للفن قدرة سحرية على استدعاء الحنين، تتزايد عندما يرتبط ما نراه على الشاشة بذكرياتنا، يحدث ذلك فى أفلام نتابعها من مقاعد المتفرجين، فما بالنا إذا كان العمل جزءاً من تكويننا؟ .
«الرجل ذو القبعة»، فيلم أمريكى يحتفى بمسيرة الدكتور زاهى حواس، والاحتفاء يفتح بوابات عالم ثرى، يتنقّل بنا بين أماكن النشأة والتكوين ثم الإنجازات المتعاقبة. جلستُ أتابع سيرة حياة الدكتور زاهى، وشعرتُ أن الفيلم لا يخصه وحده، بل يمسّنى بشكلٍ مباشر، لأننى عايشتُ معظم تفاصيله منذ لقائنا الأول قبل ثلاثين عاما، وأعتقد أن الانطباع نفسه دار ببال كثيرين اقتربوا منه، لهذا اعتبرنا معظم مشاهد العمل الوثائقى جزءاً منا، عشنا أحداثه معه فى الهرم وسقارة والأقصر والإسكندرية، وأماكن أخرى ترك فيها العالم الكبير بصمات لا تُنسى.
هو بطل الفيلم بالتأكيد، لكنه أكد أنه ليس وحده، فهناك العشرات من الأثريين والعمال شاركوه، وحرص على الإشارة إلى دورهم. زهوة الضوء لم تجعله ينسى نجوم الظل، وهذه إحدى أهم مميزاته، فهو يعرف كيف يحتوى البشر حتى لو اختلفوا معه، ينفعل مؤقتاً ثم يستوعب النقد، وربما يكون ذلك أحد أسباب شهرته العالمية، بالإضافة إلى إنجازاته العلمية بالطبع، بدا هذا واضحا خلال الفيلم، الذى لم يُغفل انتقاداتٍ تعرض لها، لكنه ردّ عليها بهدوء يُحسد عليه.
قبل أسبوع، امتلأ مسرح متحف الحضارة عن آخره، احتضن فنانين وسياسيين بارزين وإعلاميين كبارا، وعشرات المتخصصين فى الآثار، ومع ذلك حرص «ذو القبعة» على الترحيب بالعامة من أمثالي، بمجرد أن أضاءت القاعة أنوارها، ترحيبه لم يتوقف عند حد عبارات المجاملة منزوعة الدفء، بل جاء فى أحيان كثيرة مغلّفا بمفردات ذات خصوصية، تمنح مَن يتلقاها انطباعاً بأن الحفل دون حضوره لم يكن ليكتمل.
الفيلم جيد، غير أن مَن عاش اكتشافات العالم الكبير عن قُرب، سيشعر فوراً أن الحقيقة أكثر إثارة من الفن، وأن الشاشات مهما حلَقت فى فضاءات الإبداع، لن تصمد فى أية منافسة أمام حضارتنا، التى ساهم حواس فى كشف بعض أسرارها.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







