يوميات الأخبار

عندما يخالف الضابط القانون تطبيقًا للقانون !

حسين عبدالقادر
حسين عبدالقادر


التعليمات عادة تكون واضحة لدى ضباط الشرطة والخروج عنها مخالفة لا تُغتفر وتستحق العقاب بكل درجاته.. ورغم ذلك اكتشفت أن البعض لا يطبق القانون ولكن يطبق روحه تحقيقًا لهدف القانون ذاته.

كان المكان فى مقر الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بالعباسية عندما التف ضباط مجموعة النشاط الداخلى لتحرير محضر ضبط التاجر المعروف، وعلى مائدة مجاورة لمكتب رئيس المجموعة اصطفت المخدرات المضبوطة ومبلغ ضخم حصيلة بيع المخدرات، عندما رن جرس التليفون الداخلى كان المتحدث مسئول الأمن لبوابة المبنى يخطر رئيس مجموعة المكافحة بأن زوجة التاجر وبصحبتها أطفاله الثلاثة تبكى وتريد رؤيته قبل ترحيله.. ليطلب من الضابط السماح لها بالصعود.. عندما دخلت المكتب كانت فى حالة يرثى لها من الانكسار والحزن وهى تجر أطفالها الثلاثة.. كان سماح الضابط لها بالصعود لما لديه من معلومات بعدم تورطها فى أى نشاط إجرامى لزوجها والذى كان يخفيه عنها.. وكان الضباط يدركون المأزق الذى حل بها بالقبض على زوجها، كل ما بحوزتها بضعة جنيهات تكاد تكفى مواصلات العودة للمنزل، ولا تملك كما قالت للضباط ثمن وجبة طعام لأطفالها.. فوجئت بقائد المجموعة يطلب من أحد ضباطه جزءا من المبلغ المضبوط وناوله للزوجة قائلا: استلمى المبلغ ووظفيه فى أى شىء يدر عليك دخلا لأولادك، وإياك أن يصلنا أى خبر عن تورطك فى أى نشاط إجرامى. غادرت زوجة تاجر المخدرات المكتب ودموعها تنساب على وجهها.. سألت صديقى الضابط: أليس ما قمتم به مخالفة للقانون؟ ليجيبنى سريعا: على العكس لقد طبقنا عين القانون وروحه: ليستطرد قائلا: القانون وضع لحماية المجتمع وما قمنا به ما هو إلا تحصين الزوجة الشابة وحماية لأطفالها من الانحراف، والطبيعى لو تركت هكذا بدون أية نفقات سلمت نفسها للشيطان وضاع الاطفال.
«علقة لحرامية حقوق اليتامى»
الوقت عام ٢٠٠٤، حينما تلقى اللواء محمد نور مدير شرطة مكافحة جرائم الأحداث بوزارة الداخلية مكالمة من مسئولة دور الرعاية بوزارة الشئون الاجتماعية لتخبره بأن هناك مصيبة حدثت فى دار رعاية الأيتام الكبرى بمنطقة أبو قتادة.. فقد اقتحم الدار أحد الضباط وانهال ضربا على موظفى الدار وأحدث ببعضهم إصابات، وطلبت منه التصرف باعتباره مسئولا معها عن المكان.. سألها عن اسم الضابط والذى كان يعرفه تماما.. وعلى الفور اتصل به ليسأله عن حقيقة ما أبلغ به وفوجئ بالضابط يقر بما قام به والذى يعرفه جميع الإعلاميين بحكم وظيفته والذى سرد ما حدث منذ لحظة مرافقته لفريق إعلامى لدار الأيتام واكتشف الوضع السيئ والمزرى الذى يعيشونه من الكفاف الشديد، ونظرا لحالته المادية الجيدة هو وأهل زوجته قرر أن يفعل شيئا للأطفال، فجمع مبلغا كبيرا من العائلتين واستغل علاقته ببعض رجال الأعمال لتمويل شراء أطقم ملابس وأحذية قدموها من ماركات عالمية أصلية مثل اديداس ونايكى وتم شحنها فى عدة سيارات للدار، ولأن عيد الاضحى كان بعد أيام اشترى ٣ عجول ضخمة تكفى لتناولها طوال أيام العيد الأربعة. وبعد أيام ذهب الضابط ليطمئن على حال الاطفال ليجد مظاهر البؤس كما هى ليكتشف عدم تناولهم اللحوم، وعندما سألهم عن الملابس والأحذية أخرجوا له ملابس وأحذية قديمة وبالية ليكتشف أن موظفى الدار استولوا على الماركات العالمية وقدموا لهم أخرى قديمة من وكالة البلح، فلم يتمالك نفسه وفقد أعصابه وهو ينهال على الجميع ضربا، وقدم الضابط قوائم بهدايا الأيتام المختلفة والتى وقع عليه الموظفون بالاستلام.. التقى اللواء محمد نور بمسئولة الوزارة وأخبرها بأنهم أمام خيارين: إما أن يتم تحرير محضر باعتداء الضابط، وأيضا توجيه تهمة الاختلاس وتبديد المال العام للموظفين الذين ما إن علموا بما ينتظرهم من السجن سنوات حتى توسلوا الاكتفاء بما حدث والاعتذار وإعادة المسروقات للأطفال اليتامى..
«طفلتان فى منزل ضابط الانتربول»
