دراما رمضان ليست مجرد نافذة سنوية لعرض أعمال جديدة تنعش ذاكرة الشاشة وتختبر قدرة الصناعة على التجدد.. بل هي مصنع حقيقي للنجوم، وساحة مفتوحة لإعادة تثبيت المكانة.. أو صناعة المجد من جديد.
في رمضان هذا العام الذي نراه بحق عاما للحسم، نحن على موعد مع فرص ذهبية لعدد من الأسماء من أجل القفز خطوة إلى الأمام وفرص أخرى لاكتشاف نجوم جدد قد يتصدرون المشهد في المواسم المقبلة.. وفي السطور التالية نرصد ملامح هذه الفرص، فرص صناعة نجومية جديدة وفرص تأكيد نجومية بدأت تلوح في الأفق، لكنها لا تزال في حاجة إلى دفعة حاسمة تنقلها من منطقة الوعد إلى منطقة التحقق.
فضّ الاشتباك
في منطقة رمادية تعيش شخصيات مسلسل “سوا سوا” بين ما نحب وما نريد، وتعيش أيضا الفتاة “أحلام”، ويبدو أن هذه الحالة الرمادية لا تعكس فقط مصير الشخصية داخل الدراما، بل تمتد رمزيا إلى حال بطلي العمل الثنائي اللذان يحتاجان بدورهما إلى الخروج من هذه المنطقة الملتبسة إلى مكانة تليق بتجربتهما وموهبتهما.. بعد محطات متعددة في أعمال سابقة، حملت نجاحا لافتا، يجتمع الأثنان هذه المرة من أجل كتابة فصل جديد في تاريخهما الفني.. النجمة هدى المفتي، التي حقق مسلسلها السابق “80 باكو”، حضورًا قويا ونجاحا ملحوظا، والنجم أحمد مالك الذي قدم واحدا من أهم الأعمال الدرامية في السنوات الأخيرة من خلال مسلسل “أولاد الشمس”، يلتقيان في تجربة تبدو مختلفة في ملامحها وطموحها، ويستعين العمل بالمؤلف نفسه الذي رافق مالك في تجربته السابقة، مهاب طارق، أحد أهم المنافذ الجديدة في الدراما الحديثة، ومعهما المخرج المجرب والناجح عصام عبد الحميد، في توليفة فنية تمنح المسلسل ثقلا خاصا وتضعه في دائرة الترقب المبكر.
كل هذه العناصر تجعل من سوا سوا عملًا مرشحًا لتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، وربما يكون نقطة “فض اشتباك” حقيقية مع مفهوم نجومية رمضان، ليحمل كل من بطليه عملًا جديدًا باسم مستقل ومكانة أكثر رسوخا في خريطة النجوم
ويمكن إسقاط هذا المعنى نفسه على حالة آسر ياسين ودينا الشربيني، وإن كانا في عرف المهنة يسبقان مالك وهدى بخطوة أو أكثر.. غير أن العمل الذي يجمعهما هذه المرة يأتي مختلفًا جذريا عن كل تجاربهما السابقة، وهو ما يضعهما أمام اختبار جديد لتثبيت حضورهما الرمضاني في الذاكرة الجماعية للجمهور.
مسلسل “أتنين غيرنا” قد يكون علامة فارقة في مسيرة آسر ياسين ودينا الشربيني، لذلك استعانا بمخرج أصبح واحدًا من أهم صناع الدراما في مصر خلال السنوات الأخيرة، وهو خالد الحلفاوي، ومعهما المؤلفة رنا أبو الريش، التي سبق أن شاركت في كتابة أكثر من عمل ناجح، من بينها “كامل العدد”، الذي صعدت من خلاله دينا الشربيني درجات مهمة على سلم النجومية الرمضانية.
لكن هذه المرة تتصدى رنا للعمل بمفردها دون شريك في الكتابة، في خطوة تمثل تحديًا، وفرصة في آن واحد، وهي الفرصة التي تحتاجها مؤلفة موهوبة من أجل حفر اسمها بوضوح في عالم دراما.
