حتى على المستوى الشخصى.

وتأتى فلسفة التنوير لدى كانط فى وقت متأخر نسبيًا فى المقارنة الأوروبية، تمامًا كما وصلت ألمانيا متأخرة إلى حفل التنوير الكبرى –كان الاسكتلنديون والفرنسيون يتبادلون الحديث حولها منذ وقت طويل– وربما لهذا السبب بالذات استُقبلت بحفاوة وتصفيق كبيرين، كما يحدث فى الحفلات، ومن هذا المنطلق يُعد كانط -من منظور ألمانى على الأقل- ذروة وقمة فلسفة التنوير بامتياز.

لقد اخترت أن تقدم لنا رواية فى سنة اليوبيل الخاصة بكانط بدلًا من تقديم كتاب فكرى أو علمى، وبصفتك روائيًا، وجدت أمامك خلفية جميلة لأحداث الرواية، ألا وهى مدينة كونيجسبرج فى القرن 18، هل لك أن تصف لنا هذه المدينة؟

المدهش هو الحيوية الفكرية التى يتمتع بها المجال العام فى كونيجسبرج، فقد كان كانط وأصدقاؤه، وكذلك الجمهور البرجوازى عامة، فى غاية الاهتمام بشؤون العالم؛ يتفاعلون معها ويخوضون نقاشات حادة حول قضايا فلسفية معقدة، صحيح أن كونيجسبرج ليست مدينة مركزية مثل لندن بأية حال، لكنها -رغم ذلك- ظلت جزءًا مما يحدث فى العالم بصورة غير مباشرة، عن طريق الاحتلال الروسى والحروب، وأيضًا عبر التجار الإنجليز والتواصل الفكرى النشط مع العالم، سواء عبر الصحافة أو المراسلات، فنحن هنا بصدد متابعة فضاء عمومى أوروبى كنا لنرغب فى وجوده اليوم.

لقد تحدثت عن الروتين اليومى المنظم لكانط، وقد تضمن جدوله كل من الأكل، والتنزه، والعمل، والنوم، وظل دائمًا يستيقظ فى الخامسة صباحًا على هذه العبارة: «لقد حان الوقت!»، هل تعتقد أنه من الضرورى أن نعيش بهذه الطريقة إذا أردنا إنجاز عمل ما؟

إنه يساعد فى جميع الأحوال، نرى ذلك لدى كثير ممن تركوا لنا أعمالاً ضخمة؛ يخطر ببالى الآن: باخ، بلزاك، توماس مان، يتطلب ذلك إدارة جيدة وآلة مشحمة تعمل بسهولة كى تصبح النتائج على ما يرام، لا أقصد ذلك بشكل فيه تقليل من القيمة، بل أتحدث بإعجاب، أجد أنه من المثير أن يبدو لنا كانط غريبًا، وموسوسًا، وصارمًا بشكل غريب وفى الوقت نفسه قريب منا.

لأننا نحن أيضًا نعيش فى زمن يحاول فيه كثير من الناس التحكم بشدة فى مجالهم الضيق، فيلتزمون بحمية غذائية، وبرامج للياقة البدنية، وروتينات صباحية، كما يمارسون اليوجا والتأمل؛ وهنا نجد أن المجال الضيق القابل للتحكم منظم تنظيمًا صارمًا، ويمكننا أن نتكهن بأن هذا تعويض عن شعورنا بأن المجال الواسع خارج عن السيطرة، ونحن نشهد حربًا فى أوكرانيا، وفوضى فى الشرق الأوسط، وكارثة مناخية تقترب، هذا كله يخرج إلى حد ما عن نطاق تأثيرنا، وإذا كنا لا نستطيع السيطرة على ذلك، فعلى الأقل يمكننا إعداد وجبة موسلى فى الصباح وفق خطة مثالية للياقة. ربما كان الأمر كذلك بالنسبة لكانط، لقد عايش الاحتلال الروسى، وخضع لقوة سياسية استبدادية، كما شاهد فوضى الثورة الفرنسية، وبهذا نجد أنه عاش فى زمن أعاصير تاريخية، وربما بنى لنفسه نوعًا من خيمة حماية مقاومة للرياح فى مجال ضيق يمكن التحكم فيه، فهو ليس بعيدًا عنا كما يبدو.

إذا صدقنا روايتك، فإن كانط لم يكن دائمًا على هذه الحال، بل كان فى البداية مغرورًا إلى حد ما، وأحمق، بل وكثير التردد على المناسبات الاجتماعية، وفجأة حدثت لحظة تحوّل، فتغيّر من «الأستاذ الأنيق» إلى ناسك، هل هذا موثق، أم إنه من وحى خيالك؟

ثمة حقيقة لا جدال فيها، أن هناك نوعًا من أزمة منتصف العمر تحدث فى سن الأربعين تقريبًا، أما عن أسبابها ومعناها، فلا يمكن إلا التكهن، لقد أدرجت فى روايتى العديد من التفاصيل المثبتة تاريخيًا. فالشخصيات المذكورة وعديد من الاقتباسات مأخوذة من المصادر، لكنى فى الوقت نفسه منحت نفسى بالطبع حرية رسم الصورة كاملة، وقد أردت أن أظهر عمله الفلسفى بصورة خشنة من الناحية الوجودية، فكفاح كانط من أجل صون العقل، والأمل فى الحصول على أرضية صلبة يقف عليها، ووضع «أساس» للميتافيزيقا، والوصول إلى وضوح فلسفى، كل ذلك أفسره أنا كاستجابة لتهديد وجودى، فأن تعرف ما هو العقل، يعنى أيضًا أن تتمكن من الإفلات من الوهم والجنون، ولذلك فإن فكرة الأشباح والظلال هى فكرة محورية، قد يصحح لى خبراء العالم فى فلسفة كانط، لكنى أعتقد أنه يمكن قراءة كانط على هذا النحو؛ ليس كنظرية خالصة ولعبة فلسفية من الكريات الزجاجية، بل كرد فعل على زعزعة وجودية وحالة من عدم اليقين.