الوقت صيف ١٩٩٦ وحيث كل فرنسا لا حديث لهم سوى قضية قيام أحد المصريين باختطاف طفلتيه «صبرية وياسمين» ٥ و٦ سنوات من حضانة أمهما فى باريس بعد انفصالها عنه وهرب بهما الى القاهرة. وحكمت المحكمة الفرنسية بإعادة الطفلتين وتسليمهما للأم والتى نجحت فى تحويل المشكلة الى قضية قومية فى فرنسا وبسببها كان تواصل الرئيس الفرنسى مع الرئيس مبارك لتنفيذ النشرة الحمراء لضبط الطفلتين وإعادتهما لفرنسا. ونجح الانتربول المصرى فى التوصل لمكان إخفاء الطفلتين والذى طلب من الانتربول الفرنسى إرسال ملف استرداد الطفلتين وكذلك ضمانات تمكن الاب من دخول فرنسا ورؤية طفلتيه بعد وصولهما الى باريس.. تم الاتفاق على كل الخطوات ولكن ظهرت مشكلة وهى أن إجراءات وصول الملف وتسليم الطفلتين سوف تستغرق نحو أسبوعين والقانون صريح بوضع الطفلتين فى إحدى دور رعاية الأحداث لحين سفرهما.. كانت رؤية ضباط الانتربول أن ذلك مستحيل، فالطفلتان ليستا متهمتين مثل نزيلات دور الاحداث علاوة على صغر سنهما.. وهنا اقترح المقدم جمال عثمان ضابط الانتربول إجراء مخالفا للقانون وهو أن يحتفظ بالطفلتين لحين سفرهما مع أسرته، خاصة أن أطفاله فى نفس سن ياسمين وصبرية.. ولأن فرنسا كلها تتابع وصولهما فقد تمت موافقة وزير الداخلية على الإجراء الذى كان يهدف أيضا الى أن تترك إقامتهما مع أسرة الضابط وأسرته مردودا إيجابيا ونفسيا لدى الطفلتين، وحصل المقدم جمال على إجازة مفتوحة نظم خلالها برنامج زيارات لياسمين وصبرية لكل المعالم المصرية حتى تتذكرا دائما بلد الاب والذى سمح له بتواجده مع طفلتيه رغم مخالفة ذلك حتى لا تنقطع صلته بهما.
صعايدة صدفا ورئيس المباحث
الوقت: شهر أغسطس نهاية التسعينيات، صدرت حركة تنقلات الشرطة لينقل الرائد حسام فوزى رئيسا لمباحث مركز صدفا بأسيوط ويلتقى بالمرحوم العميد عبد الراضى حجاب مأمور المركز الذى يشرح له طبيعة وظروف المنطقة ويحذره بشدة من النزول لمنطقة وقرب دير عايد حيث تتمركز عائلة ابو عبده التى لم ينج من شرها أى ضابط مباحث حاول تطبيق القانون، فهناك نحو ٣٧٠ حكما قضائيا واجب التنفيذ وأسلحة مرخصة مات أصحابها ولم يتم تسليمها وهناك ايضا العديد من شباب العائلة هاربين من التجنيد، وأضاف المأمور أن أى حملة تحاول دخول القرية يتم مهاجمتها قبل اقترابها واختتم المأمور نصيحته بأن التعليمات المشددة تفرض إبلاغ المديرية باصطحاب قوات كبيرة عند دخول القرية.. ولكن المأمور فوجئ بالمقدم حسام فوزى يبلغه بأنه سيذهب الى القرية ويمارس مهامه ويضرب بالتعليمات عرض الحائط ولن يصطحب معه اية قوات معتمدا على خبرته فى معرفته بتقاليد وقيم الصعايدة وهو ضابط مباحث إمبابة.. استقل بوكس المباحث وليس برفقته سوى السائق المجند ومساعد الشرطة ومسئول القرية الذى يعرف جيدا أهلها، وقبل دوار العائلة ساعة العصارى حيث يجلسون جميعا مع كبيرهم الحاج فتحى همام بقى الضابط فى السيارة وأرسل مساعد الشرطة ليبلغهم بوصول رئيس المباحث الجديد ليلتقى بهم، وكما خطط الضابط احترمت العائلة مجيئه إليهم وحده دون قوات فى إشارة لرغبته فى احترام التعامل معهم ونهضوا جميعا لاستقباله والترحيب بهم، ليختلى مع كبيرهم ويبلغه بكل ما لديه عنهم طالبا منه أن يوكل محاميهم للمعارضة فى الأحكام الغيابية حتى يتحرك أصحابها دون ملاحقة. وبالنسبة لأسلحة المتوفين التى لم تسلم رغم بدائيتها وكانت سببا فى توجيه الحملات لضبطها، أخبره بأنه يعلم سبب احتفاظهم بها باعتبارها ذكرى الآباء، قائلا إنه لا يريدها ولكن يساعدهم فى الاحتفاظ القانونى بها بأن يتقدم حائزوها بطلبات نقل ترخيصها إليهم، وأنه من حقه دعم هذا الترخيص وطلب من الكبير أن يقنع الهاربين من التجنيد بتسليم أنفسهم لمحو عار تخلفهم. تناول الضابط مشروبات مثلجة وأبلغهم باستعداده لاستقبال أى منهم بمكتبه لحل أى مشكلة، ليغادر رئيس المباحث ديوان العائلة وسط مظاهر من الاحترام.. وتكون باكورة ثمار الزيارة هى تقديمهم اليوم التالى أول معارضة فى نحو ١٥٠ حكما قضائيا ثم الإخطار بتوجه نحو ١٠ شباب لمنطقة التجنيد ثم تقديم طلبات ترخيص اسلحة المتوفين .