يتصدر ماجد المصري أفيش وبوستر مسلسل “أولاد الراعي”، وهي خطوة كان ينتظرها كثيرون وتأخرت طويلا، خاصة بعد النجاح المذهل الذي حققه في “إش إش” العام الماضي، ومن خلال التنويهات الترويجية التي عرضت قبل انطلاق المنافسة، يبدو أن العمل مرشح لأن يكون تأكيدا جديدًا على نجومية المصري، إلى جانب أسماء أخرى مشاركة في البطولة مثل أحمد عيد، الذي عاد بقوة إلى الدراما بأدوار مختلفة وجريئة، والحاضر دائمًا بثقله الفني خالد الصاوي.
مسلسل “أولاد الراعي”، من تأليف ريمون مقار وإخراج محمود كامل، يعد من الأعمال المنتظرة بقوة في سباق رمضان لما يحمله من توليفة تمثيلية لافتة ولما يوحي به من ملامح درامية مليئة بالصراع الإنساني والبعد الاجتماعي.
أما ريهام عبد الغفور، فقد نجحت في كل مراحلها الفنية من ضيفة شرف إلى بطولة هامشية إلى بطولة مشتركة، حتى بدا واضحا أن الوقت قد حان لتتصدر مشهد الدراما وحدها، وهي بالفعل تستحق هذه النقلة المهمة التي ربما تأخرت قليلًا، لكنها تأتي هذا العام لتؤكد مقولة: “أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدا”.
ريهام تدخل موسم رمضان من بوابة مسلسل “حكاية نرجس” العمل الذي تتصدى لبطولته وينتظره عشاق أداء ممثلة استثنائية تمتلك حساسية خاصة في التعبير عن الانكسار الإنساني والقوة الداخلية في آن واحد، المسلسل من تأليف عمار صبري وإخراج سامح علاء، وهما الجناحان اللذان قد يمنحان ريهام القدرة على الطيران بعيدًا في فضاء البطولة المطلقة، وتكريس اسمها كنجمة صف أول في خريطة الدراما الرمضانية.
“اللون الأزرق”، ليس مجرد درجة لونية عابرة في طيف الألوان، بل لون الصفاء والهدوء، لون السماء التي تتسع للجميع دون تمييز، ولون البحر الذي يفتح ذراعيه للأفق بلا حدود، ومن هذه الدلالة الإنسانية الرحبة يستعير مسلسل “اللون الأزرق” اسمه، كأنه يعلن منذ العنوان انحيازه إلى مساحة مختلفة من الحكايات والمشاعر.
المسلسل يجمع في بطولته نجمين طالما أُسندت إليهما أدوار مهمة ومؤثرة في أعمال سابقة، لكن اللحظة لم تأت بعد ليحملا بطولة عمل كامل يضع موهبتهما في الصدارة، حتى جاء هذا المشروع ليمنحهما الفرصة المستحقة.. السورية جومانا مراد وأحمد رزق، والحقيقة أن الحديث عن جومانا ورزق لا يمكن أن يمر مرورا عابرا، فهما من العلامات الواضحة في خريطة الدراما المصرية والعربية، ويمتلكان تاريخا من التنوع والقدرة على التلون بين التراجيديا والكوميديا والدراما الإنسانية العميقة وإذا كان اجتماع نجمين بحجمهما سببا كافيًا للترقب، فإن معرفة أن النص من توقيع الكاتبة مريم نعوم، وأن الرؤية الإخراجية بيد سعد هنداوي، تجعل المشروع يبدو وكأنه وعد درامي حقيقي لا مجرد تجربة عابرة.
القادمون من الخلف
في عالم كرة القدم هناك مصطلح إيجابي شديد الدلالة.. “القادمون من الخلف”.. وهم اللاعبون الذين لا يقفون في صفوف الهجوم، لكنهم يشكلون خطرا حقيقيا على مرمى الخصوم.. يأتون من حيث لا يتوقعهم أحد، ويصنعون الفارق في اللحظة الحاسمة.. وفي عالم الدراما هذا العام يبدو أن المشهد يفرز هو الآخر مجموعة من “القادمون من الخلف”، الذين قد يشكلون خطرًا فنيا حقيقيا على مهاجمي الدراما ومدافعيها، ويعيدون ترتيب الخريطة الفنية بأكملها.
