من وراء النافذة

التقارب المصرى التركى فى الميزان الإسرائيلى

هالة العيسوى
هالة العيسوى


حتى بضع سنوات مضت كان التقارب المصرى التركى بعيد المنال، مما أشاع ارتياحًا فى تل أبيب نظرًا للثقل الإقليمى الذى تتمتع به الدولتان، ولطبيعة العلاقة مع كل منهما. كانت تركيا أول دولة إسلامية تقيم علاقات علنية مع إسرائيل عام 1949. ومنذ ذلك الحين، شهدت العلاقات تقلبات ما بين تعاون استراتيجى وتقارب تركى مع إسرائيل شكل جزءًا من تحوّل أوسع فى سياستها الإقليمية، وبين تناحر راجع إلى انتماء أنقرة الإسلامى السنى واصطفافها فى جانب القضية الفلسطينية.

كما شكّل تقارب إسرائيل مع اليونان وقبرص - خصمى تركيا - وإنشاء منتدى الغاز دون مشاركة تركيا تحديًا كبيرًا لسياستها فى مجال الطاقة، إذ وقّعت إسرائيل اتفاقية لنقل الغاز الإسرائيلى إلى أوروبا عبر شراكة منتدى الغاز. ومصر هى أول دولة عربية تعقد اتفاق سلام مع إسرائيل وهى لسان الميزان فى الحفاظ على أمن الإقليم وحمايته من تهديد الإرهاب. ولطالما كانت مصلحة إسرائيل فى التباعد بين هاتين القوتين الإقليميتين. 
أما الآن فقد نشأت ظروفٌ تمكن كلًا من مصر وتركيا من خلق توازن قوى جديد فى المنطقة، لا يصبّ فى مصلحة إسرائيل بالطبع، نظرًا لما يؤديه التقارب بين البلدين من تعميق عزلتها السياسية.

فكان للتهديدات المتزايدة من إسرائيل فى شرق البحر الأبيض المتوسط وغزة أثر دفع مصر وتركيا نحو التقارب الاستراتيجى، خاصة مع تلاقى مصالح البلدين مما يخلق الظروف لما يراه بعض المحللين الآن إمكانية لمحور إقليمى جديد فى مواجهة التهديد الإسرائيلى»، حسب ما صرح به صباح تونج دميرتاش، خبير الأبحاث السياسية فى مركز الأبحاث التركى SETA، لصحيفة ديلى صباح التركية.

كان من دواعى قلق تل أبيب الدعم التركى المطلق لموقف مصر بشأن محور فيلادلفيا، الذى يُلزم إسرائيل بالانسحاب من الحدود. وإلى جانب موقفها الواضح المؤيد لحماس، ترى أنقرة أن انسحاب إسرائيل من محور فيلادلفيا ضرورى لإنهاء اعتماد غزة على إسرائيل فى تقديم المساعدات الإنسانية. كذلك كان لبيان الإدانة التركى ردًا على خطاب نتانياهو لتحميله مصر مسئولية تسليح الجماعات الإرهابية فى غزة دلالة قوية على تلاقى المصالح التركية والمصرية. من ثم تُعتبر التطورات فى غزة تهديدًا للأمن القومى المصرى، ولذلك فإن القاهرة على استعداد للتعاون مع تركيا لضمان استقرار الوضع فى غزة وعدم امتداده إلى مصر».

علاوة على ذلك فإن تراجع فكرة تطبيع العلاقات مع السعودية تضاف إلى مثيرات القلق الإسرائيلى، حتى أن بعض المستشارين الإسرائيليين يرى أنه إذا لم تُقدم إسرائيل المساعدات اللازمة لتحسين الوضع الأمنى للسعودية، فستبحث الرياض عن هذه المساعدات فى مكان آخر. وهذا يُسهم أيضًا فى إضعاف علاقات إسرائيل مع دول السلام التقليدية كمصر. 

فى ظل هذه الظروف، رأى خبراء الاستراتيجيات أنه يتعين على إسرائيل أن تكون متيقظةً للمكانة التى تسعى تركيا إلى ترسيخها فى المنطقة، وأن تُعزّز، من بين أمور أخرى، علاقاتها مع قبرص واليونان، وأن تُوازن تحركات تركيا تجاه مصر، من خلالهما أيضًا. وفى دراسة أعدها معهد دراسات الأمن القومى الإسرائيلى جاءت توصية بضرورة دراسة كيفية استغلال التطورات فى المنطقة لصالح تل أبيب. والتنبيه إلى أهمية تركيا فى النسيج الإقليمى، نظرًا لحجمها وموقعها الجيوسياسى وقوتها العسكرية وعضويتها فى حلف الناتو وقوتها الناعمة. وأن التعاون معها قد يُتيح فرصًا إضافية لإسرائيل لتعزيز علاقاتها فى المنطقة وخارجها. والإشارة إلى أهمية التجارة المتبادلة (التى تستمر بغض النظر عن التوترات السياسية)، كل ذلك بالتوازى مع الحفاظ على علاقاتها مع كل من اليونان وقبرص لخلق التوازن الرادع فى العلاقة مع تركيا.