فى ما يتعلّق بحاشية كانط؛ ثمة شخصيات من بينهم لا يمكننا أن نتمنى أفضل منها لو أننا روائيون، وأحد أولئك الذين أحاطوا بكانط هو خادمه لامبه، وسكرتيره فازيانسكى، والتاجر جرين، فمن منهم الأقرب إلى قلبك؟

أجد يوزف جرين شخصية مثيرة جدًا للاهتمام، ويبدو أنه كان يناقش مع كانط بالفعل «نقد العقل المحض» مقطعًا تلو الآخر، ففكرة أن يكون شىء كهذا ممكنًا فى القرن الثامن عشر.. أى أن يعكف تاجر - إلى جانب عمله- على مراجعة روائع الفلسفة المعاصرة مراجعة دقيقة، إنه لأمر مذهل حقًا! بل ومؤثر أيضًا، لأنه يجعلنا نتأمل إن كنا نرغب فعلًا فى أن نعيش اليوم فى مجتمعٍ يسوده التمايز والتخصص إلى هذا الحد، بحيث لا يهتم كل إنسان إلا بخبرته المحدودة البسيطة، وعلى هذا الأساس تبدو شخصية جرين آيةً فى الجاذبية، ورغم ذلك فأنا أجد الشخصيات الأخرى فى دائرة معارف كانط قريبة إلى قلبى أيضًا؛ فأنا لم أضطر إلى إضافة الكثير حول هذه الشخصيات، لأنها غريبةً فى حد ذاتها إلى درجةٍ أن الأمر لم يتعدَّ فكرة تنظيم المادة الواقعية بمهارة.


لم تُرصَد هذه الشخصيات المحيطة بكانط من قبل بهذا القدر من التفصيل، أليس كذلك؟ فعندما نبحث عن أسمائها على الإنترنت، لا نجد عددًا كبيرًا من النتائج.


ثمة مواد متوفرة عن تيودور فون هيبِّل؛ لأنه كتب رسالة طريفة عن الزواج، وعن إيرِجوت فازيانسكى؛ وهو كاتب أول سيرة ذاتية عن كانط، كما توجد أيضًا بعض المعلومات، وأنا لا أدّعى أننى توصلت إلى اكتشافات مذهلة، بل أريد أن أُظهر أمرًا آخر؛ وهو أن الفلسفة التى تبرز الفرد بقوة وتزعم أنه يفكر بنفسه، بصورة منفردة و"ترانسندنتالية» -أى شرطية للمعرفة-، تنشأ هى نفسها ضمن بنية اجتماعية، وصياغة هذه الفلسفة، التى تبدو على نحوٍ ما ذاتية محضة، تجرى -للمفارقة- بطريقة غير ذاتية البتة داخل شبكة من العلاقات.


أى أهمية يشكلها التنوير فى عامنا هذا، بعد مرور ثلاثمائة عام على ميلاد كانط؟ ولماذا من المثير للاهتمام أن ننشغل اليوم بالتنوير؟ 

لسنا بحاجة إلى قدرٍ كبير من الحِدة الفكرية لنكتشف أن منجزات التنوير تتعرّض فى كل مكان لهجمات عنيفة، فـ"الترامبية» كحركةٍ عالمية، والشعبوية، والحركات السلطوية، والتفكير الهويّاتى، جميعها هجمات صريحة على العقل الكونى. وأنا أرى أن النقد ما بعد الكولونيالى، والنسوى، والتفكيكى لبعض تصوّرات التنوير، هو نقدٌ مهم وصائب، ومن الطبيعى أن يعالج «الغرب» تاريخ عنصريته وهيمنته الخاصة، ومع ذلك ينبغى ألا نرفض الفكرة بجملتها لأنها تحمل جانبًا سلبيًا، نحن أمام سؤالٍ يقول: كيف يمكننا أن ندعو بطريقةٍ ملائمة إلى شكلٍ معتدل من التنوير، لا يكون «راديكاليًا» بالضرورة، بل يقوم على التواصل الكونى؟ كيف يمكن أن يبدو لنا التنوير الذى لا يظهر على هيئة «إمبريالية عقل فوقية"؟ ينبغى أن يكون شكلًا أقل صرامة، وأكثر مرونة، ومع ذلك متسقًا فى جوهره، فكيف نصوغ فكرةً عن التنوير تدرك ظلالها الخاصة، وأشباحها، وبقاياها غير المحلولة، وتناقضاتها، ومع ذلك تظل تدافع عن كرامة جميع البشر؟ ذلك هو التحدى.