على رأس هؤلاء يأتي أحمد داود، من خلال مسلسله الجديد “بابا وماما جيران”، الذي تشاركه بطولته ميرنا جميل.. داود من النجوم الذين يجب أن يعمل لهم الوسط الفني ألف حساب، فهو ممثل يمتلك موهبة حقيقية غير صاخبة، وقدرة نادرة على التواجد في مساحات مختلفة ومتباينة من الدراما النفسية الثقيلة إلى الأدوار الاجتماعية وصولًا إلى الكوميديا الهادئة التي تعتمد على الإحساس لا على الإفيه السريع، هذه المرة يطرح داود نفسه في قالب كوميدي خفيف، لكنه محمل بدلالات اجتماعية، من تأليف محمد سليمان عبد المالك وولاء شريف، وإخراج محمود كريم.. عمل اجتماعي الطابع مرشح لأن يحصد نسب مشاهدة مرتفعة، لأنه يخاطب العائلة والشارع معا ويقدم الضحكة بوصفها وسيلة للفهم لا للهروب
مؤكد أن اجتماع مصطفى غريب ومحمد دياب في عمل واحد يمنح التجربة ثقلا خاصا وفرصة حقيقية لثنائي يجتمع للمرة الأولى حتى لو جاء العمل قريبا في روحه من فيلم شهير فإن ذلك لا يقلل من أهميته بل قد يضيف إليه بعدا جديدا.
نحن هنا أمام مسلسل هي “كيميا” الذي يقترب في أجوائه كثيرا من الفيلم الخالد “الكيف”، ذلك العمل الذي ظل محفورًا في الذاكرة الجماعية بوصفه علامة من علامات السينما المصرية.. المسلسل يجمع بين “صاروخ كوميديا” يتمثل في مصطفى غريب، وممثل من العيار الثقيل هو محمد دياب، في توليفة تجمع الخفة والعمق في آن واحد.
العمل من تأليف مهاب طارق وإخراج إسلام خيري، وهما اسمان يضيفان إلى المشروع ثقة فنية مبكرة، ومن المرجح أن يكون هذا المسلسل طبقا رئيسيا على مائدة رمضان، لا مجرد صنف جانبي يستهلك وينسى سريعا.
أما كزبرة ذلك الاسم الذي كان في مواسم سابقة أشبه بطبق من المقبلات على مائدة الدراما الرمضانية، فقد أصبح مع موسم رمضان 2026 طبقًا رئيسيًا بامتياز، بعدما تصدى لبطولة مسلسل كامل يحمل عنوان “بيبو”.. والمفاجأة اللافتة أن المسلسل من تأليف المخرج الكبير تامر محسن، وإخراج أحمد شفيق، وهما اسمان يشكلان في حد ذاتهما علامة جودة وضمان مشاهدة.
إنها قفزة نوعية في مسيرة كزبرة، من خانة الظهور المحدود، إلى مركز البطولة، ومن مساحة التجريب إلى مساحة المسؤولية الكاملة عن العمل.
ومن عالم السوشيال ميديا، حيث تُصنع النجومية بسرعة الضوء، وتختبر تحت ضغط الجمهور اللحظي، يأتي أحمد رمزي ليخوض مغامرته الجديدة في الدراما التليفزيونية من خلال مسلسل “فخر الدلتا”.. رمزي يسعى إلى أن ينقل نجاحه من العالم الافتراضي إلى براح “الشاشة الصغيرة”، وأن يثبت أن الموهبة الرقمية يمكن أن تتحول إلى حضور درامي حقيقي لا مجرد ظاهرة مؤقتة.. يخوض التجربة بصحبة المخرج هاني بسيوني والمؤلف عبد الرحمن جاويش، آملا أن تكون هذه الخطوة جسر عبور من منصات التواصل إلى فضاء الدراما المصرية العريض، حيث لا يكفي عدد المتابعين بل يقاس النجاح بقدرة العمل على البقاء في الذاكرة.
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟
ياسمين صبري والبطولة المطلقة







